الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وممن توفي في هذه السنة من المشاهير :

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ملك الروم توفيل بن ميخائيل .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكانت مدة ملكه ثنتي عشرة سنة فملكت بعده امرأته تدورة ، وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها توفي :

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      بشر الحافي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الزاهد المشهور ، وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي نزيل بغداد .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 290 ] قال ابن خلكان وكان اسم جده عبد الله بعبور ، أسلم على يدي علي بن أبي طالب قلت : وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة ، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد ، وعبد الله بن المبارك ، وابن مهدي ، ومالك ، وأبي بكر بن عياش ، وغيرهم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وعنه جماعة ؛ منهم أبو خيثمة زهير بن حرب ، وسري السقطي ، والعباس بن عبد العظيم ، ومحمد بن حاتم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال محمد بن سعد : سمع بشر كثيرا ، ثم اشتغل بالعبادة ، واعتزل الناس ولم يحدث ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشفه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال الإمام أحمد يوم بلغه موته : لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس ، ولو تزوج لكان قد تم أمره ، وقال إبراهيم الحربي ما أخرجت بغداد أتم عقلا ، ولا أحفظ للسانه منه ، ما عرف له غيبة لمسلم ، وكان في كل شعرة منه عقل ، ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء ، وما نقص من عقله شيء .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 291 ] وذكر غير واحد : أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره ، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال : سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية وضمخ تلك الرقعة منها ، ووضعها حيث لا تنال فأحيا الله قلبه ، وألهمه رشده ، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومن كلامه : من أحب الدنيا فليتهيأ للذل . وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له : بماذا تأتدم ؟ فقال : أذكر العافية فأجعلها أدما . وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا ، طرق يوما بابا ، فقيل : من ؟ فقال بشر الحافي فقالت جارية صغيرة : أما وجد هذا دانقين يشتري بهما نعلا ويستريح من هذا الاسم . قالوا : وكان سبب تركه النعل أنه جاء إلى حذاء ، فطلب منه شراكا لنعله ، فقال له : ما أكثر كلفتكم على الناس ! فطرح النعل من يده ، وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن خلكان : وكانت وفاته يوم عاشوراء . وقيل في رمضان [ ص: 292 ] ببغداد . وقيل : بمرو . قلت : الصحيح ببغداد في هذه السنة . وقيل : في سنة ست وعشرين . والأول أصح . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم ، فأخرج من بعد صلاة الفجر ، فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة ، وكان علي بن المديني ، وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة : هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة . وروي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكن فيه ، وأنه رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، ولكل من شهد جنازتي ، ولكل من أحبني إلى يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وذكر الخطيب البغدادي أنه كان له أخوات ثلاث ؛ وهن مخة ، ومضغة ، وزبدة ، وكلهن عابدات زاهدات مثله ، وأشد ورعا أيضا . ذهبت إحداهن فاستأذنت على أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، فقالت : إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل ، فإذا كان ضوء القمر غزلت فيه فعلي [ ص: 293 ] عند البيع أن أميز هذا من هذا ؟ فقال لها : إن كان بينهما فرق فأعلمي به المشتري ، وقالت له مرة إحداهن : ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات ، فخلصني من ذلك ، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار . وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى ؟ قال : لا ، إنما هو شكوى إلى الله عز وجل ، ثم خرجت . فقال لابنه عبد الله : يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة ؟ قال عبد الله : فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر الحافي وإذا هي أخته .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وروى الخطيب البغدادي أيضا عن زبدة قالت : جاء ليلة أخي بشر ، فدخل برجله في الدار ، وبقيت الأخرى خارج الدار ، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح ، فقيل له : فيم تفكرت ليلتك ؟ قال : تفكرت في بشر النصراني ، وبشر اليهودي ، وبشر المجوسي ، وفي نفسي واسمي بشر فقلت : ما الذي سبق منك حتى خصك بالإسلام من بينهم ؟ فتفكرت في تفضله [ ص: 294 ] علي ، وحمدته على أن جعلني من خاصته ، وألبسني لباس أحبابه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال ، وقد ذكر ابن عساكر أشعارا حسنة ، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      تعاف القذى في الماء لا تستطيعه وتكرع من حوض الذنوب فتشرب     وتؤثر من أكل الطعام ألذه
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ولا تذكر المختار من أين يكسب     وترقد يا مسكين فوق نمارق
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفي حشوها نار عليك تلهب     فحتى متى لا تستفيق جهالة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأنت ابن سبعين بدينك تلعب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وممن توفي فيها من الأعيان :

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وإسماعيل بن عمرو البجلي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وسعيد بن منصور .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صاحب السنن المشهورة التي لا يشاركه في [ ص: 295 ] مثلها إلا القليل .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومحمد بن الصباح الدولابي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وله سنن أيضا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأبو الوليد الطيالسي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأبو الهذيل العلاف المتكلم المعتزلي .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية