الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        246 حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما هذه غسله من الجنابة

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( حدثنا محمد بن يوسف ) هو الفريابي وسفيان هو الثوري وجزم الكرماني بأن محمد بن يوسف هو البيكندي وسفيان هو ابن عيينة ولا أدري من أين له ذلك .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وضوءه للصلاة غير رجليه ) التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلخ وهو مخالف لظاهر رواية عائشة . ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز كما تقدم وإما بحمله على حالة أخرى ، وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل وعن مالك إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم ، وعند الشافعية في الأفضل قولان قال النووي أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه قال : لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك . انتهى . كذا قال وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك بل هي إما محتملة كرواية " توضأ وضوءه للصلاة " أو ظاهرة تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة وشاهدها من طريق أبي سلمة ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب وراويها مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش . وقول من قال " إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز " متعقب فإن في رواية أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش ما يدل على المواظبة ، ولفظه " كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه " فذكر الحديث وفي آخره " ثم يتنحى فيغسل رجليه " قال القرطبي : الحكمة في تأخير غسل الرجلين ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وغسل فرجه ) فيه تقديم وتأخير ; لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء إذ الواو لا تقتضي الترتيب وقد بين ذلك ابن المبارك عن الثوري عند المصنف في باب الستر في الغسل فذكر أولا غسل اليدين ثم غسل الفرج ثم مسح يده بالحائط ثم الوضوء غير رجليه وأتى بثم الدالة على الترتيب في جميع ذلك .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( هذه غسله ) الإشارة إلى الأفعال المذكورة أو التقدير هذه صفة غسله وللكشميهني " هذا غسله " وهو ظاهر وأشار الإسماعيلي إلى أن هذه الجملة الأخيرة مدرجة من قول سالم بن أبي الجعد وأن زائدة بن قدامة بين ذلك في روايته عن الأعمش واستدل البخاري بحديث ميمونة هذا على جواز تفريق الوضوء وعلى استحباب الإفراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء لقوله في رواية أبي عوانة وحفص وغيرهما " ثم أفرغ بيمينه على شماله " وعلى مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة لقوله فيها " ثم [ ص: 432 ] تمضمض واستنشق " وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب وليس الأمر هنا كذلك [1] قاله ابن دقيق العيد : وعلى استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط أو الأرض لقوله في الروايات المذكورة " ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط " قال ابن دقيق العيد : وقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة لإزالة النجاسة والغسل من الجنابة ; لأن الأصل عدم التكرار وفيه خلاف . انتهى .

                                                                                                                                                                                                        وصحح النووي وغيره أنه يجزئ لكن لم يتعين في هذا الحديث أن ذلك كان لإزالة النجاسة بل يحتمل أن يكون للتنظيف فلا يدل على الاكتفاء وأما دلك اليد بالأرض فللمبالغة فيه ليكون أنقى كما قال البخاري . وأبعد من استدل به على نجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج ; لأن الغسل ليس مقصورا على إزالة النجاسة . وقوله في حديث الباب " وما أصابه من أذى " ليس بظاهر في النجاسة أيضا واستدل به البخاري أيضا على أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة وعلى أن من توضأ بنية الغسل أكمل باقي أعضاء بدنه لا يشرع له تجديد الوضوء من غير حدث وعلى جواز نفض اليدين من ماء الغسل وكذا الوضوء ، وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره ولفظه " لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان " وقال ابن الصلاح : لم أجده . وتبعه النووي . وقد أخرجه ابن حبان في الضعفاء وابن أبي حاتم في العلل من حديث أبي هريرة ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحا أن يحتج به . وعلى استحباب التستر في الغسل ولو كان في البيت .

                                                                                                                                                                                                        وقد عقد المصنف لكل مسألة بابا وأخرج هذا الحديث فيه بمغايرة الطرق ومدارها على الأعمش وعند بعض الرواة عنه ما ليس عند الآخر وقد جمعت فوائدها في هذا الباب . وصرح في رواية حفص بن غياث عن الأعمش بسماع الأعمش من سالم فأمن تدليسه . وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على الولاء : الأعمش وسالم وكريب وصحابيان : ابن عباس وخالته ميمونة بنت الحارث .

                                                                                                                                                                                                        وفي الحديث من الفوائد أيضا جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل والوضوء لقولها في رواية حفص وغيره " وضعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسلا " وفي رواية عبد الواحد " ما يغتسل به " وفيه خدمة الزوجات لأزواجهن وفيه الصب باليمين على الشمال لغسل الفرج بها وفيه تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف لئلا يدخلهما في الماء وفيهما ما لعله يستقذر فأما إذا كان الماء في إبريق مثلا فالأولى تقديم غسل الفرج لتوالي أعضاء الوضوء ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء وتمسك به المالكية لقولهم إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس بل يكتفى عنه بغسله واستدل بعضهم بقولها في رواية أبي حمزة وغيره " فناولته ثوبا فلم يأخذه " على كراهة التنشيف بعد الغسل ولا حجة فيه ; لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف بل لأمر يتعلق بالخرقة أو لكونه كان مستعجلا أو غير ذلك . قال المهلب : يحتمل تركه الثوب ; لإبقاء بركة الماء أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ وقد وقع عند أحمد والإسماعيلي من رواية أبي عوانة في هذا الحديث عن الأعمش قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : لا بأس بالمنديل وإنما رده مخافة أن يصير عادة .

                                                                                                                                                                                                        وقال التيمي في شرحه : في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف ولولا ذلك [ ص: 433 ] لم تأته بالمنديل . وقال ابن دقيق العيد : نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف ; لأن كلا منهما إزالة . وقال النووي : اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه أشهرها أن المستحب تركه وقيل مكروه وقيل مباح وقيل مستحب وقيل مكروه في الصيف مباح في الشتاء . واستدل به على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر خلافا لمن غلا من الحنفية فقال بنجاسته .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية