الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ( 10 ) )

يقول - تعالى ذكره - : وقال المشركون بالله ، المكذبون بالبعث : ( أئذا ضللنا في الأرض ) أي : صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض وفيها لغتان : ضللنا ، وضللنا . بفتح اللام وكسرها ، والقراءة على فتحها وهي الجوداء ، وبها نقرأ . وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ : ( أئذا صللنا ) بالصاد ، بمعنى : أنتنا ، من قولنا : صل اللحم وأصل إذا أنتن . وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم : ( أئذا ضللنا في الأرض ) أي : إذا هلكت أجسادنا [ ص: 174 ] في الأرض ؛ لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب ، فإنه قد ضل فيه ، تقول العرب : قد ضل الماء في اللبن : إذا غلب عليه حتى لا يتبين فيه ، ومنه قول الأخطل لجرير :


كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالا



وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد ( أئذا ضللنا في الأرض ) يقول : أئذا هلكنا .

حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( أئذا ضللنا في الأرض ) هلكنا .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد : قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( أئذا ضللنا في الأرض ) يقول : أئذا كنا عظاما ورفاتا أنبعث خلقا جديدا ؟ يكفرون بالبعث .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، ( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد ) قال : ( قالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) .

وقوله : ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ) يقول - تعالى ذكره - : ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله على ما يشاء ، بل هم بلقاء ربهم كافرون ؛ حذرا لعقابه ، وخوف مجازاته [ ص: 175 ] إياهم على معصيتهم إياه ، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم في المعاد .

التالي السابق


الخدمات العلمية