الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          3207 حدثنا علي بن حجر أخبرنا داود بن الزبرقان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها قالت لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية وإذ تقول للذي أنعم الله عليه يعني بالإسلام وأنعمت عليه يعني بالعتق فأعتقته أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه إلى قوله وكان أمر الله مفعولا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلا يقال له زيد بن محمد فأنزل الله ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم فلان مولى فلان وفلان أخو فلان هو أقسط عند الله يعني أعدل قال أبو عيسى هذا حديث غريب قد روي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه هذا الحرف لم يرو بطوله حدثنا بذلك عبد الله بن وضاح الكوفي حدثنا عبد الله بن إدريس عن داود بن أبي هند

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          قوله : ( أخبرنا داود بن الزبرقان ) بكسر زاي وسكون موحدة وكسر راء وبقاف الرقاشي البصري نزيل بغداد متروك وكذبه الأزدي ، من الثامنة قوله : ( لكتم هذه الآية وإذ ) منصوب باذكر تقول للذي أنعم الله عليه هو زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فأعتقته ) كان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وأعتقه وتبناه أمسك عليك زوجك أي لا تطلق زوجك هي زينب بنت جحش رضي الله عنها ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها أميمة بنت عبد المطلب واتق الله أي في أمر طلاقها وتخفي الواو للحال أي والحال أنك تخفي في نفسك ما الله مبديه أي مظهره وهو نكاحها إن طلقها زيد ، وقيل حبها ، والصحيح المعول عليه عندي هو الأول وتخشى الناس أي تخاف أن يقول الناس تزوج محمد زوجة ابنه والله أحق أن تخشاه أي في كل شيء وتزوجها ولا عليك من قول الناس وبعد هذا فلما قضى زيد منها وطرا أي حاجة ، وقضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء ، يقال قضى وطرا منه إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه ، والمراد هنا أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة وتقاصرت عنه همته وطابت عنه نفسه . وقيل المراد به الطلاق لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة زوجناكها أي لم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفا لك ولها . فلما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته ، وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين ، وكان تزوجه بزينب سنة خمس من الهجرة وقيل سنة ثلاث وهي أول من مات من زوجاته الشريفات المطهرات ماتت بعده بعشر سنين عن ثلاث وخمسين سنة ، وقيل المراد به الأمر له بأن يتزوجها والأول أولى وبه جاءت الأخبار الصحيحة كذا في فتح البيان لكي لا يكون على المؤمنين حرج أي ضيق علة للتزويج وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل في أزواج أدعيائهم جمع دعي وهو المتبنى أي في التزويج بأزواج من يجعلونه ابنا كما كان العرب يفعلون فإنهم كانوا يتبنون من يريدون وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه كما يحرم عليهم نساء أبنائهم حقيقة ، فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم إذا قضوا منهن وطرا أي إذا طلق الأدعياء أزواجهم [ ص: 51 ] بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم على أبيه بنفس العقد عليها وكان أمر الله مفعولا أي قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لما تزوجها ) أي زينب ( قالوا تزوج حليلة ابنه ) أي زوجة ابنه ما كان محمد أبا أحد من رجالكم أي فليس صلى الله عليه وسلم أبا زيد فلا يحرم عليه التزويج بزوجته زينب ولكن رسول الله أي ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين قرأ الجمهور بكسر التاء وقرئ بفتحها ، ومعنى الأولى أنه ختمهم أي جاء آخرهم ، ومعنى الثانية أنه صار كالخاتم لهم الذي يختمون به ويتزينون بكونه منهم . قال أبو عبيدة : الوجه الكسر لأن التأويل أنه ختمهم فهو خاتمهم وأنه قال : " أنا خاتم النبيين ، وخاتم الشيء آخره " . وقال الحسن : الخاتم هو الذي ختم به والمعنى ختم الله به النبوة فلا نبوة بعده ولا معه قال ابن عباس : يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا ، وعنه أن الله لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا وعيسى ممن نبئ قبله وحين ينزل ينزل عاملا على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه بعض أمته ادعوهم لآبائهم للصلب وانسبوهم إليهم ولا تدعوهم إلى غيرهم هو أقسط عند الله تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء والضمير راجع إلى مصدر " ادعوهم " ومعنى " أقسط " أعدل أي أعدل من كل كلام يتعلق بذلك فترك الإضافة للعموم كقوله : الله أكبر ، أو أعدل من قولكم : هو ابن فلان ولم يكن ابنه لصلبه فإن لم تعلموا آباءهم تنسبونهم إليهم فإخوانكم أي فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا أخي ومولاي ولا تقولوا ابن فلان حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة .

                                                                                                          قال الزجاج : مواليكم أي أولياؤكم في الدين ، وقيل : المعنى فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحرارا فقولوا موالي فلان . قوله : ( هذا الحرف لم يرو بطوله ) أي روي مقتصرا على هذا القدر فحسب ولم يرو بطوله مثل الرواية المتقدمة . ونقل الحافظ في الفتح حاصل كلام الترمذي هذا بلفظ : قال الترمذي : روي عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة إلى قوله : ( لكتم هذه الآية ) ولم يذكر ما بعده ثم قال الحافظ : وهذا القدر أخرجه مسلم كما قال الترمذي وأظن الزائد مدرجا في الخبر فإن الراوي له [ ص: 52 ] عن داود لم يكن بالحافظ انتهى . قلت : والراوي عن داود في الرواية الطويلة المتقدمة هو داود بن الزبرقان وقد عرفت أنه متروك .




                                                                                                          الخدمات العلمية