الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          3159 حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي قال سألت مرة الهمداني عن قول الله عز وجل وإن منكم إلا واردها فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه قال هذا حديث حسن ورواه شعبة عن السدي ولم يرفعه حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا شعبة عن السدي عن مرة عن عبد الله بن مسعود وإن منكم إلا واردها قال يردونها ثم يصدرون بأعمالهم حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن السدي بمثله قال عبد الرحمن قلت لشعبة إن إسرائيل حدثني عن السدي عن مرة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شعبة وقد سمعته من السدي مرفوعا ولكني عمدا أدعه

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          قوله ( عن قول الله ) وإن منكم إلا واردها قال الحافظ في الفتح : اختلف السلف في المراد بالورود في الآية ، فقيل هو الدخول ، روى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار أخبرني من سمع من ابن عباس فذكره ، وروى أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعا : الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما .

                                                                                                          وروى الترمذي وابن أبي حاتم من طريق السدي : سمعت مرة يحدث عن عبد الله بن مسعود قال : يردونها أو يلجونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم ، وقيل المراد بالورود الممر عليها . رواه [ ص: 481 ] الطبري وغيره من طريق بشر بن سعيد عن أبي هريرة ، ومن طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ، ومن طريق معمر وسعيد عن قتادة ، ومن طريق كعب الأحبار وزاد : يستوون كلهم على متنها ، ثم ينادي مناد أمسكي أصحابك ودعي أصحابي ، فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم ، وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك ولا تنافي بينهما ; لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور ، ووجهه أن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها ، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم ، فأعلاهم درجة من يمر كلمح البرق ويؤيد صحة هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أم مبشر أن حفصة قالت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قال : لا يدخل أحد شهد الحديبية النار ، أليس يقول الله ثم ننجي الذين اتقوا الآية . وفي هذا بيان ضعف قول من قال الورود مختص بالكفار ، ومن قال معنى الورود الدنو منها ، ومن قال معناه الإشراف عليها ، ومن قال معنى ورودها : ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى . على أن هذا الأخير ليس ببعيد ، ولا ينافيه بقية الأحاديث . انتهى ( يرد الناس النار ) يرد على وزن يعد مضارع من الورود بمعنى الحضور ، يقال وردت ماء كذا ، أي حضرته وإنما سماه ورودا لأن المارة على الصراط يشاهدون النار ويحضرونها .

                                                                                                          قال التوربشتي : الورود لغة قصد الماء ثم يستعمل في غيره ، والمراد منه ها هنا الجواز على جسر جهنم " ثم يصدرون عنها " بضم الدال أي ينصرفون عنها ، فإن الصدور إذا عدي بعن اقتضى الانصراف ، وهذا على الاتساع ومعناه النجاة ، إذ ليس هناك انصراف وإنما هو المرور عليها ، فوضع الصدر موضع النجاة للمناسبة التي بين الصدور والورود .

                                                                                                          قال الطيبي : ثم في ثم يصدرون مثلها في قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا في أنها للتراخي في الرتبة لا الزمان ، بين الله تعالى التفاوت بين ورود الناس النار وبين نجاة المتقين منها ، فكذلك بين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، التفاوت بين ورود الناس النار وبين صدورهم منها ، على أن المراد بالصدور الانصراف . انتهى .

                                                                                                          قال القاري : الحاصل أن الخلق بعد شروعهم في الورود يتخلصون من خوف النار ومشاهدة رؤيتها وملاصقة لهبها ودخانها وتعلق شوكها وأمثالها على مراتب شتى في سرعة المجاوزة وإبطائها . ( بأعمالهم ) أي بحسب مراتب أعمالهم الصالحة ( فأولهم ) أي أسبقهم ( كلمح البرق ) أي كسرعة مرورة ( ثم كحضر الفرس ) أي جريه ، وهو بضم الحاء وسكون الضاد العدو الشديد ( ثم كالراكب في رحله ) أي على راحلته وعداه بفي لتمكنه من السير . كذا قاله الطيبي ، وقيل أراد [ ص: 482 ] الراكب في منزله ومأواه فإنه يكون حينئذ السير والسرعة أشد ( ثم كشد الرجل ) أي عدوه ( ثم كمشيه ) أي كمشي الرجل على هيئته .

                                                                                                          قوله : ( هذا حديث حسن ) وأخرجه أحمد والحاكم وصححه ، والبيهقي والدارمي وابن أبي حاتم .

                                                                                                          قوله : ( أخبرنا عبد الرحمن ) هو ابن مهدي .

                                                                                                          قوله : ( ولكني أدعه عمدا ) أي أتركه ، يعني أترك روايته عنه مرفوعا ولم يذكر وجه الترك فليتأمل .

                                                                                                          تنبيه : ذكر أهل العلم في فائدة دخول المؤمنين النار وجوها ، أحدها : أن ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه . وثانيها : أن فيه مزيد هم على أهل النار حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها وهم باقون فيها . وثالثها : أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب على الكفار صار ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة ، ولا نقول صريحا إن الأنبياء يدخلون النار أدبا معهم ، ولكن نقول : إن الخلق جميعا يردونها كما دلت عليه أحاديث الباب . فالعصاة يدخلونها بجرائمهم ، والأولياء والسعداء يدخلونها لشفاعتهم ، فبين الداخلين بون .




                                                                                                          الخدمات العلمية