الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
واعلم أن الفضائل لا تنال بالهوينا ، فبارك الله لأهل الدنيا في دنياهم ، فنحن الأغنياء وهم الفقراء ، فإن عمروا دارا سخروا الفعلة ، وإن جمعوا مالا فمن وجوه لا تصلح ، وكل واحد منهم يخاف أن يقتل أو يعزل أو يسم ، فعيشهم نغص ، العز في الدنيا لنا لا لهم ، وإقبال الخلق علينا ، وفي الآخرة بيننا وبينهم تفاوت إن شاء الله تعالى .

والعجب لمن شرفت نفسه حتى طلب العلم إذ لا تطلبه إلا نفس شريفة كيف يذل لنذل ، ما عزه إلا بالدنيا ، ولا فخره إلا بالمسكنة ، وقال ليس في الدنيا عيش إلا لعالم أو زاهد قال وإذا قنعا بما يكف لم يتمندل بهما سلطان ، ولم يستخدما بالترداد إلى بابه ، ولم يحتج الزاهد إلى تصنع ، والعيش اللذيذ المنقطع الذي لا يتمندل به ولا يحمل منه ، وما أكثر تفاوت الناس في الفهم حتى الشعراء كما قال بعضهم :

همها العطر والفراش ويعلو ها لجين ولؤلؤ منظوم



وهذا قاصر فإنه لو فعلت هذا سوداء لحسنها ، إنما المادح هو القائل :

ألم تر أني كلما جئت زائرا     وجدت بها طيبا وإن لم تطيب



وكقول الآخر :

أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني     حتى إذا قلت هذا صادق نزعا

ولو كان صادقا في المحبة لما كان له قلب يخاطبه ، وإذا خاطبه في الهجر .

لم يوافقه ، إنما المحب الصادق هو القائل :

يقولون لو عاتبت قلبك لارعوى     فقلت وهل للعاشقين قلوب

انتهى كلامه والبيت الثاني لامرئ القيس قاله في أم جندب .

[ ص: 219 ] وقال أيضا في كتابه السر المصون : مثل المحب للعلم مثل العاشق ، فإن العاشق يهتم بمعشوقه ، ويهيم به ، وكذلك المحب للعلم ، فكما أن العاشق يبيع أملاكه ، وينفقها على معشوقه فيفتقر كذلك محب العلم فإنه يستغرق في طلبه العمر فيذهب ماله ، ولا يتفرغ للكسب ، فإذا احتاج دخل في مداخل صعبة ، فمنهم من يتعلق بالسلاطين إما أن يدخل في أشغالهم ، أو يطلب منهم ومن العلماء من يطلب من العوام البخلاء ، ومنهم من يرجع عن الجد في العلم إلى الكسب .

التالي السابق


الخدمات العلمية