الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                1354 حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو قال أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                قوله : ( عن أبي شريح العدوي ) هكذا ثبت في الصحيحين ( العدوي ) في هذا الحديث ، ويقال له أيضا ( الكعبي ) و ( الخزاعي ) قيل : اسمه : خويلد بن عمرو ، وقيل : عمرو بن خويلد ، وقيل : عبد الرحمن بن عمرو ، وقيل : هانئ بن عمرو ، وأسلم قبل فتح مكة ، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وستين .

                                                                                                                قوله : ( وهو يبعث البعوث إلى مكة ) يعني لقتال ابن الزبير .

                                                                                                                قوله : ( سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي ) أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه إياه وتيقنه زمانه ومكانه ولفظه .

                                                                                                                قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ) معناه : أن تحريمها بوحي الله تعالى ، لا أنها اصطلح الناس على تحريمها بغير أمر الله .

                                                                                                                قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ) هذا قد يحتج به من يقول : الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الإسلام ، والصحيح عندنا وعند آخرين : أنهم مخاطبون بها كما هم مخاطبون بأصوله ، وإنما قال صلى الله عليه وسلم : ( فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ) لأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا وينزجر عن محرمات شرعنا ، ويستثمر أحكامه ، فجعل الكلام فيه ، وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطبا بالفروع .

                                                                                                                قوله : ( يسفك ) بكسر الفاء على المشهور ، وحكي ضمها ، أي يسيله .

                                                                                                                قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره ) فيه دلالة لمن يقول : فتحت مكة عنوة ، وقد سبق في هذا الباب بيان الخلاف فيه ، وتأويل الحديث عند من يقول : فتحت صلحا أن معناه : دخلها متأهبا للقتال لو احتاج إليه ، فهو دليل الجواز له تلك الساعة .

                                                                                                                [ ص: 486 ] قوله صلى الله عليه وسلم : ( وليبلغ الشاهد الغائب ) هذا اللفظ قد جاءت به أحاديث كثيرة ، وفيه : التصريح بوجوب نقل العلم وإشاعة السنن والأحكام .

                                                                                                                قوله : ( لا يعيذ عاصيا ) أي لا يعصمه .

                                                                                                                قوله : ( ولا فارا بخربة ) هي بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء هذا هو المشهور ، ويقال : بضم الخاء أيضا ، حكاها القاضي وصاحب المطالع وآخرون ، وأصلها سرقة الإبل ، وتطلق على كل خيانة ، وفي صحيح البخاري إنها البلية ، وقال الخليل : هي الفساد في الدين من الخارب ، وهو اللص المفسد في الأرض ، وقيل : هي العيب .




                                                                                                                الخدمات العلمية