الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
إذ ورد أن صلاة الليل مثنى مثنى .

التالي السابق


ثم استدل المصنف على أحسنية أربع ركعات بتسليمتين إن صلاها ليلا بقوله: ( وورد) أي: في الخبر ( صلاة الليل مثنى مثنى) . قال العراقي : أخرجاه من حديث ابن عمر . ا هـ .

قلت: أخرجاه وأبو داود والنسائي من طريق مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار كلاهما، عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن طريق سفيان بن عيينة، والبخاري والنسائي من طريق شعيب ابن أبي حمزة، ومسلم والنسائي من طريق عمرو بن الحارث، والنسائي عن طريق محمد بن الوليد الزبيدي، أربعتهم عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم سئل: كيف تصلي بالليل؟ قال: ليصل أحدكم مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح ليوتر بواحدة. وقوله: مثنى مثنى أي: اثنين اثنين، وهو ممنوع من الصرف للعدل والوصف، وفي صحيح مسلم عن عقبة بن حريث، فقيل لابن عمر : ما مثنى مثنى؟ فقال: يسلم من ركعتين .

فإن قلت: إذا كان مدلول مثنى اثنين، فهلا اقتصر على مرة واحدة؟ وما فائدة تكرير ذلك؟

قلت: هو مجرد تأكيد، وقوله: مثنى محصل للغرض .



وفيه أن الأفضل في نافلة الليل أن يسلم من كل ركعتين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والجمهور، رواه ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة ، والحسن البصري، وسعيد بن جبير ، وعكرمة، وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغيرهم، وحكاه ابن المنذر عن الليث بن [ ص: 476 ] سعد، وحكاه ابن عبد البر، عن ابن أبي ليلى وأبي ثور وداود، وقال الترمذي في جامعه: والعمل على هذا عند أهل العلم أن صلاة الليل مثنى مثنى، وهو قول النووي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ا هـ .

وقال أبو حنيفة : الأفضل أن يصلي أربعا أربعا، وإن شاء ركعتين، وإن شاء ستا، وإن شاء ثمانيا، وتكره الزيادة على ذلك؛ ودليله ما رواه الشيخان من حديث عائشة : كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. الحديث .

وأجاب بعض المالكية عن هذا الحديث بأن القول إذا عارضه الفعل قدم القول لاحتمال الفعل التخصيص، وقد استدل بمفهوم حديث ابن عمر الذي أورده المصنف أن نوافل النهار لا يسلم فيها من كل ركعتين، بل الأفضل أن يصليها أربعا أربعا، بهذا قال أبو حنيفة وصاحباه، ورجح ذلك بفعل ابن عمر راوي الحديث، فقد صح أنه كان يصلي بالنهار أربعا أربعا. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه، وعن نافع مولاه، وإبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وحكاه ابن عبد البر عن الأوزاعي .

وذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور إلى أن الأفضل في نوافل النهار أيضا التسليم من كل ركعتين. ورواه ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة ، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير ، وحماد بن أبي سليمان، وحكاه ابن المنذر عن الليث، وحكاه ابن عبد البر عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور، وداود.

والمعروف عن أبي يوسف ومحمد في نوافل النهار ترجيح أربع على ركعتين كما تقدم، وأجابوا عن مفهوم حديث ابن عمر بجوابين أحدهما أنه مفهوم لقب وليس بحجة عند الأكثرين، وثانيهما أنه خرج جوابا لسؤال من يسأل عن صلاة الليل، فكان التقييد بصلاة الليل ليطابق الجواب السؤال، لا لتقييد الحكم بها، كيف وقد تبين من رواية أخرى أن حكم المسكوت عنه وهو صلاة النهار مثل حكم المنطوق به وهو صلاة الليل. وأما فعل راوي الحديث ابن عمر وهو صلاته بالنهار أربعا فقد عارضه قوله: إن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وأيضا فالعبرة عند الجمهور بما رواه الصحابي، لا بما رآه وفعله .

قلت: الذي عارضه هو ما رواه أصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، وهذا قد اختلف فيه؛ فمنهم من صححه، ومنهم من نفاه وأنكره، وممن صححه البخاري، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان، وقال النسائي : هذا خطأ، وكذلك أنكره يحيى ابن معين، وكان شعبة أحد رواته ينفيه وربما لم يرفعه .

وقال الخطابي: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة من أصحابه لم يذكر فيها أحد صلاة النهار إلا أن سبيل الزيادات أن تقبل .

وقال الدارقطني : المحفوظ عن ابن عمر مرفوعا: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعا، وإنما تعرف صلاة النهار، عن يعلى بن عطاء، عن علي الأزدي، عن ابن عمر ، وخالفه نافع وهو أحفظ منه، وقال ابن قدامة في المغني: حديث البارقي قد تفرد بزيادة لفظة "النهار" من بين سائر الرواة، وقد رواه عن ابن عمر نحو خمسة عشر، لم يقل ذلك أحد سواه، وكان ابن عمر يصلي أربعا، فدل ذلك على ضعف روايته، والله أعلم .




الخدمات العلمية