الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4245 باب في حوض النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وعظمه، وورود أمته

                                                                                                                              وذكره النووي، في: (الباب المتقدم).

                                                                                                                              [ ص: 38 ] (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 55 جـ 15، المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء؛ فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا" .

                                                                                                                              قال: وقالت أسماء بنت أبي بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم وسيؤخذ أناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم! قال: فكان ابن أبي مليكة يقول اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن عن ديننا ]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله عنهما؛ (قال: قال رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: "حوضي، مسيرة شهر، وزواياه: سواء). معناه: طوله كعرضه. كما في حديث "أبي ذر"؛ عند مسلم: "عرضه مثل طوله". قال القسطلاني: أي لا يزيد طوله على عرضه.

                                                                                                                              [ ص: 39 ] قال: وفيه رد على من جمع بين اختلاف مسافة الحوض باختلاف العرض والطول.

                                                                                                                              (وماؤه: أبيض من الورق). هكذا هو في جميع النسخ: "الورق" بكسر الراء. وهو الفضة. والنحويون يقولون: إن أفعل التفضيل؛ الذي يقال فيه: هو أفعل من كذا، لا يصاغ من اللون، ولا من غير الثلاثي. فلا يقال: زيد أبيض من عمرو. وإنما يقال: أشد بياضا. وهو أشد بياضا من كذا. وقد جاء في الشعر أشياء من هذا الذي أنكروه، فعدوه شاذا لا يقاس عليه. وهذا الحديث: يدل على صحته. وهي لغة، وإن كانت قليلة الاستعمال. ومنها: قول عمر، رضي الله عنه: "ومن ضيعها، فهو لما سواها: أضيع".

                                                                                                                              قال القسطلاني: فيه حجة للكوفيين، على إجازة "أفعل التفضيل": من اللون.

                                                                                                                              وقال البصريون: لا يصاغ منه، ولا من غير الثلاثي.

                                                                                                                              وفي مسلم؛ من رواية أبي ذر، وابن مسعود، عند أحمد؛ بلفظ: أشد بياضا من اللبن". انتهى.

                                                                                                                              قلت: والصواب: استعمال كل منهما، كما جاءت بهما الأحاديث. فعليك أن لا تكون كوفيا، ولا بصريا؛ بل سنيا أثريا.

                                                                                                                              [ ص: 40 ] (وريحه: أطيب من المسك). وفي حديث أبي ذر: "وأحلى من العسل". وزاد أحمد؛ من حديث ابن مسعود: "وأبرد من الثلج".

                                                                                                                              (وكيزانه: كنجوم السماء). وفي رواية: "فيه أباريق: كنجوم السماء". أي: في الإشراق، والكثرة.

                                                                                                                              وفي رواية: "والذي نفس محمد بيده! لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وكواكبها". وفي أخرى: "وإن فيه من الأباريق، كعدد نجوم السماء". وفي رواية: "آنيته عدد النجوم". وفي أخرى: ترى فيه أباريق الذهب والفضة، عدد نجوم السماء". وفي رواية: كأن الأباريق فيه: النجوم".

                                                                                                                              قال النووي: المختار الصواب: أن هذا العدد للآنية؛ على ظاهره. وأنها أكثر عددا من نجوم السماء. ولا مانع (عقلي ولا شرعي): يمنع من ذلك. بل ورد الشرع به مؤكدا. كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي نفس محمد بيده!... إلخ".

                                                                                                                              وقال عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايته الكثيرة. من باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يضع العصا عن عاتقه". وهو من

                                                                                                                              [ ص: 41 ] باب المبالغة، معروف في الشرع واللغة. ولا يعد كذبا؛ إذا كان الخبر عنه: في حيز الكثرة والعظم، ومبلغ الغاية في بابه. بخلاف ما إذا لم يكن كذلك.

                                                                                                                              قال: ومثله: "كلمته ألف مرة، ولقيته مائة كرة". فهذا جائز، إذا كان كثيرا. وإلا فلا. انتهى. قال النووي: والصواب: الأول.

                                                                                                                              قلت: ولا استحالة في تحقق هذا العدد. فقد ورد في الحديث: ما يرشد إلى أن الله تعالى: يعطي المؤمن في الجنة؛ مثل الدنيا، وعشر أمثالها. وقدرة الله تعالى صالحة لكل شيء.

                                                                                                                              والظاهر: أن المراد بالسماء هنا: هذه السماء الدنيا، لا جميع السموات. ويحتمل أن تكون "السماء": اسم جنس. فيشمل كلها. ويكون عدد الكيزان، والأباريق، والآنية: أكثر من جميع نجومها. والله أعلم.

                                                                                                                              (فمن شرب منه: لا يظمأ بعده أبدا)...

                                                                                                                              "الظمأ": مهموز مقصور. كما ورد به القرآن العزيز. وهو العطش. يقال: ظمئ يظمأ ظمأ. فهو ظمآن. وهم "ظماء": بالمد. كعطش يعطش عطشا، فهو عطشان، وهم عطاش.

                                                                                                                              قال عياض: ظاهر هذا الحديث: أن الشرب منه؛ يكون بعد

                                                                                                                              [ ص: 42 ] الحساب، والنجاة من النار. فهذا هو الذي لا يظمأ بعده.

                                                                                                                              وقيل: لا يشرب منه؛ إلا من قدر له السلامة من النار.

                                                                                                                              قال: ويحتمل أن من شرب منه، من هذه الأمة؛ وقدر عليه دخول النار: لا يعذب فيها بالظمأ. بل يكون عذابه بغير ذلك؛ لأن ظاهر هذا الحديث: أن جميع الأمة يشرب منه؛ إلا من ارتد وصار كافرا.

                                                                                                                              قال: وقد قيل: إن جميع الأمم من المؤمنين، يأخذون كتبهم بأيمانهم. ثم يعذب الله من شاء من عصاتهم. وقيل: إنما يأخذه بيمينه الناجون خاصة.

                                                                                                                              قال: ومثله؛ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ورد شرب". هذا صريح في أن الواردين كلهم يشربون. وإنما يمنع منه الذين يذادون ويمنعون الورود؛ لارتدادهم. انتهى.

                                                                                                                              قال النووي: وقد سبق في كتاب الوضوء: بيان هذا الذود، والمذودين. انتهى.

                                                                                                                              قلت: فيه: أن هذا خاصة حوضه؛ صلى الله عليه وآله وسلم. وعند ابن أبي الدنيا؛ عن النواس بن سمعان: "أول من يرد عليه: من يسقي كل عطشان".

                                                                                                                              (قال: وقالت أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما: (قال رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: "إني على الحوض، حتى [ ص: 43 ] أنظر من يرد علي منكم. وسيؤخذ أناس من دوني، فأقول: يارب! مني ومن أمتي. فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم).

                                                                                                                              وفي صحيح البخاري؛ عن رواية أنس: "ليردن علي ناس من أصحابي الحوض. حتى إذا عرفتهم؛ اختلجوا دوني. فأقول: أصحابي. فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك".

                                                                                                                              وعنده؛ عن سهل بن سعد، بلفظ: "ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني. ثم يحال بيني وبينهم. فأقول: "إنهم مني. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقا، سحقا: لمن غير بعدي".

                                                                                                                              وعنده أيضا، عن أبي هريرة، بلفظ: "يرد علي يوم القيامة: رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض. فأقول: يا رب! أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك. إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى".

                                                                                                                              وهذه الأحاديث؛ لها طرق وألفاظ، في البخاري. وفيها: نفي علم الغيب؛ عن رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم. وإخبار عما أحدثت أمته بعده: من المعاصي والبدع، التي هي سبب الحرمان، من الشرب من الحوض، والبعد من النبي، صلى الله عليه وآله [ ص: 44 ] وسلم.

                                                                                                                              (قال: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم! إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو أن نفتن عن ديننا).

                                                                                                                              فيه: إشارة إلى أن الرجوع على العقب؛ كناية عن مخالفة الأمر، الذي تكون الفتنة بسببه. فاستعاذ منهما جميعا.

                                                                                                                              قال القرطبي "في التذكرة": قال علماؤنا: كل من ارتد عن دين، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن فيه؛ فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه. وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين؛ كالخوارج، على اختلاف فرقها. والروافض، على تباين ضلالها. والمعتزلة، على أصناف أهوائها. فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم، وطمس الحق، وقتل أهله، وإذلالهم. والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي.

                                                                                                                              وفي حديث كعب بن عجرة، عند الترمذي: "قال: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: أعيذك بالله، يا كعب بن عجرة! من أمراء، يكونون من بعدي. فمن غشيهم في أبوابهم، فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم: فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض. ومن غشي أبوابهم، ولم يصدقهم على كذبهم، ولم [ ص: 45 ] يعنهم على ظلمهم: فهو مني وأنا منه. ويرد علي الحوض). انتهى.

                                                                                                                              قلت: ومن جملة المطرودين عن حوضه، صلى الله عليه وآله وسلم؛ أيضا: من اتخذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، فقلدهم، وقابل الأهواء والآراء من أسلافهم: بآيات الكتاب العزيز، وأدلة السنة المطهرة؛ إيثارا للخلق على الحق. ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه: كان ما كان، وفي أي شيء من هذا الأمر كان. والله أعلم.

                                                                                                                              اللهم! لا تمكر بنا في الحياة، ولا عند الممات. واجعلنا من الفائزين بالجنات. واسقنا من حوض نبينا وجدنا وسيدنا: محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ خيرة الكائنات. (يا أرحم الراحمين! وأكرم الأكرمين!)، على العلات.




                                                                                                                              الخدمات العلمية