الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          558 حدثنا قتيبة حدثنا حاتم بن إسمعيل عن هشام بن إسحق وهو ابن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال أرسلني الوليد بن عقبة وهو أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن إسحق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه فذكر نحوه وزاد فيه متخشعا قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وهو قول الشافعي قال يصلي صلاة الاستسقاء نحو صلاة العيدين يكبر في الركعة الأولى سبعا وفي الثانية خمسا واحتج بحديثابن عباس قال أبو عيسى وروي عن مالك بن أنس أنه قال لا يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين وقال النعمان أبو حنيفة لا تصلى صلاة الاستسقاء ولا آمرهم بتحويل الرداء ولكن يدعون ويرجعون بجملتهم قال أبو عيسى خالف السنة

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          قوله : ( عن هشام بن إسحاق ) المدني القرشي ، قال في التقريب : مقبول ، وقال في الخلاصة : قال أبو حاتم : شيخ ( عن أبيه ) هو إسحاق بن عبد الله بن كنانة . قال النسائي : ليس به بأس ، وقال أبو زرعة : ثقة .

                                                                                                          قوله : ( خرج متبذلا ) ، أي لابسا ثياب البذلة تاركا ثياب الزينة ، قال في النهاية : التبذل ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع ( متواضعا ) في الظاهر ( متخشعا ) في الباطن ، وقال في النيل : قوله : متخشعا أي : مظهرا للخشوع ؛ ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل ، وزاد في رواية : مترسلا أي : غير مستعجل في مشيه ( متضرعا ) أي : مظهرا للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة .

                                                                                                          ( فلم يخطب خطبتكم هذه ) النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد ، كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة ، وفي رواية أبي داود : فرقي المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه . فقوله : فرقي المنبر أيضا يدل على أن النفي متوجه إلى القيد ، قال الزيلعي في نصب الراية : قال أحمد : لا تسن الخطبة في الاستسقاء واحتجوا له بقوله فلم يخطب ولكنه خطب الخطبة واحدة ، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس ، ولم يرو أنه خطب خطبتين فلذلك قال أبو يوسف : يخطب خطبة واحدة . ومحمد يقول : يخطب خطبتين . ولم أجد له شاهدا ، انتهى كلام الزيلعي .

                                                                                                          ( وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد ) استدل به الشافعي -رحمه الله- على أنه يكبر في [ ص: 109 ] صلاة الاستسقاء كتكبير العيد ، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة ، واستدل له بما أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن طلحة قال : أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء فقال : سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين ، الحديث ، وفيه : وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر فيها خمس تكبيرات ، قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

                                                                                                          قال الحافظ الزيلعي : والجواب عنه من وجهين :

                                                                                                          أحدهما : ضعف الحديث فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري : منكر الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ليس له حديث مستقيم .

                                                                                                          الثاني : أنه معارض بحديث أخرجه الطبراني في معجمه الوسط عن أنس بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استسقى فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة وحول رداءه ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة . انتهى كلام الزيلعي .

                                                                                                          قلت : قال الحافظ في الدراية بعد ذكر حديث أنس هذا : ولا حجة فيه فإنها كانت حينئذ صلاة الجمعة ، انتهى .

                                                                                                          واعلم أنه قد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس ، ففي حديث أبي هريرة وحديث أنس وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ الصلاة قبل الخطبة ، وفي حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين وغيرهما ، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود وحديث عائشة عند أبي داود أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة ولكنه لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيحين أنه خطب ، وإنما ذكر تحويل الظهر إلى الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء .

                                                                                                          قال القرطبي : يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد ، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة . قال في الفتح : ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب ، فاقتصر بعض الرواة على شيء وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة فلذلك وقع الاختلاف ، والمرجح عند الشافعية والمالكية الشروع بالصلاة ، وعن أحمد رواية كذلك ، قال النووي : وبه قال الجماهير ، وقال الليث : بعد الخطبة ، وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير . قال : قال أصحابنا : ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها . وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير . واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة ، انتهى . [ ص: 110 ] كذا ذكر القاضي الشوكاني في النيل ، وقال : وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق انتهى .

                                                                                                          قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أبو داود والنسائي ، وأخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي ، وصححه أيضا أبو عوانة وابن حبان .

                                                                                                          قوله : ( وزاد فيه متخشعا ) أي : مظهرا للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل ، وزاد في رواية مترسلا أي : غير مستعجل في مشيه .

                                                                                                          قوله : ( وهو قول الشافعي قال : يصلي صلاة الاستسقاء نحو صلاة العيدين يكبر في الركعة الأولى سبعا وفي الثانية خمسا ، واحتج بحديث ابن عباس ) تقدم الكلام في ذلك فتذكر ، ( وروي عن مالك بن أنس أنه قال : لا يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين ) وهو قول الجمهور ، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك . وقال داود : إنه مخير بين التكبير وتركه .

                                                                                                          قلت : الراجح عندي قول الجمهور فإنه لم يثبت من حديث مرفوع صحيح صريح أنه يكبر في صلاة الاستسقاء في الركعة الأولى سبعا وفي الثانية خمسا كما يكبر في صلاة العيدين . أما حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي وغيره فليس بصريح في ذلك ، وأما حديثه الذي أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي وقد تقدم ، فقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج ، والله تعالى أعلم .

                                                                                                          [ ص: 111 ]



                                                                                                          الخدمات العلمية