الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          1553 حدثنا علي بن حجر حدثنا إسمعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون هذا حديث حسن صحيح [ ص: 135 ]

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          [ ص: 135 ] قوله : ( فضلت ) بصيغة المجهول من التفضيل ( على الأنبياء بست ) أي بست خصال ( أعطيت جوامع الكلم ) قال الحافظ : جوامع الكلم القرآن ، فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك انتهى . وقال ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم ما لفظه : جوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان : أحدهما ما هو في القرآن كقوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي قال الحسن : لم تترك هذه الآية خيرا إلا أمرت به ولا شرا إلا نهت عنه . والثاني ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم انتهى . ( ونصرت بالرعب ) زاد أبو أمامة " يقذف في قلوب أعدائي " أخرجه أحمد ، وفي حديث جابر بن عبد الله المتفق عليه : " نصرت بالرعب مسيرة شهر " ، قال الحافظ : مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ، ولا في أكثر منها ، أما ما دونها فلا ، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب : " ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر " ، فالظاهر اختصاصه به مطلقا ، وإنما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه ، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر ، وهل هي حاصلة لأمته من بعده فيه احتمال انتهى .

                                                                                                          ( وأحلت لي الغنائم ) زاد في حديث جابر رضي الله عنه : ولم تحل لأحد قبلي ( وجعلت لي الأرض مسجدا ) أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ، ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة ، وهو من مجاز التشبيه ; لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك ، قال ابن التيمي : قيل المراد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وجعلت لغيري مسجدا ولم تجعل له طهورا ; لأن عيسى كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة ، وسبقه إلى ذلك الداودي ، وقيل إنما أبيح لهم في موضع تيقنوا طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما تيقنوا نجاسته ، قال الحافظ : والأظهر ما قاله الخطابي وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة ، كالبيع والصوامع ، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ : وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم ، وهذا نص في موضع النزاع ، فثبتت الخصوصية . ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب وفيه : ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه ( وطهورا ) استدل به على أن الطهور هو المطهر لغيره ; لأن [ ص: 136 ] الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية ، والحديث إنما سيق لإثباتها ، وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه مرفوعا : جعلت لي كل الأرض طيبة مسجدا وطهورا ، ومعنى طيبة طاهرة فلو كان معنى طهورا طاهرا للزم تحصيل الحاصل ( وأرسلت إلى الخلق كافة ) . وفي حديث جابر : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة . قال الحافظ : ولا يعترض بأن نوحا عليه السلام كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه ، وقد كان مرسلا إليهم ; لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين ، بعد هلاك سائر الناس . وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك ، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة : أنت أول رسول إلى أهل الأرض فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية إرساله ، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم ( وختم بي النبيون ) فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .




                                                                                                          الخدمات العلمية