الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            1344 - ( وعن عائشة قالت { : شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ، ووعد الناس يوما يخرجون فيه ; قالت عائشة : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عز وجل ، ثم قال : إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم ، ثم قال : { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين } لا إله إلا الله ، يفعل الله ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين ، ثم رفع يديه ، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره ، وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ، ثم أقبل على الناس ، ونزل فصلى ركعتين ، فأنشأ الله تعالى سحابة ، فرعدت وبرقت ، ثم أمطرت بإذن الله تعالى ، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول ; فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال : أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله } رواه أبو داود ) .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الحديث أخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن وقال أبو داود : هذا حديث غريب إسناده جيد قوله : ( قحوط المطر ) هو مصدر قحط قوله : ( فأمر بمنبر . . . إلخ ) فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء قوله : ( ووعد الناس . . . إلخ ) فيه أنه يستحب للإمام أن يجمع الناس ويخرج بهم إلى خارج البلد قوله : ( حين بدا حاجب الشمس ) في القاموس : حاجب الشمس : ضوءها أو ناحيتها انتهى وإنما سمى الضوء حاجبا ; لأنه يحجب جرمها عن الإدراك [ ص: 7 ] وفيه استحباب الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس .

                                                                                                                                            وقد أخرج الحاكم وأصحاب السنن عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم صنع في الاستسقاء كما صنع في العيد } وسيأتي ; وظاهره أنه صلاها وقت صلاة العيد كما قال الحافظ وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها ، قال في الفتح : والراجح أنه لا وقت لها معين ، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد ، لكنها مخالفة بأنها لا تختص بيوم معين ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة وأفاد ابن حبان بأن خروجه صلى الله عليه وسلم للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة قوله : ( عن إبان زمانه ) بكسر الهمزة وبعدها باء موحدة مشددة قال في القاموس : إبان الشيء بالكسر : حينه أو أوله انتهى قوله : ( وقد أمركم الله . . . إلخ ) يريد قول الله تعالى : { ادعوني أستجب لكم } قوله : ( لنا قوة وبلاغا إلى حين ) أي اجعله سببا لقوتنا ومده لنا مدا طويلا قوله : ( ثم رفع يديه . . . إلخ ) .

                                                                                                                                            فيه استحباب المبالغة في رفع اليدين عند الاستسقاء ، وسيأتي حديث أنس " أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا الاستسقاء " قوله : ( ثم حول إلى الناس ظهره ) فيه استحباب استقبال الخطيب عند تحويل الرداء القبلة والحكمة في ذلك التفاؤل بتحوله عن الحالة التي كان عليها وهي المواجهة للناس إلى الحالة الأخرى وهي استقبال القبلة واستدبارهم ليتحول عنهم الحال الذي هم فيه ، وهو الجدب بحال آخر وهو الخصب قوله : ( وقلب أو حول رداءه ) سيأتي الكلام على تحويل الرداء في الباب الذي عقده المصنف لذلك قوله : ( ونزل فصلى ركعتين ) فيه استحباب الصلاة في الاستسقاء وسيأتي الكلام على ذلك قوله : ( إلى الكن ) بكسر الكاف وتشديد النون .

                                                                                                                                            قال في القاموس : الكن : وقاء كل شيء وستره ، كالكنة والكنان بكسرهما والبيت ، والجمع أكنان وأكنة انتهى قوله : ( حتى بدت نواجذه ) النواجذ على ما ذكره صاحب القاموس أقصى الأضراس : وهي أربعة ، أو هي الأنياب ، أو التي تلي الأنياب ، أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ ، والنجذ : شدة العض بها انتهى .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية