الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              2615 [ ص: 456 ] باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة

                                                                                                                              وذكره النووي في : (كتاب الرضاع) .

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم النووي ص 18 ج 10 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة، أن عائشة أخبرتها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها . وإنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! هذا رجل يستأذن في بيتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أراه فلانا" (لعم حفصة من الرضاعة) ، فقالت عائشة : يا رسول الله! لو كان فلان حيا (لعمها من الرضاعة) : دخل علي؟

                                                                                                                              قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم. إن الرضاعة تحرم: ما تحرم الولادة".].


                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن عائشة " رضي الله عنها " : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان عندها . وإنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة . قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله ! هذا رجل يستأذن في بيتك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أراه) بضم الهمزة . أي : أظنه [ ص: 457 ] (فلانا - لعم حفصة من الرضاعة - قالت عائشة : قلت : يا رسول الله لو كان فلان حيا - لعمها من الرضاعة - : دخل علي ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم.

                                                                                                                              اختلف في عم عائشة ;

                                                                                                                              قال أبو الحسن القابسي : هما عمان لها من الرضاعة . أحدهما : أخو أبيها من الرضاعة . ارتضع هو وأبو بكر من امرأة واحدة . والثاني : أخو أبيها "أبي القعيس ". وهو أبوها من الرضاعة . وأخوه " أفلح " : عمها .

                                                                                                                              وقيل : هو عم واحد . قال النووي : وهذا غلط ; فإن عمها في حديث : "ميت ". وفي آخر : حي جاء يستأذن . فالصواب : ما قاله القابسي .

                                                                                                                              وذكر عياض القولين ، ثم قال : قول القابسي أشبه .

                                                                                                                              فإن قيل : فإذا كانا عمين ، كيف سألت عن الميت وأعلمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنه عم لها يدخل عليها ، وسألت عن عمها الآخر حتى أعلمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بأنه عمها يلج عليها ؟ فهلا اكتفت بأحد السؤالين ؟

                                                                                                                              [ ص: 458 ] قال عياض : فالجواب : أنه يحتمل أن أحدهما : كان عما من أحد الأبوين . والآخر : منهما . أو عما أعلى ، والآخر أدنى . أو نحو ذلك ; من الاختلاف ، فخافت : أن تكون الإباحة ، مختصة بصاحب الوصف المسئول عنه أولا .

                                                                                                                              (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) .

                                                                                                                              وفي رواية : "يحرم من الرضاع : ما يحرم من الولادة " .

                                                                                                                              وفي أخرى : " يحرم من الرضاع : ما يحرم من الرحم " .

                                                                                                                              وفي لفظ : "من النسب" . " وفي حديث الباب : الإذن : بدخول العم من الرضاعة عليها . " وفي الحديث الآخر : " فليلج عليك عمك".

                                                                                                                              وهذه الأحاديث : متفقة على ثبوت حرمة الرضاعة . وأجمعت الأمة : على ثبوتها بين الرضيع والمرضعة . وأنه : يصير ابنها ، يحرم عليه : نكاحها أبدا . ويحل له النظر إليها ، والخلوة بها . والمسافرة معها .

                                                                                                                              ولا يترتب عليه : أحكام الأمومة من كل وجه ، فلا يتوارثان . ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر . ولا يعتق عليه بالملك .

                                                                                                                              [ ص: 459 ] ولا ترد شهادته لها . ولا يعقل عنها . ولا يسقط عنها القصاص بقتله . فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام .

                                                                                                                              وأجمعوا أيضا : على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع ، وبين الرضيع وأولاد المرضعة . وأنه في ذلك كولدها من النسب ، لهذه الأحاديث .

                                                                                                                              وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه ، لكونه زوج المرأة ، أو وطئها بملك أو شبهة : فمذهب الشافعية ، ومذهب العلماء كافة : ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ، ويصير ولدا له . وأولاد الرجل : إخوة الرضيع ، وأخواته . وتكون إخوة الرجل : أعمام الرضيع . وأخواته : عماته . وتكون أولاد الرضيع : أولاد الرجل .

                                                                                                                              ولم يخالف في هذا : إلا أهل الظاهر ، وابن علية : فقالوا : لا تثبت حرمة الرضاع ، بين الرجل والرضيع . ونقله المازري : عن ابن عمر ، وعائشة . واحتجوا بقوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) . ولم يذكر البنت والعمة ، كما ذكرهما في النسب .

                                                                                                                              واحتج الجمهور : بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة : في عم عائشة وحفصة . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم - مع إذنه فيه -: إنه يحرم من الرضاعة ، ما يحرم من الولادة .

                                                                                                                              [ ص: 460 ] وأجابوا عما احتجوا به من الآية : أنه ليس فيها نص بإباحة البنت ، والعمة ، ونحوهما . لأن ذكر الشيء ، لا يدل على سقوط الحكم عما سواه ، لو لم يعارضه دليل آخر . كيف وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة ؟ قاله النووي .

                                                                                                                              وفي "شرح المنتقى" : قد استدل بأحاديث الباب على أنه : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، وذلك بالنظر إلى أقارب المرضع ، لأنهم أقارب للرضيع .

                                                                                                                              وأما أقارب الرضيع : فلا قرابة بينهم وبين المرضع .

                                                                                                                              قال : والمحرمات من الرضاع سبع ;

                                                                                                                              الأم ، والأخت ، بنص القرآن . والبنت ، والعمة ، والخالة ، وبنت الأخ ، وبنت الأخت . لأن هؤلاء الخمس : يحرمن من النسب .

                                                                                                                              وقد وقع الخلاف ، هل يحرم بالرضاع ما يحرم من الصهار ؟

                                                                                                                              وقد حقق ذلك " ابن القيم " في "الهدي" ، بما فيه كفاية . فليرجع إليه .

                                                                                                                              وقد ذهب الأئمة الأربعة : إلى أنه يحرم نظير المصاهرة : بالرضاع ، فيحرم عليه : أم امرأته من الرضاعة . وامرأة أبيه من الرضاعة .

                                                                                                                              ويحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة . وبين المرأة وعمتها . وبينها وبين خالتها من الرضاعة .

                                                                                                                              [ ص: 461 ] وقد نازعهم في ذلك : ابن تيمية ، كما حكاه صاحب "الهدي" .

                                                                                                                              وحديث عائشة (في دخول "أفلح" عليها) : فيه دليل على ثبوت حكم الرضاع : في حق زوج المرأة وأقاربه ، كالمرضعة . وقد ذهب إلى هذا : جمهور أهل العلم ; من الصحابة ، والتابعين ، وسائر العلماء . وقد وقع التصريح بالمطلوب ، في رواية لأبي داود ، بلفظ : قالت عائشة : دخل علي " أفلح " فاستترت منه ، فقال : أتستترين مني وأنا عمك ؟ قلت : من أين ؟ قال : أرضعتك امرأة أخي) . قلت : إنما أرضعتني المرأة ، ولم يرضعني الرجل . فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فحدثته فقال : " إنه عمك ، فليلج عليك ".

                                                                                                                              وروي عن عائشة ، وابن عمر ، وابن الزبير ، ورافع بن خديج ، وزينب بنت أم سلمة ، وسعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد وسالم ، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار ، والشعبي ، والنخعي ، وأبي قلابة ، وإياس بن معاوية القاضي : أنه لا يثبت حكم الرضاع للزوج . وروي هذا : عن الظاهرية . وروي : ما يدل على أنه قول جمهور الصحابة .

                                                                                                                              وأجيب : بأن الاجتهاد من بعض الصحابة ، والتابعين : لا يعارض النص . ولا يصح دعوى الإجماع لسكوت الباقين ، لأنا نمنع : أن هذه الواقعة ، بلغت كل المجتهدين منهم.

                                                                                                                              [ ص: 462 ] وثانيا : أن السكوت في المسائل الاجتهادية ، لا يكون دليلا على الرضا .

                                                                                                                              وأما عمل عائشة بخلاف ما روت : فالحجة روايتها ، لا رأيها . وقد تقرر في الأصول : أن مخالفة الصحابي لما رواه : لا تقدح في الرواية . وقد صح عن علي : القول بثبوت حكم الرضاع للرجل . وثبت أيضا عن ابن عباس . كما في البخاري .




                                                                                                                              الخدمات العلمية