الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ويصلي الركعة الثانية كالأولى ويعيد التعوذ كالابتداء .

التالي السابق


(ويصلي الركعة الثانية كالأولى) بواجباتها وسنتها وآدابها، (ثم يعوذ) ، أي: يأتي بالتعوذ [ ص: 75 ] (كالابتداء) ، وفي نسخة "كما في الابتداء"، قال في "المحرر": الأظهر من الوجهين أنه يستحب في كل ركعة، وليس بمختص بالركعة الأولى، قال شارحه الأصفهاني لظاهر قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ، ولأن الفعل قد وقع بين القراءتين فشابه قطع القراءة خارج الصلاة لشغل والعود إليها مرة أخرى، فإنه يستحب التعوذ، والوجه الثاني أنه لا يستحب في سائر الركعات قياسا على ما لو قطع لسجدة التلاوة في قراءة، ثم عاد إلى القراءة، فإنه لا يعيد التعوذ، ولأن ربط الصلاة يجعل الكل كقراءة واحدة، وأما أن الاستحباب في الركعة الأولى آكد؛ لأن ذلك قد اشتهر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشتهر في سائر الركعات، ولأن افتتاح قراءته في الصلاة إنما هو في الركعة الأولى، والباقية رابطة بالأولى، ومنهم من قال: إن في المسألة قولين، فعلى هذا الأظهر يكون من القولين، والأول هو ظاهر كلام المصنف، وإمام الحرمين، اهـ .

قلت: وعند أصحابنا لا يتعوذ في الركعة الثانية، ولا يثني؛ لأنه شرع ذلك في أول العبادة لدفع وسوسة الشيطان، فلا يتكرر إلا بتبدل المجلس كما لو تعوذ وقرأ، ثم سكت قليلا وقرأ، هذا هو المذهب، ولقائل أن يقول: ينبغي أن يكون هو كذلك على قول أبي حنيفة ومحمد أيضا على أنه تابع للقراءة عندهما، والقراءة تجدد في كل ركعة، وكون الصلاة كفعل واحد حكما لا ينفيه، كاتحاد المجلس في حق القراءة المتعددة فيه، للتخلل بينهما بفاصل من سجدة تلاوة، أو رد سلام ونحوه، وهذا التنظير أبداه شارح "المنية"، وفيه تأمل .



(تنبيه) :

ذكر النووي في "الروضة": ويستحب أن يقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح اهـ .

قلت: قد أورده في أذكاره في باب أذكار السجود مع غيره، والذي ذكره هو في صحيح مسلم من حديث عائشة، ومن أذكار السجود: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين". أخرجه مسلم من حديث علي، ومن أذكاره أيضا: "سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت". أخرجه مسلم من حديث عائشة، ومن أذكاره أيضا: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة عن عائشة، ومن أذكاره أيضا: "آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها". أخرجه أحمد من حديث عائشة، ومن أذكاره أيضا: "اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت". أخرجه النسائي من حديث عائشة، ومن أذكاره أيضا: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلانيته". أخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة.

ومن أذكاره أيضا: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت". أخرجه الشيخان من حديث أبي بكر، ومن أذكاره أيضا: "سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك علي، هذه يدي، وما جنيت على نفسي". أخرجه البزار من حديث ابن مسعود، فيستحب أن يجمع في سجوده ما ذكرناه من الأدعية، وذلك في حق المنفرد وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل، وقد ثبت "أنه صلى الله عليه وسلم كان يطيل السجدة، ولم يكن يطيلها إلا لذكر". فاحتمل أنه يكرر، واحتمل أنه يجمع، والثاني أقرب، والله أعلم .




الخدمات العلمية