الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم إن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه روى هذا الحديث في خلافته، ورواه عنه كاتبه عبيد الله بن أبي رافع ، وأخبر فيه أنه هو والزبير ذهبا لطلب الكتاب من المرأة الظعينة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد لأهل بدر بما شهد، مع علم أمير المؤمنين بما جرى، ليكف القلوب والألسنة عن أن تتكلم فيهم إلا بالحسنى، فلم يأت أحد منهم بأشد ما جاء به حاطب، بل كانوا في غالب ما يأتون به مجتهدين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، وهذا حديث صحيح مشهور . [ ص: 81 ]

وثبت عنه أيضا أنه لما كان في غزوة الأحزاب فرد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيرا، وأمر نبيه بقصد بني قريظة، قال لأصحابه: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فمنهم قوم قالوا: لا نصليها إلا في بني قريظة، ومنهم قوم قالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، إنما أراد المسارعة، فصلوا في الطريق. فلم يعنف النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة من الطائفتين.

وكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه موافقة لما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه، حيث قال: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما . فأخبر سبحانه وتعالى أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في تلك القضية، وأثنى على كل منهما بما آتاه الله من العلم والحكم.

فهكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان -رضي الله عنهم ورضوا عنه-[كانوا] فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق.

وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل [ ص: 82 ] بدعة ضلالة" .

وروى عنه مولاه سفينة أنه قال: "الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا" ، فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي -رضي الله عنهما- الأمر إلى معاوية، وكان معاوية أول الملوك، وفيه ملك ورحمة، كما روي في الحديث: "ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض" .

وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرية، ولم يغنم لهم مالا، ولا أجهز على جريح، ولا اتبع مدبرا، ولا قتل أسيرا، وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفين، وقال: "إخواننا بغوا علينا" ، وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله سماهم إخوة، وجعلهم مؤمنين في الاقتتال والبغي، كما ذكر في قوله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .

وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح أنه قال: "تمرق مارقة على [ ص: 83 ] حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق". وهذه المارقة هم أهل حروراء، الذين قتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه لما مرقوا من الإسلام، وخرجوا عليه، فكفروه وكفروا سائر المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم.

وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق متواترة أنه وصفهم وأمر بقتالهم، فقال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقرآنه مع قرآنهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الذين يقتلونهم ما لهم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - لنكلوا عن العمل". فقتلهم علي رضي الله عنه وأصحابه، وسر أمير المؤمنين بقتلهم سرورا شديدا، وسجد لله شكرا، لما ظهر فيهم علامتهم، وهو المخدج اليد الذي على يده مثل البضعة من اللحم عليها شعرات، فاتفق جميع الصحابة على استحلال قتالهم، وندم كثير منهم -كابن عمر وغيره- أن لا يكونوا شهدوا قتالهم مع أمير المؤمنين. بخلاف ما جرى في وقعة الجمل وصفين، فإن أمير المؤمنين كان متوجعا لذلك القتال، متشكيا مما جرى، يتراجع هو وابنه الحسن القول فيه، ويذكر له الحسن أن رأيه أن لا يفعله.

فلا يستوي ما سر قلب أمير المؤمنين وأصحابه وغبطه به من لم يشهده، مع ما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه وساءه وساء قلب أفضل أهل بيته حب النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذي قال فيه: "اللهم إني أحبه، فأحب من [ ص: 84 ] يحبه" . وإن كان أمير المؤمنين هو أولى بالحق ممن قاتله في جميع حروبه.

ولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم وسماهم "إخواننا"، والقتلى الذين لم يصل عليهم، بل قيل له: من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؟ فقال: هم أهل حروراء.

فهذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته بقوله وفعله موافقا فيه لكتاب الله وسنة نبيه-: هو الصواب الذي لا معدل عنه لمن هدي رشده، وإن كان كثير من علماء السلف والخلف لا يهتدون لهذا الفرقان، بل يجعلون السيرة في الجميع واحدة، فإما أن يقصروا بالخوارج عما يستحقونه من البغض واللعنة والعقوبة والقتل، وإما أن يزيدوا على غيرهم ما يستحقونه من ذلك.

وسبب ذلك قلة العلم والفهم لكتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وسيرة خلفائه الراشدين المهديين، وإلا فمن استهدى الله واستعانه بحث عن ذلك، وطلب الصحيح من المنقول، وتدبر كتاب الله وسنة نبيه وسنة خلفائه، لاسيما سيرة أمير المؤمنين الهادي المهدي، التي جرى فيها ما اشتبه على خلق كثير فضلوا بسبب ذلك، إما غلوا فيه وإما جفاء عنه، كما روي عنه أنه قال: "يهلك في رجلان: محب غال يقرظني بما ليس في، ومبغض قال يرميني بما نزهني الله منه" . [ ص: 85 ]

وحد ذلك وملاك ذلك شيئان: طلب الهدى ومجانبة الهوى، حتى لا يكون الإنسان ضالا وغاويا، بل مهتديا راشدا. قال الله تعالى في حق نبيه - صلى الله عليه وسلم -: والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فوصفه بأنه ليس بضال وهو الجاهل، ولا غاو وهو الظالم، فإن صلاح العبد في أن يعلم الحق ويعمل به، فمن لم يعلم الحق فهو ضال عنه، ومن علمه فخالفه واتبع هواه فهو غاو، ومن علمه وعمل به كان من أولي الأيدي عملا ومن أولي الأبصار علما. وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه في كل صلاة أن نقول: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فالمغضوب عليهم: الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كاليهود، والضالون: الذين يعملون أعمال القلوب والجوارح بلا علم كالنصارى.

ولهذا وصف الله اليهود بالغواية في قوله تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ، ووصف العالم الذي لم يعمل بعلمه بذلك في قوله تعالى: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه .

ووصف النصارى بالضلال في قوله تعالى: ولا تتبعوا أهواء قوم [ ص: 86 ] قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ، ووصف بذلك من يتبع هواه بغير علم حيث قال: وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ، وقال: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله .

وأخبر أن من اتبع هداه المنزل فإنه لا يضل كما ضل الضالون، ولا يشقى كما شقي المغضوب عليهم، فقال: فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية