الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الرابعة عشر : وبأن من سبه وهجاه يقتل .

                                                                                                                                                                                                                              روى الحاكم والبيهقي- رضي الله تعالى عنه- عن أبي بردة- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا سب أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- فقلت ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ فقال ليست هذه لأحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو داود والبيهقي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن يهودية كانت تشتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأهدر الرسول -صلى الله عليه وسلم- دمها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسدد عن أبي إسحاق الهمداني -رحمه الله تعالى- قال كان رجل من المسلمين ذاهب البصر يأوي إلى يهودية وكانت حسنة الصنع إليه ، وكانت تسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ذكرته فنهاها فأبت أن تفعل فقتلها ، فأبطل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دمها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحارث برجال ثقات عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه مر براهب فقيل له : إن هذا سب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لو سمعته لضربت عنقه إنا لم نعطهم العهد على أن يسبوا نبينا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى بسند صحيح عن كعب بن علقمة أن عرفة بن الحارث وكانت له صحبة- رضي الله عنه- مر على رجل كان يلبس كل يوم ثوبا أو قال حلة لا تشبه الأخرى فلبس في السنة ثلاثمائة وستين ثوبا وكان له عهد فدعاه عرفة إلى الإسلام فغضب فسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقتله عرفة فقال له عمرو بن العاص : إنهم إنما يعظمون للعهد ما عهدناهم أن يؤذونا في الله ورسوله . الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              الخامسة عشر : وبأن السب في حقه بالتعريض كالتصريح بخلاف غيره نقله الرافعي عن الإمام ، وقال لا خلاف فيه .

                                                                                                                                                                                                                              السادسة عشر : وبوجوب إجابته على المصلي إذا دعاه ولا تبطل صلاته وكذا الأنبياء .

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد بن المعلى- رضي الله تعالى عنه- قال كنت أصلي فمر بي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاني فلم أجبه ، وفي رواية فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال : "ما منعك أن تأتي ألم يقل الله تعالى : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال - 24] .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة والترمذي وصححه عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر على أبي بن كعب فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يا أبي وهو يصلي . [ ص: 458 ]

                                                                                                                                                                                                                              فالتفت أبي فلم يجبه وصلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك" فقال : يا رسول الله كنت في الصلاة ، قال : "أفلم تجد فيما أوحي إلي أن استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"
                                                                                                                                                                                                                              الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              فظهر بهاتين القصتين وجوب الإجابة .

                                                                                                                                                                                                                              قال القاضي جلال الدين : وأما كونه لا تبطل الصلاة فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بالإجابة ولو كان في صلاة مفروضة أو نافلة لأن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم من المقال ، فلو كان ذلك مبطلا للصلاة مطلقا لم يأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك ، لأن قطع الصلاة بعد الشروع فيها إذا كانت فرضا حرام فإذا لم يكن هنالك ما يوجب ذلك كأن وجد أعمى وقدامه نحو بئر يقع فيه وجب إعلامه ، وتبطل بذلك لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم [محمد - 33] وذكر الإجابة بين في حديث أبي بن كعب .

                                                                                                                                                                                                                              وأما حديث أبي سعيد ففيه ذكر الإتيان ، والظاهر أنه محمول على الإجابة كما في الرواية الأخرى التي للبخاري فيكون من روى علم أنه روى بالمعنى والمعنى مشى في الصلاة والمشي مبطل فبطلت . قلت : كلام الروضة كما قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا في "شرح الروضة" شامل للإباحة بالفعل وإن كثر ، صحت ولا تبطل به الصلاة .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الأسنوي وهو المتجه والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                                                                                                              وإذا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- شخصا في الصلاة وكان ذلك في منزله دعاية له ولو قال : يا فلان كما أشار إليه ابن حبان واستحسنه القاضي جلال الدين .

                                                                                                                                                                                                                              قال الخضري ومحل وجوب الإجابة على لفظ يفهم عنه الجواب بأن يقول نعم ولبيك يا رسول الله وأما الزيادة على ذلك فلا يظهر لي فيه الجواز ولم أر من تعرض لذلك .

                                                                                                                                                                                                                              السابعة عشرة : وبأن أولاد بناته ينسبون إليه -صلى الله عليه وسلم- وأولاد غيره لا ينسبون إليه في الكفاءة ولا في غيرها .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو نعيم في ترجمة عمر عنه في أثناء حديث رفقة قال : وكل ولد آدم كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم .

                                                                                                                                                                                                                              قال الحافظ أبو الخير السخاوي-رحمه الله تعالى- في فتاويه رجاله موثقون وللحديث شواهد رواه الطبراني في "الكبير" من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة ابنة الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى ، والخطيب من طريق محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العوام قال : حدثنا أبي قال : حدثنا جرير قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكره . [ ص: 459 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحاكم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لكل نبي أم عصبة إلا بني فاطمة أن وليهما وعصبتهما .

                                                                                                                                                                                                                              الثامن عشر : كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبه -صلى الله عليه وسلم- وسببه .

                                                                                                                                                                                                                              روي عن عبد الله ابن الإمام أحمد بسند قال الذهبي : صالح عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري . "

                                                                                                                                                                                                                              روى الحاكم والبيهقي عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أنه خطب إلى علي أم كلثوم فتزوجها فأتى عمر المهاجرين فقال : ألا تهنئوني بأم كلثوم ابنة فاطمة . سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي" فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبب ونسب .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وابن حبان عن ابنه عبد الله والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري"

                                                                                                                                                                                                                              قيل : ومعنى ذلك أن أمته ينسبون إليه يوم القيامة وأمة سائر الأنبياء لا ينسبون إليهم .

                                                                                                                                                                                                                              قال القاضي جلال الدين البلقيني وهو مردود بما في الصحيح من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجيء نوح وأمته فيقول الله هل بلغت فيقول نعم أي رب فيقول لأمته هل بلغكم . الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وهذا صريح في نسبة أمة نوح إليه يوم القيامة ومعناه أنه ينتفع به من ينسب إليه ولا ينقطع بسائر الأنساب قال : وهو الذي يظهر .

                                                                                                                                                                                                                              التاسعة عشر : بحرمة التكني بكنيته مع جواز التسمية باسمه .

                                                                                                                                                                                                                              العشرون : وبعدم جواز الجنون على الأنبياء .

                                                                                                                                                                                                                              الحادية والعشرون : وبعدم جواز الإغماء الطويل فيما ذكره الشيخ أبو حامد من تعليقه ، وجزم به البلقيني في "حواشي الروضة" .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني والعشرون : وبأن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم كما خالف نومهم نوم غيرهم قال الله سبحانه وتعالى : ما أنت بنعمة ربك بمجنون [القلم - 2] . . والأنبياء لم يزالوا على وصف الكمال من العلم بالله تعالى ولو أمكن الجنون والإغماء الطويل في حقهم لكانوا في حال من الأحوال جاهلين بالله تعالى ويفتتح أيضا باب الطعن عليهم . [ ص: 460 ]

                                                                                                                                                                                                                              الثالثة والعشرون : وبعدم جواز الاحتلام عليهم على الصواب فإنه من تلاعب الشيطان .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني والدينوري في المجالسة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال : ما احتلم نبي قط وإنما الاحتلام من الشيطان" .

                                                                                                                                                                                                                              الرابعة والعشرون : وبأن الأرض لا تأكل لحومهم كما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أوس بن أوس الثقفي مرفوعا وسيأتي الكلام عليه في باب حياته -صلى الله عليه وسلم- في قبره بعد الوفاة .

                                                                                                                                                                                                                              الخامسة والعشرون : وبأن الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم- كبيرة وليس كالكذب على غيره في تشديد الحرمة كما في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة وقد جاء في حديث التحذير من الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم- من طرق جماعة من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- حتى قال النووي-رحمه الله تعالى- : إنه قيل جاء عن مائتين من الصحابة ، ولا فرق في تحريم الكذب عليه بين ما كان من الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب ، والمواعظ وغير ذلك وكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع من يعتد به وبأن من كذب عليه عمدا من غير استحلال يكفر ويراق دمه قاله الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين ، والجمهور على خلافه وأنه لا يكفر إلا إذا استحل ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              السادسة والعشرون : وبأن من رآه في المنام فقد رآه حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورته كما رواه البخاري عن أنس والشيخان عن أبي قتادة والبخاري عن أبي سعيد ومسلم عن جابر والشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال القضاعي هذه الخصوصية مما خص به النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن غيره من الأنبياء .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق" ذكر المحققون أن هذا المعنى خاص به -صلى الله عليه وسلم- وقالوا في ذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- وإن ظهر بجميع أحكام الحق وصفاته تخلقا وتحققا فإن من مقتضى مقام رسالته وإرشاده للخلق ودعوته إياهم إلى صفات الحق الذي أرسله إليهم هو أن يكون الأظهر فيه حكما وسأظنه من صفات الحق وأسمائه صفة الهداية ، والاسم الهادي كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله . . وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى - 52] فهو- عليه الصلاة والسلام- صورة الاسم الهادي ومظهر صفات الهادي والشيطان مظهرا لاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان ولا يظهر أحدهما بصورة الآخر فالنبي -صلى الله عليه وسلم- خلقه الله تعالى للهداية فلو ساغ ظهور إبليس في صورته زال الاعتماد بكل ما يبديه الحق ويظهره لمن شاء هدايته به فلهذه الحكمة عصم الله تعالى صورة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن يظهر بها شيطان .

                                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : عظمة الحق سبحانه وتعالى أتم من عظمة كل عظيم فكيف اعتاض على . [ ص: 461 ]

                                                                                                                                                                                                                              إبليس أن يظهر بصورة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ثم إن إبليس اللعين قد تراءى لكثيرين وخاطبهم بأنه الحق طلبا لإضلالهم ، وقد أضل جماعة بمثل هذا- حتى ظنوا أنهم رأوا الحق وسمعوا خطابه .

                                                                                                                                                                                                                              فالجواب من وجهين أحدهما : أن كل عاقل يعلم أن الحق- سبحانه وتعالى- ليست له صورة معينة توجب الاشتباه بخلاف النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فإنه ذو صورة معينة معلومة مشهورة .

                                                                                                                                                                                                                              والثاني : أن مقتضى حكم الله تعالى أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء بخلاف النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه متصف بصفة الهداية ، وظاهر بصورتها فوجب عصمة صورة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد ، وظهور حكم الهداية فيمن شاء الله هداية به -صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              قال القاضي أبو بكر بن الطيب : المراد بقوله "من رآني في المنام فقد رآني"

                                                                                                                                                                                                                              أن رؤياه صحيحة ، لا تكون أضغاثا ، ولا تكون من تشبيهات الشيطان قال : ويعضده قوله في بعض طرقه "فقد رأى الحق" وفي قوله "فإن الشيطان لا يتمثل بي" إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا .

                                                                                                                                                                                                                              وقال القاضي عياض : يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رآه على غيرها كانت تأويلا لا رؤيا حقيقية ، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل .

                                                                                                                                                                                                                              قال النووي وهذا الذي قاله ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري قال الحافظ : وهذا الذي رده النووي روي عن ابن سيرين إمام المعبرين اعتباره فقد روى : إسماعيل بن إسحاق بسند صحيح عن أيوب قال كان محمد- يعني- ابن سيرين إذا قص رجل أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال صف الذي رأيته فإن وصف له صبغة لم يعرفها قال : لم تره ، والذي قاله القاضي توسط حسن ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازري ، بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير ، وإن كان على غير صورته كان النقص من جهة الرأي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير وعلى ذلك جرى علماء التعبير فقالوا : إذا قال الجاهل رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه يسأل عن صفته فإن وافق الصفة المرئية وإلا فلا يقبل منه .

                                                                                                                                                                                                                              قال الحافظ : وذهب الشيخ ابن أبي جمرة إلى ما اختاره النووي فقال بعد أن حكى الخلاف ، ومنهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذلك حسن ، في دين الرائي ، وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص ، فذلك خلل في الرائي من الدين ، قال : وهذا هو الحق وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا لأنه -صلى الله عليه وسلم- نوراني مثل المرآة [ ص: 462 ]

                                                                                                                                                                                                                              الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حس أو غيره تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين وكذلك يقال في كلامه -صلى الله عليه وسلم- في النوم إنه يعرض على سنة فما وافقها فهو حق ، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل إنما هو في سمع الرائي ، أو بصره .

                                                                                                                                                                                                                              قال : وهذا خير ما سمعته في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              قال الحافظ : ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة وعلى ذلك فتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا تحتاج إلى تأويل وعليها يتنزل قوله "فقد رأى الحق" ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك ، ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة من ذلك فقد رآه حقيقة وقال الغزالي : ليس معنى قوله "رآني" أنه رأى جسمي وبدني وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه ، وكذلك قوله "فسيراني في اليقظة" وليس المراد أنه يرى جسمي وبدني قال والآلة تارة تكون حقيقية ، وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه ، بل هو مثال له على التحقيق ، قال ومثل ذلك من يرى الله- سبحانه وتعالى- في المنام قال فإن ذاته منزهة من الشكل والصورة ، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس ، من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف ، فيقول : الذي رأيت الله تعالى في المنام لا يعني رأيت ذات الله كما تقول في حق غيره .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ، ما حاصله : أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى الله تبارك وتعالى على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك ويقدح في رؤيته ، بل تكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الطيبي : المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه رآني الرؤيا الحق التي هي من الله تعالى وهي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي ، وكذا أقوله فقد رأى الحق أي رؤية الحق للباطل ، وكذا قوله : "فقد رآني" فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء وذكر الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة ما ملخصه أنه يؤخذ من قوله "فإن الشيطان لا يتمثل بي" أن من تمثلت صورته -صلى الله عليه وسلم- في خاطره من أرباب القلوب وتصور له في عالم سره أنه يكلمه ، إن ذلك يكون حقا ، بل ذلك أصدق من مرأى غيرهم لما من الله تعالى به عليهم من تنوير قلوبهم . [ ص: 463 ]

                                                                                                                                                                                                                              وقال القرطبي : اختلف في معنى هذا الحديث فقال قوم : هو على ظاهره فمن رآه في النوم رآه على حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء قال : وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول ، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها وأن لا يراه رئيان في آن واحد في مكانين وأن يحيى الآن ويخرج من قبره ، ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ، ويخاطبوه ، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب ، لأنه جائز أن يرى في الليل وفي النهار مع اتصال على حقيقته في غير قبره وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل .

                                                                                                                                                                                                                              وقالت طائفة معناه : أن من رآه على صورته التي كان عليها ويلزم منه أن من رآه على غير حقيقته أن تكون رؤياه من الأضغاث ، ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به ، وتقع تلك الرؤيا حقا كما لو رئي ملأ دارا بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله "فإن الشيطان لا يتمثل بي" فالأولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شيء منه ، أو مما ينسب إليه عن ذلك . فهو أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة ، كما عصم من الشيطان في يقظته .

                                                                                                                                                                                                                              قال والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حق في نفسها لو رئي على غير صورته فتصور تلك ليس من الشيطان بل هو من قبل الله تعالى ويؤيده قوله "فقد رأى الحق" أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية