الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب فيما يحرم على المحرم من الوطء واللباس والصيد وغيره

                                                                                                                                                                                        الإحرام يمنع الرجل خمسة عشر شيئا :

                                                                                                                                                                                        الوطء وإن لم يكن إنزال ، والإنزال وإن لم يكن وطء في الفرج ، وعقد النكاح لنفسه ولغيره ، والخطبة ، ولبس المخيط ، وتغطية الرأس ، ولبس الخفين أو الشمشكين مع القدرة على النعلين ، وحلق الرأس وغيره من البدن ، وقص الأظفار ، وإزالة الشعث عن جميع الجسد الرأس وغيره ، والطيب ، والاصطياد ، وقتل الصيد وإن كان قد صاده غيره ، وإمساكه
                                                                                                                                                                                        وإن كان قد صاده قبل ذلك ، وقتل القمل .

                                                                                                                                                                                        والمرأة مساوية للرجل في ذلك سوى ثلاث : لبس المخيط ، وتغطية الرأس ، ولبس الخفين .

                                                                                                                                                                                        والأصل في منع الوطء : قول الله تعالى : فلا رفث . . . الآية [البقرة 197] .

                                                                                                                                                                                        وفي الحلاق : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [البقرة : 196] . وفي الاصطياد : قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما [المائدة : 96] ، وفي قوله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم . . . [المائدة : 95] ، ومن السنة : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينكح المحرم ، ولا ينكح ، ولا يخطب" ، وقال : "لا يلبس المحرم القميص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الأخفاف إلا ألا يجد نعلين ، فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا يلبس شيئا مسه ورس ولا [ ص: 1286 ] زعفران" . فتضمن منع المخيط وتغطية الرأس والرجلين والتطيب .

                                                                                                                                                                                        وقال في الذي وقصت به راحلته : "لا تخمروا وجهه ولا رأسه" . فمنع تغطية الوجه . وقال لكعب بن عجرة : "أتؤذيك هوامك" ؟ قال : نعم . قال - صلى الله عليه وسلم - : "احلق ، وانسك بشاة ، أو أطعم ستة مساكين ، مدين مدين لكل مسكين ، أو صم ثلاثة أيام" وقال : "لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين" .

                                                                                                                                                                                        فيفسد الحج التقاء الختانين فما بعد وإن لم ينزل ، والإنزال وإن لم يصب في الفرج ، وسواء كان عالما بتحريم ذلك أو جاهلا أو ناسيا . وإن كان الإنزال على أمر الغالب أن ينزل منه ، أو متردد هل يكون أم لا ؟ أفسد . وإن كان الغالب ألا ينزل فأنزل لم يفسد حجه ، وعليه الهدي . فإن حركته دابته فأدام حتى أنزل أفسد . فإن رهقه ولم يستدم لم يفسد وأهدى . وكذلك المرأة تحركها دابتها ، فتجد اللذة وتستديم حتى تنزل ؛ فقد أفسدت .

                                                                                                                                                                                        وقال في محرم أو محرمة عبثا بأنفسهما حتى أنزلا : أفسد ، وإن قبل ، أو [ ص: 1287 ] باشر ، أو ضم أهله فأنزل أفسد . واختلف في النظر والتذكر إذا كرر فأنزل ، فقال مالك : أفسد حجه . وروى أشهب عنه : ألا شيء على من تذكر حتى أنزل ، ويهدي .

                                                                                                                                                                                        وقال محمد : رواية ابن القاسم أحب إلينا إذا أدام ذلك وكرره . قال : وكذلك النظر .

                                                                                                                                                                                        يريد : إن كرر أفسد عند ابن القاسم ، ولم يفسد عند أشهب .

                                                                                                                                                                                        ولم يختلفا إذا لم يكرر النظر ولا التفكير فأنزل ألا يفسد ، وعلى هذا : إذا قبل امرأة أو غمز ، وشأنه ألا ينزل عند ذلك فأنزل ؛ ألا يفسد .

                                                                                                                                                                                        وفرق مالك بين الصوم والحج ، فقال فيمن نظر ، أو تفكر ولم يدم فأنزل : عليه القضاء ، ولا كفارة عليه . وإن أدام ذلك ؛ كان عليه القضاء والكفارة .

                                                                                                                                                                                        وقال في الحج : إذا لم يدم لم يفسد . ولا فرق بين الموضعين ، فإما أن يقال للجميع : ألا شيء عليه أو أن ذلك عليه ، إلا أن يحمل قوله في قضاء الصوم على الاستحسان ولا شيء عليه في الجميع فيستخف قضاء الصوم ليسارته . [ ص: 1288 ]

                                                                                                                                                                                        ومن أصاب محرمة طائعة أو مكرهة ، زوجته كانت أو غيرها أفسد حجها ، وعليه أن يحجها من ماله بعد إحلالها من هديه . قال محمد : فإن ماتت قبل أن يحجها أهدى عنها . ولم يجعل عليه أن يغرم نفقة العام الذي أفسد عليها .

                                                                                                                                                                                        قال مالك : وإن طلقها وتزوجت غيره ؛ فعلى الزوج الآخر أن يأذن لها . وقال فيمن أحرمت أمته بإذنه ، ثم أكرهها : عليه أن يحجها ، ويهدي عنها ، وإن باعها قبل ذلك كان عيبا ترد به ، إلا أن يتبرأ منه . وعلى قول سحنون لا يجوز البيع ؛ لأن المشتري يجبر على أن يدعها تحج القضاء ، فكان بيعا في تحجير ، إلا أن يفلس البائع .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية