الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكما أن الشياطين فيهم كثرة فكذلك في الملائكة كثرة، وقد ذكرنا في كتاب الشكر السر في كثرة الملائكة واختصاص كل واحد منهم بعمل منفرد به، وقد قال أبو أمامة الباهلي قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك، للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب الذباب عن قصعة العسل في يوم صائف وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل كل باسط يده فاغر فاه، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين وقال أيوب بن يزيد بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن، ثم ينشئون معهم .

وروى جابر بن عبد الله أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض قال: يا رب هذا الذي جعلت بيني وبينه عداوة، إن لم تعني عليه لا أقوى عليه؟! قال: لا يولد لك ولد إلا وكل به ملك، قال: يا رب زدني ، قال: أجزي بالسيئة سيئة وبالحسنة عشرا إلى ما أريد ، قال: رب زدني ، قال: باب التوبة مفتوح ما دام الروح في الجسد ، قال إبليس: يا رب، هذا العبد الذي كرمته علي ألا تعني عليه لا أقوى عليه؟! قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولد، قال: رب زدني ، قال: تجري منهم مجرى الدم ، وتتخذون صدورهم بيوتا ، قال: رب زدني ، قال: وأجلب عليهم بخيلك ورجلك إلى قوله: غرورا .

وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف عليهم الثواب والعقاب وخلق الله تعالى الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم، كما قال تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل .

وصنف أجسامهم أجسام بني آدم، وأرواحهم أرواح الشياطين وصنف في ظل الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله .

وقال وهيب بن الورد بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما السلام ، وقال : إني أريد أن أنصحك ، قال : لا حاجة لي في نصحك ، ولكن أخبرني عن بني آدم . قال : هم عندنا ثلاثة أصناف : أما صنف منهم وهم أشد الأصناف علينا ، نقبل على أحدهم حتى نفتنه ونتمكن منه .

فيفزع إلى الاستغفار والتوبة ، فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ، ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا ، فنحن منه في عناء وأما الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزل الكرة في أيدي صبيانكم نقلبهم كيف شئنا قد كفونا أنفسهم .

التالي السابق


(وكما أن الشياطين فيهم كثرة فكذلك الملائكة) فيهم كثرة (وقد ذكرنا في كتاب الشكر) على ما سيأتي السر (في كثرة الملائكة واختصاص كل واحد منهم بعمل منفرد به) أي: يخصه دون غيره، (وقد قال أبو أمامة الباهلي) رضي الله عنه (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه) أي: يدفعون عنه (ما لم يقدر عليه من ذلك، للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب الذباب) أي: يطرد ويدفع (عن قصعة العسل في يوم صائف) أي: حار ، فإنه يكثر فيه الذباب ويعسر دفعها (وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل كل باسط يده فاغر فاه) أي: فاتح (وما لو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين) قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ، والطبراني في المعجم الكبير بإسناد ضعيف. ا هـ .

قلت: وكذا رواه ابن قانع والبزار والصابوني في المائتين، ولفظهم جميعا، وكل بالمؤمن ستون وثلاثمائة ملك يذبون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك؛ للبصر تسعة أملاك يذبون عنه كما تذبون عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل جبل وسهل، كلهم باسط يديه فاغر فاه، وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين، وروى الطبراني في الكبير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه من حديث أبي أمامة، وكل بالشمس تسعة أملاك يرمونها بالثلج كل يوم ولولا ذلك ما أتت على كل شيء إلا أحرقته. وروى ابن

[ ص: 289 ] ماجه من حديث أبي هريرة : وكل بالركن اليماني سبعون ملكا الحديث، (وقال أيوب بن يزيد) بن زيد روى عن التابعين، قال الرازي: مجهول ، كذا في المغني للذهبي (بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن، ثم ينشئون معهم) ونحو ذلك ما روي عن قتادة أنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم ، وعن سفيان أنه يجتمع مع كل مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر (وقال جابر بن عبد الله) رضي الله عنه: (إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض قال: يا رب هذا الذي جعل بيني وبينه عداوة، ألا تعينني عليه لأقوى عليه؟! قال: لا يولد لك ولد إلا وكل به ملك) يحفظه من شره (قال: يا رب زدني ، قال: أجزي بالسيئة سيئة وبالحسنة عشرا إلا ما أزيد ، قال: رب زدني ، قال: باب التوبة مفتوح ما دام في الجسد الروح ، قال إبليس: يا رب، هذا العبد الذي كرمته علي ألا تعينني عليه لأقوى عليه؟! قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ، قال: رب زدني ، قال: تجري منهم مجرى الدم ، وتتخذون صدورهم بيوتا ، قال: رب زدني ، قال: وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) وشاركهم في الأموال والأولاد (إلى قوله غرورا ) ومن هنا كان منه الإضلال والتمنية والاحتناك وغير ذلك ، وكل منهما أجيب دعاؤه في صاحبه .

(وعن أبي الدرداء) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض) أي: وحشراتها، أي: على هيئاتهم وصورهم، ومن ثم ندب الإنذار قبل القتل، (وصنف كالريح في الهواء) ، وهذان الصنفان لا حساب عليهم ولا عقاب كما يشير إليه قوله (وصنف عليهم الثواب والعقاب) أي: مكلفون ولهم وعليهم (وخلق الإنس ثلاثة أصناف: فصنف كالبهائم، كما قال الله تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل وصنف أجسامهم أجسام بني آدم، وأرواحهم أرواح الشياطين) أي: مثلها في الخبث والشر ، (وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله) يعني: ظل عرشه ، فلا يصيبهم وهج الحر في ذلك الموقف الأعظم حين يصيب الناس ، ويلجمهم العرق إلجاما قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ، وابن حبان في الضعفاء في ترجمة يزيد بن سنان وضعفه ، وللحاكم نحوه مختصرا في الجن فقط: الجن ثلاثة أصناف. . . من حديث أبي ثعلبة الخشني ، وقال: صحيح الإسناد . ا هـ .

قلت: وكذلك رواه الحكيم في النوادر ، وأبو الشيخ في العظمة ، وابن مردويه في التفسير ، والديلمي في مسند الفردوس ، ويزيد بن سنان الرهاوي أحد رواته ضعفه ابن معين وغيره ، وتركه النسائي، ثم ساق له في الميزان مناكير هذا منها ، وأما حديث أبي ثعلبة الخشني، فرواه كذلك الطبراني في الكبير، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وأبو نعيم في الحلية ، والديلمي في مسند الفردوس ، ولفظهم جميعا: الجن ثلاثة أصناف فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء ، وصنف حيات وكلاب ، وصنف يحلون ويظعنون، قال الحكيم الترمذي : والصنف الثاني هم الذين ورد النهي عن قتلهم وهم ذوات البيوت؛ فإن تلك في صور الحيات وهم من الجن، وهم سكان البيوت (قال وهيب بن الورد) المكي، قيل: اسمه عبد الوهاب ، ووهيب لقب له ، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، وقد تقدمت ترجمته في كتاب الحج : (بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما السلام ، وقال: إني أريد أن أنصحك ، قال: لا حاجة لي في نصحك، ولكن أخبرني عن بني آدم. قال: هم عندنا ثلاثة أصناف: أما صنف فهم أشد الأصناف علينا ، نقبل على أحدهم حتى نفتنه ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة ، فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ، ثم نعود إليه) بالافتتان والتمكن منه (فيعود) إلى الاستغفار والتوبة (فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه) ما نريده من (حاجتنا ، فنحن منه في عناء) أي: مشقة ، (وأما الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم

[ ص: 290 ] نتلقفهم كيف نشاء) فقد كفونا أنفسهم .




الخدمات العلمية