الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الخامسة قوله تعالى : { وفصل الخطاب } قيل : هو علم القضاء ، وقيل : هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل . وقيل : هو قوله : أما بعد . وكان أول من تكلم بها ، فأما علم القضاء فلعمر إلهك إنه لنوع من العلم مجرد ، وفضل منه مؤكد غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال والحرام ، ففي الحديث : { أقضاكم علي ، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل } .

                                                                                                                                                                                                              وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال عارفا بالحلال والحرام ، ولا يقوم بفصل القضاء فيها ، وقد يكون الرجل يأتي القضاء من وجهه باختصار من لفظه وإيجاز في طريقه بحذف التطويل ، ورفع التشتيت ، وإصابة المقصود .

                                                                                                                                                                                                              ولذلك يروى { أن علي بن أبي طالب قال : لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد ، فوقع فيها الأسد ، وازدحم الناس على الزبية ، فوقع فيها رجل ، وتعلق بآخر ، وتعلق الآخر بآخر ، حتى صاروا أربعة ، فحرجهم الأسد فيها ، فهلكوا ، وحمل القوم السلاح ، وكاد يكون بينهم قتال ، فأتيتهم فقلت لهم : أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناسي ، تعالوا أقض بينكم بقضاء ، فإن رضيتم فهو قضاء بينكم ، وإن أبيتموه رفعت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فهو أحق بالقضاء ; فجعل للأول ربع الدية ، وللثاني ثلث الدية ، وللثالث نصف الدية ، وجعل للرابع الدية ، وجعل الديات على من حفر الزبية على قبائل الأربع . فسخط بعضهم ، ورضي بعضهم ، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 36 ] فقصوا عليه القصة ، فقال : أنا أقضي بينكم . فقال قائل : إن عليا قد قضى بيننا ، وأخبروه بما قضى به علي . فقال عليه السلام : القضاء كما قضاه علي } .

                                                                                                                                                                                                              وفي رواية : { فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء علي } .

                                                                                                                                                                                                              وكذلك يروى في المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل ، فقال : إن ابن أبي ليلى وكان قاضيا بالكوفة جلد امرأة مجنونة قالت لرجل : يا بن الزانيين . فحدها حدين في المسجد ، وهي قائمة . فقال : أخطأ من ستة أوجه .

                                                                                                                                                                                                              وهذا الذي قاله أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالروية إلا العلماء .

                                                                                                                                                                                                              فأما قصة علي فلا يدركها الشادي ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا العاكف المتمادي .

                                                                                                                                                                                                              وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة مقتولون خطأ بالتدافع على الحفرة من الحاضرين عليها فلهم الديات على من حفر على وجه الخطأ ، بيد أن الأول مقتول بالمدافعة قاتل ثلاثة بالمجاذبة ، فله الدية بما قتل ، وعليه ثلاثة أرباع الدية للثلاثة الذين قتلهم .

                                                                                                                                                                                                              وأما الثاني فله ثلث الدية ، وعليه الثلثان للاثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة .

                                                                                                                                                                                                              وأما الثالث فله نصف الدية ، وعليه النصف ; لأنه قتل واحدا بالمجاذبة ، فوقعت المحاصة ، وغرمت العواقل هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه . وهذا من بديع الاستنباط .

                                                                                                                                                                                                              وأما أبو حنيفة فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة : الأول : أن المجنون لا حد عليه ; لأن الجنون يسقط التكليف ، هذا إذا كان القذف في حالة الجنون ، فأما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى فإنه يحد بالقذف في حال إفاقته .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : قولها يا بن الزانيين ; فجلدها حدين لكل أب حد ، فإنما خطأه أبو حنيفة فيه بناء على مذهبه في أن حد القذف يتداخل ، لأنه عنده حق لله تعالى كحد الخمر والزنى . [ ص: 37 ]

                                                                                                                                                                                                              وأما الشافعي ومالك فإنهما يريان الحد بالقذف حقا للآدمي ، فيتعدد بتعدد المقذوف .

                                                                                                                                                                                                              وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف .

                                                                                                                                                                                                              الثالث : أنه حد بغير مطالبة المقذوف ، ولا يجوز إقامة حد القذف بإجماع من الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته ممن يقول إنه حق لله ، ومن يقول إنه حق للآدمي . وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حق للآدمي ; إذ يقول : لو كان حقا لله لما توقف على المطالبة كحد الزنا .

                                                                                                                                                                                                              الرابع أنه والى بين الحدين ، ومن وجب عليه حدان لم يوال بينهما ، بل يحد لأحدهما ، ثم يترك حتى يندمل الضرب أو يستبل المضروب ، ثم يقام عليه الحد الآخر .

                                                                                                                                                                                                              الخامس أنه حدها قائمة ، ولا تحد المرأة إلا جالسة مستورة . قال بعض الناس : في زنبيل ، حسبما بيناه في كتب المسائل .

                                                                                                                                                                                                              السادس أنه أقام الحد في المسجد ، ولا يقام الحد فيه إجماعا . وفي القصاص في المسجد والتعزير فيه خلاف قدمنا بيانه فيما سلف من هذا الكتاب وفي كتب المسائل والخلاف ; فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء الذي وقعت الإشارة إليه على أحد التأويلات في الحديث المروي : { أقضاكم علي } ، حسبما أشرنا إليه آنفا .

                                                                                                                                                                                                              وأما من قال : إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العجم ، ولمحمد صلى الله عليه وسلم دون العرب ، وقد بين هذا بقوله : { أوتيت جوامع الكلم } ، وكان أفصح الناس بعده أبو بكر الصديق ، حسبما بيناه في آيات الكتاب في سورة براءة وفي سورة النور .

                                                                                                                                                                                                              وأما من قال : إنه قوله : " أما بعد { فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : أما بعد } . ويروى أن أول من قالها في الجاهلية سحبان وائل ، وهو أول من آمن بالبعث ، وأول من اتكأ على عصا ، وعمر مائة وثمانين سنة .

                                                                                                                                                                                                              ولو صح أن داود قالها فإنه لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم ، وإنما كان بلسانه .

                                                                                                                                                                                                              والله أعلم . [ ص: 38 ]

                                                                                                                                                                                                              وقد روى ابن وهب عن مالك أن الحكمة المعرفة بالدين ، والفقه فيه ، والاتباع له .

                                                                                                                                                                                                              وروي عن ابن زيد أن فصل الخطاب هو الفهم وإصابة القضاء .

                                                                                                                                                                                                              قال ابن العربي : وهذا صحيح ; فإن الله تعالى يقول في وصف كتابه العزيز : { إنه لقول فصل وما هو بالهزل } لما فيه من إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، ونفوذ القضاء .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية