الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الخامسة عشرة : قوله : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا }

                                                                                                                                                                                                              علق الله على القذف ثلاثة أحكام : الحد ، ورد الشهادة ، والتفسيق ; تغليظا لشأنه ، وتعظيما لأمره ، وقوة في الردع عنه .

                                                                                                                                                                                                              وقال أبو حنيفة : رد الشهادة من جملة الحد .

                                                                                                                                                                                                              وقال علماؤنا : بل ردها من علة الفسق ، فإذا زال بالتوبة زال رد الشهادة ، بدليل قوله : { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } ، وهي : المسألة السادسة عشرة : ولا خلاف في أن التوبة تسقط الفسق ، واختلفوا في رد الشهادة على أربعة أقوال : الأول : أنها تقبل قبل الحد وبعد التوبة ; قاله مالك ، والشافعي ، وغيرها من جمهور الناس .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : أنه إذا قذف لا تقبل شهادته أبدا ، لا قبل الحد ولا بعده ; وهو مذهب شريح . [ ص: 346 ]

                                                                                                                                                                                                              الثالث : أنها تقبل قبل الحد ، ولا تقبل بعده ; وإن تاب ; قاله أبو حنيفة .

                                                                                                                                                                                                              الرابع : أنها تقبل شهادته بعد الحد ، ولا تقبل قبله ; وهو قول إبراهيم النخعي .

                                                                                                                                                                                                              وهذه مسألة طويلة . وقد حققناها في مسائل الخلاف ، وأوضحنا سبيل النحو فيها في كتاب الملجئة .

                                                                                                                                                                                                              وبالجملة فإن أبا حنيفة يجعل رد الشهادة من جملة الحد ، ويرى أن قبول الشهادة ولاية قد زالت بالقذف ، وجعلت العقوبة فيها في محل الجناية ، وهي اللسان تغليظا لأمرها .

                                                                                                                                                                                                              وقلنا نحن : إنها حكم علته الفسق ، فإذا زالت العلة وهي الفسق بالتوبة قبلت الشهادة ، كما في سائر المعاصي .

                                                                                                                                                                                                              وقد اختلف الصحابة كاختلاف الفقهاء ; فكان عمر يقول لأبي بكرة : تب أقبل شهادتك ، فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وأن المغيرة بن شعبة زنى بفلانة .

                                                                                                                                                                                                              ونص الحادثة ما رواه أبو جعفر قال : كان المغيرة بن شعبة يباغي أبا بكرة وينافره ، وكانا بالبصرة متجاورين بينهما طريق ، وكانا في مشربتين متقابلتين في داريهما ، في كل واحدة منهما كوة تقابل الأخرى ، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته ، فهبت ريح ، ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليصفقه ، فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب الكوة في مشربته وهو بين رجلي امرأة قد توسطها ، فقال للنفر : قوموا فانظروا ، ثم اشهدوا ; فقاموا فنظروا ، فقالوا : ومن هذه ؟ فقال هذه أم جميل بنت الأرقم . وكانت أم جميل غاشية للمغيرة والأمراء والأشراف ، وكان بعض النساء يفعل ذلك في زمانها ، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة ، فقال : لا تصل بنا ، فكتبوا إلى عمر بذلك ، فبعث عمر إلى أبي موسى [ ص: 347 ] واستعمله ، وقال له : إني أبعثك إلى أرض قد باض فيها الشيطان وفرخ ; فالزم ما تعرف ، ولا تبدل فيبدل الله بك . فقال : يا أمير المؤمنين ; أعني بعدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ; من المهاجرين والأنصار ; فإني وجدتهم في هذه الأمة ، وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به . قال : فاستعن بمن أحببت . فاستعان بتسعة وعشرين رجلا ، منهم أنس بن مالك ، وعمران بن حصين ، وهشام بن عامر . ثم خرج أبو موسى ، حتى أناخ بالبصرة ، وبلغ المغيرة إقباله ، فقال : والله ما جاء أبو موسى زائرا ولا تاجرا ، ولكنه جاء أميرا . ثم دخل عليه أبو موسى فدفع إلى المغيرة كتاب عمر رضي الله عنه وفيه : أما بعد : فإنه قد بلغني أمر عظيم ، فبعثت أبا موسى أميرا ; فسلم إليه ما في يديك ، والعجل . فأهدى المغيرة لأبي موسى وليدة من وليدات الطائف تدعى عقيلة ، وقال له : إني قد رضيتها لك . وكانت فارهة . وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة ، وزياد ، وشبل بن معبد ، حتى قدموا على عمر ، فجمع بينهم وبين المغيرة ، فقال المغيرة لعمر : يا أمير المؤمنين ; سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني مستقبلهم أو مستدبرهم ، وكيف رأوا المرأة ، وهل عرفوها ، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر ، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي على امرأتي ، والله ما أتيت إلا زوجتي ، وكانت تشبهها . فبدأ بأبي بكرة ، فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل ، وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة . قال : وكيف رأيتهما ؟ قال : مستدبرهما . قال : وكيف استثبت رأسها ؟ قال : تحاملت حتى رأيتها . [ ص: 348 ] ثم دعا بشبل بن معبد ، فشهد بمثل ذلك ، وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ; ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم ، ولكنه قال : رأيته جالسا بين رجلي امرأة . فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان ، واستين مكشوفين ، وسمعت حفزانا شديدا . قال : هل رأيت كالميل في المكحلة ؟ قال : لا . قال : فهل تعرف المرأة ؟ قال : لا ، ولكن أشبهها . قال له : تنح . وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد ، وقرأ : { فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } . قال المغيرة : اشفني من الأعبد يا أمير المؤمنين . فقال له : اسكت ، أسكت الله نأمتك ، أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك . ورد عمر شهادة أبي بكرة ، وكان يقول له : تب أقبل شهادتك ، فيأبى حتى كتب عهده عند موته : هذا ما عهد به أبو بكرة نفيع بن الحارث ، وهو يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن المغيرة بن شعبة زنى بجارية بني فلان . وحمد الله عمر حين لم يفضح المغيرة .

                                                                                                                                                                                                              وروي أن الثلاثة لما أدوا الشهادة على المغيرة ، وتقدم زياد آخرهم قال له عمر قبل أن يشهد : إني لأراك حسن الوجه . وإني لأرجو ألا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . فقال ما قال . وكان ذلك أول ظهور زياد ، فليته وقف على ذلك ، وما زاد ، ولكنه استمر حتى ختم الحال بغاية الفساد . وكان ذلك من عمر قضاء ظاهرا في رد شهادة القذفة ، إذا لم تتم شهادتهم ; وفي قبولها بعد التوبة . وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف والأصول .

                                                                                                                                                                                                              وتعلق علماؤنا بقوله : { إلا الذين تابوا } ، وقالوا : إن هذا الاستثناء راجع إلى جميع ما تقدم ، ما عدا إقامة الحد ، فإنه سقط بالإجماع . [ ص: 349 ]

                                                                                                                                                                                                              وقال أبو حنيفة : إنه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور . والصحيح رجوعه إلى الجميع لغة وشريعة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } وهذه الآية أختها ونظيرتها في المقصود .

                                                                                                                                                                                                              وأما قبول الشهادة قبل الحد ; فلأنه إذا لم يقم عليه الحد فحاله متردد بين الكذب السالب للعدالة ، وبين الصدق المصحح لها ، فلا يسقط يقين له بمحتمل مقاله ، وبهذا يتبين ضعف مقالة شريح .

                                                                                                                                                                                                              وأما قول إبراهيم فإن لم يكن مثل قول أبي حنيفة وإلا فلا معنى له .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية