الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الأسماء المذكورة فتسمية "الغوث" لا أصل لها في كلام أحد من السلف بالمعنى الذي يدعيه هؤلاء، ولا يعرف عن أحد من السلف أنه قال: فلان هو غوث هذه الأمة، أو إن للأمة غوثا بمكة أو يجيء مكة.

وأما لفظ "النقباء" فإنما ذكر في الكتاب والسنة بالمعنى الذي ذكره الله في قوله: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا [ ص: 65 ] منهم اثني عشر نقيبا . وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للأنصار اثني عشر نقيبا على عدد نقباء موسى . وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه عام حنين لما أطلق لهوازن السبي، فقال: "ليرفع لنا عرفاؤكم من طيب ممن لم يطيب" . وكان العسكر اثني عشر ألفا.

وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يعرفون العرفاء وينقبون النقباء؛ ليعرفوهم بأخبار الناس، وينقبوا عن أحوالهم. فهؤلاء هم النقباء المعروفون في الكتاب والسنة وكلام السلف.

وأما من جعل لأولياء الله نقباء هم اثنا عشر، أو جعل الخضر نقيب الأولياء، فهذا باطل، فإن أولياء الله لا يعرف أعيانهم على التفصيل أحد من البشر، لا نبي ولا غير نبي. وقد كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدينته مؤمنون ومنافقون، وقد قال الله له: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم .

وإذا لم يقع التمييز بين هؤلاء وهؤلاء لخير الخلق، فغيره [ ص: 66 ] أولى، ومن لم يعرف أعيان المنافقين جوز على من ظاهره الإسلام أن يكون مؤمنا، وإذا لم يعلم فجوره جاز أن يكون تقيا، وكل مؤمن تقي ولي لله.

وقالوا لعمر بن الخطاب: من يعطى المغازي؟ قيل: فلان وفلان وآخرون لا يعرفهم أمير المؤمنين، فقال: إن لا يكن عمر يعرفهم فإن الله يعرفهم، وقد قال تعالى: وما يعلم جنود ربك إلا هو .

وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف أمته يوم القيامة بسيماهم، فإنهم يكونون غرا محجلين من آثار الوضوء.

وأيضا فأولياء الله إذا كان لهم نقباء كان النقباء أخبر بهم ممن يرفعون أخبارهم إليه، ومعلوم أن الذين يرفعون أخبارهم إليه سواء كان نبيا أو غير نبي، هو أعلى مرتبة من النقباء، فيكون المفضول أعلم بأولياء الله من الفاضل، وهذا ممتنع. بخلاف النقباء الذين جاء بهم الكتاب والسنة، فإنهم يرفعون أخبارهم الظاهرة التي يشهد بها الشهود ويحكم بها الحكام، وإن كان قد يكون في ذلك ما يستدل به على الإيمان والتقوى، لكن الدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول عليه، فلا يشهد على شخص معين أنه ليس من أولياء الله إلا بعليم يقتضي ذلك. والنقباء لا [ ص: 67 ] يشهدون بذلك، ومن لم يشهد بذلك لم يكن عالما بمن هو ولي ممن ليس بولي.

التالي السابق


الخدمات العلمية