الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        5280 حدثنا مسلم حدثنا هشام أخبرنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب ولينبذ كل واحد منهما على حدة

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( حدثنا مسلم ) هو ابن إبراهيم أيضا ، وهشام هو الدستوائي أيضا .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ) هو الأنصاري المشهور .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( نهى ) في رواية مسلم من طريق إسماعيل ابن علية عن هشام بهذا الإسناد لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا الحديث .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ولينبذ كل واحد منهما ) أي من كل اثنين منهما ، فيكون الجمع بين أكثر بطريق الأولى .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( على حدة ) بكسر المهملة وفتح الدال بعدها هاء تأنيث أي وحده ، ووقع في رواية الكشميهني " على حدته " وهذا مما يؤيد رد التأويل المذكور أولا كما بينته ، ولمسلم من حديث أبي سعيد ومن شرب منكم النبيذ فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي سبب النهي من طريق الحراني عن ابن عمر قال أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بسكران فضربه ثم سأله عن شرابه فقال شربت نبيذ تمر [ ص: 71 ] وزبيب ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تخلطوهما ، فإن كل واحد منهما يكفي وحده . قال النووي : وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخليط أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار ، ويكون قد بلغه . قال : ومذهب الجمهور أن النهي ، في ذلك للتنزيه . وإنما يمتنع إذا صار مسكرا ، ولا تخفى علامته . وقال بعض المالكية . هو للتحريم . واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب هل يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ ؟ فقال الجمهور : لا فرق . وقال الليث : لا بأس بذلك عند الشرب . ونقل ابن التين عن الداودي أن سبب النهي أن النبيذ يكون حلوا ، فإذا أضيف إليه الآخر أسرعت إليه الشدة . وهذه صورة أخرى ، كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما ثم أضيف إليه الآخر ، لا ما إذا نبذا معا . واختلف في الخليطين من الأشربة غير النبيذ ، فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء أنه كره أن يخلط للمريض شرابين ، ورده بأنهما لا يسرع إليهما الإسكار اجتماعا وانفرادا ، وتعقب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أن العلة الإسراف كما تقدم ، لكن لا يقيد كلام هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرد كافيا في دواء ذلك المرض ، وإلا فلا مانع حينئذ من التركيب . وقال ابن العربي : ثبت تحريم الخمر لما يحدث عنها من السكر ، وجواز النبيذ الحلو الذي لا يحدث عنه سكر ، وثبت النهي عن الانتباذ في الأوعية ثم نسخ ، وعن الخليطين فاختلف العلماء : فقال أحمد وإسحاق وأكثر الشافعية بالتحريم ولو لم يسكر ، وقال الكوفيون بالحل . قال : واتفق علماؤنا على الكراهة ، لكن اختلفوا هل هو للتحريم أو للتنزيه ؟ واختلف في علة المنع : فقيل لأن أحدهما يشد الآخر ، وقيل لأن الإسكار يسرع إليهما . قال ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين ، لأن اللبن لا ينبذ ، لكن قال ابن عبد الحكم : لا يجوز خلط شرابي سكر كالورد والجلاب وهو ضعيف . قال : واختلفوا في الخليطين لأجل التخليل ، ثم قال : ويتحصل لنا أربع صور : أن يكون الخليطان منصوصين فهو حرام ، أو منصوص ومسكوت عنه فإن كان كل منهما لو انفرد أسكر فهو حرام قياسا على المنصوص ، أو مسكوت عنهما وكل منهما لو انفرد لم يسكر جاز . قال : وهنا مرتبة رابعة وهي ما لو خلط شيئين وأضاف إليهما دواء يمنع الإسكار فيجوز في المسكوت عنه ويكره في المنصوص . وما نقله عن أكثر الشافعية وجد نص الشافعي بما يوافقه فقال : ثبت نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخليطين ، فلا يجوز بحال . وعن مالك قال : أدركت على ذلك أهل العلم ببلدنا . وقال الخطابي : ذهب إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب منهما مسكرا جماعة عملا بظاهر الحديث ، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق ، وظاهر مذهب الشافعي . وقالوا : من شرب الخليطين أثم من جهة واحدة ، فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين ، وخص الليث النهي بما إذا نبذا معا ا هـ . وجرى ابن حزم على عادته في الجمود فخص النهي عن الخليطين بخلط واحد من خمسة أشياء وهي : التمر والرطب والزهو والبسر والزبيب في أحدها أو في غيرها ، فأما لو خلط واحد من غيرها في واحد من غيرها لم يمتنع كاللبن والعسل مثلا ، ويرد عليه ما أخرجه أحمد في الأشربة من طريق المختار بن فلفل عن أنس قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بين شيئين نبيذا مما يبغي أحدهما على صاحبه " وقال القرطبي : النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم ، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار ، وعن مالك يكره فقط ، وشذ من قال لا بأس به لأن كلا منهما يحل منفردا فلا يكره مجتمعا ، قال : وهذه مخالفة للنص ، وقياس مع وجود الفارق ، فهو فاسد من وجهين . ثم هو منتقض بجواز كل واحدة من الأختين منفردة وتحريمهما مجتمعتين ، قال : وأعجب من ذلك تأويل من قال منهم إن النهي إنما هو من باب السرف ، قال : وهذا تبديل لا تأويل ، ويشهد ببطلانه الأحاديث الصحيحة [ ص: 72 ] ، وقال : وتسمية الشراب إداما قول من ذهل عن الشرع واللغة والعرف ، قال : والذي يفهم من الأحاديث التعليل بخوف إسراع الشدة بالخلط ، وعلى هذا يقتصر في النهي عن الخلط على ما يؤثر فيه الإسراع ، قال : وأفرط بعض أصحابنا فمنع الخلط وإن لم توجد العلة المذكورة ، ويلزمه أن يمنع من خلط العسل واللبن والخل والعسل ، قلت : حكاه ابن العربي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وقال : إنه حمل النهي عن الخليطين من الأشربة على عمومه ، واستغربه .

                                                                                                                                                                                                        [ ص: 73 ]



                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية