الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة السادسة : قوله : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم }

                                                                                                                                                                                                              تكلم الناس في دخول الباء هاهنا ، فمنهم من قال : إنها زائدة ، كزيادتها في قوله : { تنبت بالدهن } ، وعليه حملوا قول الشاعر :

                                                                                                                                                                                                              نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

                                                                                                                                                                                                              أراد ونرجو الفرج . وهذا مما لا يحتاج إليه في سبيل العربية ; لأن حمل المعنى على الفعل أولى من حمله على الحرف .

                                                                                                                                                                                                              فيقال المعنى : ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلما ; لأن الإلحاد هو الميل في اللغة ، إلا أنه قد صار في عرف الشريعة ميلا مذموما ، فرفع الله الإشكال ، وبين أن الميل بالظلم هو المراد هاهنا ، والظلم في الحقيقة لغة وشرعا وضع الشيء في غير موضعه ، وذلك يكون بالذنوب المطلقة بين العبد ونفسه ، وبالذنوب المتعدية إلى الخلق ، وهو أعظم . ولذلك كان ابن عمر له فسطاطان : أحدهما في الحل ، والآخر في الحرم ; فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم ، وإذا أراد الأمر لبعض شأنه دخل فسطاط الحل ، صيانة للحرم عن قولهم : كلا والله ، وبلى والله ، حين عظم الله الذنب فيه ، وبين أن الجنايات تعظم على قدر عظم الزمان ، كالأشهر الحرم ، وعلى قدر عظم المكان ، كالبلد الحرام ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما بنفس المخالفة ، والثانية بإسقاط حرمة الشهر الحرام ، أو البلد الحرام

                                                                                                                                                                                                              فإن أشرك فيه أحد فقد أعظم الذنب ، ومن استحله متعمدا [ ص: 278 ] فقد أعظم الذنب ، ومن استحله متأولا فقد أعظم الذنب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام بحرمة الله لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، فإن أحد ترخص فيها بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم } . وهذا نص .

                                                                                                                                                                                                              وقد قال أبو شريح العدوي لعمرو بن سعيد العاصي ، وهو يبعث البعوث إلى مكة : { ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناي ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي ، حين تكلم به : حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له : إن الله أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب } .

                                                                                                                                                                                                              فقيل لأبي شريح : ما قال لك عمرو ؟ قال : أنا أعلم منك بذلك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة .

                                                                                                                                                                                                              وهذا من احتجاج عمرو باطل ; لأن ابن الزبير رضي الله عنه كان قائما بالحق ، عادلا في الحرم ، داعيا إلى الله سبحانه .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية