الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقد قتل غير واحد من الأنبياء والصحابة والصالحين مظلوما شهيدا ، وليس في دين المسلمين أن يجعلوا يوم قتل أحدهم مأتما ، وكذلك اتخاذه عيدا بدعة . وكل ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم عاشوراء غير صومه فهو كذب ، مثل ما يروى في الاغتسال يوم عاشوراء ، والاكتحال ، وصلاة يوم عاشوراء ، ومثل ما يروى : "من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته" . قال أحمد [ ص: 152 ] ابن حنبل : لا أصل لهذا الحديث . وكذلك طبخ طعام جديد فيه الحبوب أو غيرها ، أو ادخار لحم الأضحية حتى يطبخ به يوم عاشوراء .

كل هذا من بدع النواصب ، كما أن الأول من بدع الروافض .

وأهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الأديان ، يتولون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته ويعرفون حقوق الصحابة وحقوق القرابة كما أمر الله بذلك ورسوله ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت عنه في الصحاح من غير وجه أنه قال : "خير القرون القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم" .

وثبت عنه في الصحيحين أنه قال : "لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" .

وثبت عنه في "صحيح" مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة ، وذلك منصرفه [ ص: 153 ] من حجة الوداع . فقال : "يا أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين أحدهما كتاب الله" . فذكر كتاب الله وحض عليه ، ثم قال : "وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي" . قيل لزيد بن أرقم : من أهل بيته؟ قال : الذين حرموا الصدقة : آل علي ، وآل العباس ، وآل جعفر ، وآل عقيل . قيل له : كل هؤلاء من أهل بيته؟ قال : نعم .

وهذه أمور مبسوطة في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا أن يزيد بن معاوية الذي تولى على المسلمين بعد أبيه لم يكن من الصحابة ، بل ولد في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه .

ولكن عمه يزيد بن أبي سفيان من الصحابة ، وهو من خيار طبقته من الصحابة ، لا يعرف له في الإسلام ما يذم عليه ، بل هو عند المسلمين خير من أبيه أبي سفيان ، ومن أخيه معاوية . ولما مات يزيد بن أبي سفيان ولى عمر أخاه معاوية مكانه ، ثم بقي متوليا خلافة عمر وعثمان ، ثم لما قتل عثمان وقعت الفتنة المشهورة .

وكان علي ومن معه أولى بالحق من معاوية ومن معه . كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين" . فمرقت الخوارج لما حصلت الفرقة ، فقتلهم علي وأصحابه . فدل على أنهم كانوا أولى بالحق [ ص: 154 ] من معاوية وأصحابه .

ثم لما قتل علي وصالح الحسن معاوية ، وسلم إليه الخلافة كان هذا من فضائل الحسن التي ظهر بها ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن أبي بكرة قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول للحسن : "إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" .

ومات الحسن في أثناء ملك معاوية .

ثم لما مات معاوية تولى ابنه يزيد هذا ، وجرى بعد موت معاوية من الفتن والفرقة والاختلاف ما ظهر به مصداق ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال : "سيكون نبوة ورحمة ، ثم يكون خلافة نبوة ورحمة ، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم يكون ملك عضوض" .

فكانت نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - نبوة ورحمة ، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة ، وكانت إمارة معاوية ملكا ورحمة ، وبعده وقع ملك عضوض .

وكان علي بن أبي طالب لما رجع من صفين يقول : لا تسبوا معاوية ، فلو قد مات معاوية لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها .

وكان كما ذكره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه . [ ص: 155 ]

وقد روى مسلم في "صحيحه" عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "النجوم أمنة لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" .

وكان كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - . فإنه لما توفي ارتد كثير من الناس ، بل أكثر أهل البوادي ارتدوا ، وثبت على الإسلام أهل المدينة ومكة والطائف ، وهي أمصار الحجاز التي كان لكل مصر طاغوت يعبدونه من الطواغيت الثلاثة المذكورة في قوله : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى .

فكانت اللات لأهل الطائف ، والعزى لأهل مكة ، ومناة لأهل المدينة ، حتى أذهب الله ذلك وغيره من الشرك برسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما ارتد من ارتد عن الإسلام وقع في أكثر المسلمين خوف وضعف ، فأتاهم ما يوعدون ، فأقام الله أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجعل فيه من الإيمان واليقين ، والقوة والتأييد ، والعلم والشجاعة ، ما ثبت الله به الإسلام ، وقمع به المرتدين ، حتى عادوا كلهم إلى الإسلام ، وقتل الله مسيلمة الكذاب المتنبي المدعي للنبوة ، وأقر جاحدو الزكاة بها .

ثم شرع في قتال فارس والروم : المجوس والنصارى ، ففتح [ ص: 156 ] الله بعض الفتوح في خلافته .

التالي السابق


الخدمات العلمية