الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر وفاة الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله

قال ابنه صالح : كان مرضه في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين ، ودخلت عليه يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول ، وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف ، فقلت : يا أبت ما كان غداؤك ؟ فقال : ماء الباقلا . ثم ذكر كثرة مجيء الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته ، وكثرة [ ص: 421 ] جزع الناس عليه ، وكان معه خريقة فيها قطيعات ينفق على نفسه منها ، وقد أمر ولده عبد الله أن يطالب سكان ملكه وأن يكفر عنه كفارة يمين فأخذ شيئا من الأجرة فاشترى تمرا وكفر عن أبيه ، وفضل من ذلك ثلاثة دراهم ، وكتب الإمام أحمد وصيته :

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل ، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين ، وأن يحمدوه في الحامدين ، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين ، وأوصي أني قد رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وأوصي لعبد الله بن محمد المعروف بفوران علي نحوا من خمسين دينارا ، وهو مصدق فيما قال فيقضى ما له علي من غلة الدار ، إن شاء الله فإذا استوفي أعطي ولد صالح كل ذكر وأنثى عشرة دراهم .

ثم استدعى بالصبيان من ورثته فجعل يدعو لهم ، وكان قد ولد له صبي قبل موته بخمسين يوما فسماه سعيدا ، وكان له ولد آخر اسمه محمد قد مشى حين مرض الإمام أحمد ، فدعاه فالتزمه وقبله ، ثم قال : ما كنت أصنع بالولد على [ ص: 422 ] كبر السن ؟ فقيل له : ذرية تكون بعدك يدعون لك . قال : وذاك . وجعل يحمد الله عز وجل . وقد بلغه في مرضه عن طاوس أنه كان كره الأنين في المرض ، فترك الأنين فلم يئن حتى كانت الليلة التي توفي في صبيحتها ، وكانت ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة ، فأن حين اشتد عليه الوجع . وقد روي عن ابنه عبد الله ، ويروى عن صالح وقد يكون عن كل منهما أنه قال : لما احتضر أبي - رحمه الله - جعل يكثر أن يقول : لا بعد ، لا بعد ، فقلت : يا أبت ، ما هذه اللفظة التي لهجت بها في هذه الساعة ؟ فقال : يا بني ، إن إبليس واقف في زاوية البيت ، وهو عاض على أصبعه ، وهو يقول : فتني يا أحمد ؟ فأقول : لا بعد لا بعد . يعني أنه لا يفوته حتى تخرج روحه من جسده على التوحيد ، كما جاء في بعض الأحاديث ، قال إبليس : يا رب ، وعزتك وجلالك ما أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم . فقال : وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني .

[ ص: 423 ] وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضئوه فجعلوا يوضئونه ، وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي ، وهو يذكر الله في جميع ذلك ، فلما أكملوا الوضوء توفي - رحمه الله - ورضي عنه .

وقد كانت وفاة الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - صبيحة يوم الجمعة حين مضى نحو من ساعتين من النهار ، فاجتمع الناس في الشوارع ، وبعث محمد بن عبد الله بن طاهر حاجبه ومعه غلمان يحملون مناديل فيها أكفان ، وأرسل يقول : هذا نيابة عن الخليفة فإنه لو كان حاضرا لبعث بهذا . فأرسل أولاده يقولون : إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره ، وهذا مما يكره ، وأبوا أن يكفنوه في تلك الأثواب ، وأتوا بثوب كان قد غزلته جاريته ، فكفنوه فيه ، واشتروا معه عوز لفافة وحنوطا ، واشتروا له راوية ماء ، وامتنعوا أن يغسلوه بماء من بيوتهم ; لأنه كان قد هجر بيوتهم فلا يأكل منها ولا يستعير من أمتعتهم شيئا ، وكان لا يزال متغضبا عليهم ; لأنهم كانوا يتناولون ما رتب لهم على بيت المال ، وهو في كل شهر أربعة آلاف درهم ، وكانوا عالة فقراء ، وحضر غسله نحو من مائة من بيت الخلافة من بني هاشم ، فجعلوا يقبلون بين عينيه ، ويدعون له ، ويترحمون عليه . وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لا يعلم عددهم إلا الله ، ونائب البلد محمد بن [ ص: 424 ] عبد الله بن طاهر واقف في الناس ، فتقدم خطوات فعزى أولاد الإمام أحمد فيه ، وكان هو الذي أم الناس في الصلاة عليه ، وقد أعاد جماعة من الناس الصلاة على القبر بعد الدفن من أجل ذلك ، ولم يستقر في قبره ، رحمه الله إلا بعد صلاة العصر وذلك لكثرة الخلق .

وقد روى البيهقي وغير واحد أن الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر أمر بحزر الناس ، فوجدوا ألف ألف وثلاثمائة ألف ، وفي رواية : وسبعمائة ألف سوى من كان في السفن ، وأقل ما قيل : سبعمائة ألف .

وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبا زرعة يقول : بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس عليه حيث صلي على أحمد بن حنبل ، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف .

قال الحافظ أبو بكر البيهقي ، عن الحاكم : سمعت أبا بكر أحمد بن كامل القاضي يقول : سمعت محمد بن يحيى الزنجاني ، سمعت عبد الوهاب [ ص: 425 ] الوراق يقول : ما بلغنا أن جمعا في الجاهلية والإسلام كان أكثر من الجمع على جنازة أبي عبد الله .

وقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم : حدثني محمد بن العباس المكي ، سمعت الوركاني جار أحمد بن حنبل قال : أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس ، ووقع المأتم في المسلمين واليهود والنصارى والمجوس . وفي بعض النسخ : أسلم عشرة آلاف بدل عشرين ألفا . فالله أعلم .

وقال الدارقطني : سمعت أبا سهل بن زياد ، سمعت عبد الله بن أحمد يقول : سمعت أبي يقول : قولوا لأهل البدع ، بيننا وبينكم الجنائز . وقد [ ص: 426 ] صدق الله قوله في هذا فإنه رحمه الله كان إمام السنة في زمانه ، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دؤاد القاضي لم يحتفل أحد بموته ، ولا شيعه أحد من الناس إلا القليل ، وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه في خطراته وحركاته لم يصل عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس ، فلله الأمر من قبل ومن بعد .

وقد روى البيهقي ، عن حجاج بن محمد الشاعر أنه قال : ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصل على الإمام أحمد . وروي عن رجل من أهل العلم أنه قال يوم دفن أحمد : دفن اليوم سادس خمسة : وهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعمر بن عبد العزيز ، رحمهم الله . وكان عمره - رحمه الله - يوم توفي سبعا وسبعين سنة وأياما أقل من شهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث