الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله عز ذكره : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ( 18 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية في رافع "مثل" .

فقال بعض نحويي البصرة : إنما هو كأنه قال : ومما نقص عليكم مثل الذين كفروا ، ثم أقبل يفسر ، كما قال : ( مثل الجنة ) [ سورة الرعد : 35 ] ، وهذا كثير .

وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما المثل للأعمال ، ولكن العرب تقدم الأسماء؛ لأنها أعرف ، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه . ومعنى الكلام : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ، كما قيل : ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) [ سورة الزمر : 60 ] ، ومعنى الكلام : ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . قال : ولو خفض "الأعمال" جاز ، كما قال : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) الآية [ سورة البقرة : 217 ] وقوله : ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ) [ ص: 553 ] [ سورة الرعد : 35 ] . قال : ف "تجري" هو في موضع الخبر ، كأنه قال : أن تجري ، وأن يكون كذا وكذا ، فلو أدخل "أن" جاز . قال : ومنه قول الشاعر :


ذريني إن أمرك لن يطاعا وما ألفيتني حلمي مضاعا

قال : فالحلم منصوب ب "ألفيت" على التكرير ، قال : ولو رفعه كان صوابا . قال : وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار فقال : مثل أعمال الذين كفروا يوم القيامة ، التي كانوا يعملونها في الدنيا يزعمون أنهم يريدون الله بها ، مثل رماد عصفت الريح عليه في يوم ريح عاصف ، فنسفته وذهبت به ، فكذلك [ ص: 554 ] أعمال أهل الكفر به يوم القيامة ، لا يجدون منها شيئا ينفعهم عند الله فينجيهم من عذابه؛ لأنهم لم يكونوا يعملونها لله خالصا ، بل كانوا يشركون فيها الأوثان والأصنام .

يقول الله عز وجل : ( ذلك هو الضلال البعيد ) ، يعني أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا ، التي يشركون فيها مع الله شركاء ، هي أعمال عملت على غير هدى واستقامة ، بل على جور عن الهدى بعيد ، وأخذ على غير استقامة شديد .

وقيل : ( في يوم عاصف ) ، فوصف بالعصوف اليوم ، وهو من صفة الريح؛ لأن الريح تكون فيه ، كما يقال : "يوم بارد ، ويوم حار " لأن البرد والحرارة يكونان فيه ، وكما قال الشاعر :


يومين غيمين ويوما شمسا

فوصف اليومين بالغيمين ، وإنما يكون الغيم فيهما . وقد يجوز أن يكون أريد به : في يوم عاصف الريح ، فحذفت "الريح " لأنها قد ذكرت قبل ذلك ، فيكون ذلك نظير قول الشاعر :


إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف

يريد : كاسف الشمس . وقيل : هو من نعت "الريح" خاصة ، غير أنه [ ص: 555 ] لما جاء بعد "اليوم" أتبع إعرابه ، وذلك أن العرب تتبع الخفض الخفض في النعوت ، كما قال الشاعر :


تريك سنة وجه غير مقرفة     ملساء ليس بها خال ولا ندب

فخفض "غير" إتباعا لإعراب "الوجه" وإنما هي من نعت "السنة" والمعنى : سنة وجه غير مقرفة ، وكما قالوا : "هذا جحر ضب خرب" .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

20636 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : ( كرماد اشتدت به الريح ) ، قال : حملته الريح في يوم عاصف .

20637 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) ، يقول : الذين كفروا بربهم وعبدوا غيره ، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم ، كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف .

[ ص: 556 ] وقوله : ( ذلك هو الضلال البعيد ) ، أي الخطأ البين ، البعيد عن طريق الحق .

التالي السابق


الخدمات العلمية