الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        وأما قوله: «أشهد» فليست صيغة إذا، فليس كذلك بل هو للتوبيخ; لما يدل عليه بقية ألفاظ الحديث، حيث أمر برد تلك الصدقة، وأخبر أنها جور فالمراد به: التوبيخ والوعيد، كقوله تعالى: فإن شهدوا فلا تشهد معهم ليس على إباحة الشهادة على الجور والباطل، لكن كما قال تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وقوله: اعملوا ما شئتم ثم على فرض أن قوله: «أشهد على هذا غيري» صيغة أمر، فالمراد به نفي الجواز كقوله صلى الله عليه وسلم:

        (215) فيما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنه: «خذيها فأعتقيها واشترطي لهما الولاء، فإن الولاء لمن أعتق» . [ ص: 226 ] وبدليل قوله: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذا»، وهذا نهي صحيح، وكما تدل عليه بقية الروايات.

        وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده مع أمره برده، وتسميته جورا؟ وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي صلى الله عليه وسلم على التناقض والتضاد، ولو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرده، وإنما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاد النهي عن إتمامه» .

        الوجه السابع:

        (216) ما رواه النسائي: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن فطر قال: حدثني مسلم بن صبيح قال: سمعت النعمان، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا سويت بينهم» ، فدل على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنزيه.

        وأجيب: بأن هذا جيد، لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيما أن تلك الرواية بعينها، وردت بصيغة الأمر أيضا حيث قال: «سو بينهم» .

        الوجه الثامن: ما جاء في رواية مسلم، قال ابن عون: فحدثت به محمد - ابن سيرين - فقال: «إنما تحدثنا أنه قال: قاربوا بين أولادكم» . [ ص: 227 ] وأجيب عن ذلك بثلاثة أمور:

        الأول: أنه منقطع.

        الثاني: أنه لو صح، فإن المقاربة: الاجتهاد في التعديل، كما قال تعالى: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة فصح أن المجتهد في التعديل بين أولاده إن لم يصادف حقيقة التعديل كان مقاربة إذا لم يقدر على أكثر من ذلك.

        الثالث: أن المخالفين لا يوجبون المقاربة كما لا يوجبون التسوية.

        الوجه التاسع: التشبيه الواقع في التسوية بينهم، بالتسوية منهم في بر الوالدين قرينة تدل على أن الأمر للندب.

        وأجيب: بأن هذا خلاف إطلاق الجور على عدم التسوية، وخلاف المفهوم من قوله: «لا أشهد إلا على حق» ، وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه قال: «فلا إذا» .

        الوجه العاشر: أن معنى «لا أشهد على جور» أي: لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض.

        [ ص: 228 ] وأجيب: بأن هذا فيه بعد، ويرده قوله في الرواية الثانية: «لا أشهد إلا على حق» .

        الوجه الحادي عشر: أنه جاء في رواية جابر أن بشير بن سعد رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن بنت فلان سألتني أن أنحل ابني غلاما، وقالت: أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أله إخوة؟ قال: نعم، قال: أو كلهم أعطيته؟ قال: لا، قال فإن هذا لا يصلح، فإني لا أشهد إلا على حق» .

        ففي حديث جابر أن بشيرا ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهب، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالأولى، وحديث جابر أولى; لأنه كان كبيرا وكان النعمان صغيرا، والكبير أحفظ وأضبط.

        وأجيب بما يلي:

        أولا: أنه لا يسلم أن الحديث يدل على ما ذكروه، بل يدل على أنه لم يأت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن أعطى ابنه; يدل لذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: «أفكلهم أعطيته؟» مما يدل على أن الأمر قد وقع، ولو كان لم يعطه لقال: «أفكلهم ستعطيه» ; لأن الأمر ما زال أنفا.

        ثانيا: وأما كون النعمان كان صغيرا وجابر أسن منه، فيرده أن النعمان هو صاحب القصة، وصاحب القصة أعلم بما روى.

        الوجه الثاني عشر: عمل الصحابة: ومنهم أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر رضي الله عنهم من بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التسوية قرينة ظاهرة تدل على أن الأمر للندب. [ ص: 229 ] ونوقش: بعدم التسليم بأن ترك العدل من عملهم، وقد بينا حين المناقشة لكل أثر عدم صحة ذلك.

        ما ورد عن الصحابة:

        (217) 2 - ما رواه عبد الرزاق من طريق ابن سيرين أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قسم ماله بين بنيه في حياته فولد له ولد بعد ما مات، فلقي عمر أبا بكر، فقال: «ما نمت الليلة من أجل ابن سعد هذا المولود لم يترك له شيئا؟ فقال أبو بكر: وأنا والله ما نمت الليلة - أو كما قال - من أجله، فانطلق بنا إلى قيس بن سعد نكلمه في أخيه، فأتياه فكلماه، فقال قيس: أما شيء أمضاه سعد فلا أرده أبدا، ولكن أشهدكما أن نصيبي له» .

        قال ابن حزم: «قد زاد قيس على حقه، وإقرار أبي بكر لتلك القسمة دليل على صحة اعتدالها» .

        ونوقش من وجوه:

        الوجه الأول: منقطع; فابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، ولا أبا بكر ولا عمر، ولم يثبت سماعه من قيس، وإن كان قد أدرك زمانه.

        الوجه الثاني: أنه لو صح فأين منه وجوب اشتراك المولود بعد الهبة، وغاية ما فيه أن أبا بكر وعمر كلما قيسا في أخيه، وليس ذلك إلا مجرد شفاعة له.

        الوجه الثالث: قوله: «ولكن أشهد كما أن نصيبي له» فهبة مستأنفة من [ ص: 230 ] قيس تبرعا لا دليل على وجوبه عليه، وليس هذا من الاشتراك في ما تركه أبوه كما لا يخفى.

        3 - ما ورد أن أبا بكر الصديق قال لعائشة أم المؤمنين: «يا بنية، إني نحلتك نخلا من خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي، وإنك لم تكوني احتزتيه فرديه على ولدي، فقالت: يا أبتاه لو كانت لي خيبر بجدادها ذهبا لرددتها.

        ونوقش: بأن هذا احتجاج ساقط; لأن في الأثر قوله: «وإنك لم تكوني احتزتيه» وهو يدل أنها لو حازته لكان ما فعله نافذا، وإنما أبطله أبو بكر بنص قوله: إنها لم تحزه.

        (218) 4 - ما رواه ابن حزم من طريق محمد بن أحمد بن الجهم، أنا إبراهيم الحربي، أنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل بن إبراهيم - ابن علية - ، عن بهز بن حكيم، عن أبيه حكيم، عن أبيه، معاوية بن حيدة: «أن أباه حيدة كان له بنون لعلات أصاغر ولده وكان له مال كثير فجعله لبني علة واحدة، فخرج ابنه معاوية حتى قدم على عثمان بن عفان فأخبره بذلك، فخير عثمان الشيخ بين أن يرد إليه ماله، وبين أن يوزعه بينهم؟ فارتد ماله، فلما مات تركه الأكابر لإخوتهم» . [ ص: 231 ] ونوقش: بأنه إنما يتم الاحتجاج بأثر عثمان، لو ثبت أن الذين جعل لهم حيدة ماله من بنيه كانوا صغارا غير محتملين، أو كبارا قد سلم إليهم ما وهبه لهم، ولا يدل على ذلك قوله - «فارتد ماله» لكونه محتملا لرد الهبة دون العين، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان - ، ويحتمل أن هذه الهبة كانت منه في مرض قد خاف منه عثمان على نفسه; لأنه كان من المعمرين، فأمره برد الهبة لكونها كالوصية للوارث، فلما برأ من مرضه ذلك تمت هبته الأولى، ولذلك تركه الأكابر لإخوتهم بعد موته، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

        5 - أن العقوق محرم، وتفضيل الوالد بعض أولاده يورث الوحشة والعقوق فيكون محرما، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لبشير رضي الله عنه: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذا» .

        6 - ولأن تفضيل بعضهم يورث العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها.

        ونوقش من أمرين:

        الأمر الأول: بأن هذا إذا قصد الإضرار لهم، وإلا فلا، وأيضا فأوجبوا التسوية بين سائر الأقارب من الإخوة والأخوات وأولاد البنين والبنات، ولم يقل أحد بذلك مع أن التفضيل يوقع الوحشة والعداوة كما في الأولاد.

        [ ص: 232 ] الأمر الثاني: لو كانت العلة هذه فقولوا بجواز التفضيل بينهم سرا حتى لا يطلع عليه غير الموهوب له، وأما تزويج المرأة على عمتها أو خالتها فإن المنافسة بين الضرائر لابد منها عادة، وأمر النكاح مبني على الإشهار والإعلام.

        وأجيب:

        أما الأمر الأول: فلا يسلم بحصول الوحشة بين سائر الأقارب ولو حصل فليس في منزلة الوحشة بين الأولاد.

        أما الأمر الثاني: فليس كل العلة حصول القطيعة بين الأولاد، بل من العلة ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم من تحقيق العدل بين الأولاد الذي تكون ثمرته برهم جميعا لوالدهم.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية