الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب السابع في ديكته صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              الديك : بكسر جمعه ديوك ، وأدياك ، وديكة كقردة ، وقد يطلق على الدجاجة .

                                                                                                                                                                                                                              الأول : في نهيه صلى الله عليه وسلم عن سب الديك .

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه بسند جيد عن زيد بن خالد الجهمي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسبوا الديك ، فإنه يوقظ للصلاة » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ديكا خرج عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسبه رجل ، فلعنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تلعنه ، ولا تسبه ، فإنه يدعو إلى الصلاة » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطيالسي برجال ثقات عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسبوا الديك ، فإنه يدعو إلى الصلاة » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تسبوا الديك ، فإنه يوقظ للصلاة » .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : في أمره صلى الله عليه وسلم بالدعاء عند صياح الديك .

                                                                                                                                                                                                                              روى الشيخان ، والثلاثة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا سمعتم صياح الديك فاسألوا الله تعالى من فضله ، فإنها رأت ملكا » .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : في أمره صلى الله عليه وسلم باتخاذ الديك .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باتخاذ الديك الأبيض ، فإن دارا فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان ، ولا ساحر ، ولا الدويرات حولها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : الديك يؤذن للصلاة ، من اتخذ ديكا أبيض حفظه الله تعالى من ثلاثة : من شر كل شيطان ، وساحر وكاهن . أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : في سبب صياح ديكة الأرض .

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن عدي ، والبيهقي في الشعب من طريق ابن أبي علي المهلبي - وهو متروك - عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن لله تعالى ديكا عنقه منطوية تحت العرش ، ورجلاه تحت التخوم ، فإذا كانت هدأة من الليل صاح سبوح قدوس فصاحت الديكة » .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 415 ] وروى ابن عدي - من طريق يحيى بن رهم بن الحارث الغفاري - قال ابن حبان : روى عن أبيه نسخة موضوعة لا يحل كتابتها إلا على جهة التعجب - وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وقال أبو حاتم : أرجو أن يكون صدوقا ، وقال الحافظ في حديث أعله به الذهبي : لعل الآفة من غيره - عن العرس بن عميرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن لله تعالى ديكا براثنه في الأرض السفلى ، وعرفه تحت العرش ، يصرخ عند مواقيت الصلاة ، ويصرخ له ديك السماوات سماء سماء ، ثم يصرخ بصراخ ديك السماوات ديكة الأرض ، سبوح سبوح قدوس رب الملائكة والروح .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ في كتاب العظمة ، بسند جيد قوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن لله عز وجل ديكا ، رجلاه تحت سبع أرضين ، ورأسه قد جاوز سبع سموات ، يسمع في أوان الصلوات ، فلا يبقى ديك من ديكة الأرض إلا أجابه » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني وأبو داود وأبو الشيخ في العظمة ، وأبو نعيم في تاريخه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن لله تعالى ديكا أبيض ، جناحاه مشوبان بالزبرجد ، واللؤلؤ ، جناح له بالمشرق ، وجناح له بالمغرب ، ورأسه تحت العرش ، وقوائمه في الهواء » ، وفي لفظ « في الأرض السفلى ، يؤذن في كل سحر » ، ولفظ أبي الشيخ « فإذا كان في السحر الأعلى خفق بجناحيه ، ثم قال سبوح قدوس ، ربنا الذي لا إله غيره ، فيسمع تلك الصيحة أهل السماوات وأهل الأرض إلا الثقلين الإنس والجن ، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض ، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : ضم جناحيك واخفض صوتك ، فيعلم أهل السماوات وأهل الأرض أن القيامة قد اقتربت » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ في العظمة عن أبي راشد الحبراني قال : إن لله عز وجل ديكا - الحديث ، فذكر من عظمة خلقه أمرا عظيما ، سبح الله تعالى ، يقول : سبحان الملك القدوس ، الملك الديان ، فإذا انتفض صرخت الديوك في الأرض .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ ، والطبراني ، برجال الصحيح ، والحاكم - وصححه - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله عز وجل أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض ، ورأسه مثبتة تحت العرش ، وهو يقول : سبحانك ، ما أعظمك ربنا ، فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف كاذبا » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ - من طريق أيوب بن سويد - ضعفه أحمد وجماعة ، وتركه النسائي ، وقال أبو حاتم : لين الحديث ، وقال الحافظ في التقريب : صدوق يخطئ ، وبقية رجاله ثقات - عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن لله عز وجل ديكا براثنه في [ ص: 416 ] الأرض السفلى ، وعنقه مثنى تحت العرش ، وجناحاه في الهواء يخفق بهما سحرا ويقول : القدوس ربنا الرحمن ، لا إله غيره » .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا من طريق رشدين بن سعد - قال الحافظ ضعيف ، قال ابن يونس : كان صالحا في دينه ، فأدركته غفلة الصالحين ، فخلط في الحديث - عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن لله ديكا جناحاه مشوبان بالزبرجد ، واللؤلؤ ، والياقوت ، جناح له بالمشرق ، وجناح له بالمغرب ، وقوائمه في الأرض السفلى ، ورأسه منثنية تحت العرش - لا إله غيره - فإذا كان في السحر الأعلى خفق بجناحيه ، ثم قال سبوح قدوس ، ربنا الذي لا إله غيره فعند ذلك تضرب الديكة بأجناحها وتصيح ، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : ضم جناحك ، وغض صوتك ، فيعلم أهل السماوات والأرض أن الساعة قد اقتربت .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن مما خلق الله تعالى ديكا براثنه في الأرض السابعة وعرفه منطو ، تحت العرش ، قد أحاط جناحاه بالأفقين ، فإذا بقي ثلث الليل الآخر ضرب بجناحيه ، ثم قال : سبوح ، سبحوا الملك القدوس ، سبحوا ربنا الملك القدوس ، سبحان ربنا الملك القدوس ، لا إله لنا غيره ، فيسمعها من بين الخافقين إلا الثقلين ، فيرون أن الديكة إنما تضرب بأجنحتها ، وتصرخ إذا سمعت ذلك » ، قال شيخنا رحمه الله تعالى : في هذا الطريق أنه حسن صحيح ، إذا علم ذلك تبين أن قول من قال : إن هذا الحديث موضوع ليس بصحيح ، وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب الفوائد المجموعة ، في بيان الأحاديث الموضوعة ، أعان الله تعالى على إكماله وتحريره .

                                                                                                                                                                                                                              الخامس : في محبته صلى الله عليه وسلم الديك .

                                                                                                                                                                                                                              روى الحارث بن أبي أسامة عن عائشة ، والحارث العقيلي عن أنس بن مالك ، وابن حبان في الضعفاء عن ابن عمر وأبو بكر البرقي عن أبي زيد الأنصاري ، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الديك الأبيض الأفرق صديقي ، وصديق صديقي ، وعدو عدوي » ، زاد أبو زيد الأنصاري : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيته معه في بيته - هذه الطرق كلها ضعيفة ، وإذا ضم بعضها إلى بعض أفاد قوة ، ولم يوافق ابن الجوزي على وضعه كما بينت ذلك في الفوائد .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية