الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفاة المهدي صاحب إفريقية ، أول خلفاء الفاطميين فيما زعموا

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها مات أبو محمد عبيد الله ، المدعي أنه علوي - الملقب بالمهدي - باني المهدية بمدينته المهدية عن ثلاث وستين سنة ، وكانت ولايته ، منذ دخل رقادة وادعى الإمامة ، أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما ، وهو أول الخلفاء الفاطميين .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقد كان شهما شجاعا ، ظفر بجماعة ممن خالفه وناوأه وقاتله وعاداه ، وقد قام بأمر الخلافة من بعده ولده أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله وحين توفي أبوه ، كتم موته سنة حتى دبر ما أراده من الأمور ، ثم أظهر ذلك ، وعزاه الناس فيه ، وقد كان شهما شجاعا كأبيه ، فتح البلاد ، وأرسل السرايا إلى بلاد الروم ، ورام أخذ الديار المصرية ، فلم يتفق له ذلك ، وإنما جرى ذلك على يدي ابن ابنه المعز الفاطمي الذي بنى القاهرة المعزية ، كما سنذكره ، إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 84 ] قال القاضي ابن خلكان في " الوفيات " : وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا ; فقال صاحب " تاريخ القيروان " : هو عبيد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وقال غيره : هو عبيد الله بن التقي ، وهو الحسين بن الوفي ، أحمد بن الرضي عبد الله ، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم : المستورون ; لخوفهم من خلفاء بني العباس ، والرضي عبد الله هذا هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وقيل غير ذلك في نسبه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال القاضي ابن خلكان : والمحققون ينكرون دعواه في النسب .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قلت : قد كتب غير واحد من الأئمة ، منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني والقاضي الباقلاني ، والقدوري أن هؤلاء أدعياء ، ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه ، وأن والد عبيد الله هذا كان يهوديا صباغا بسلمية ، وقيل : كان اسمه سعيدا ، وإنما لقب بعبيد الله . وكان زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح ، وسمي القداح ; لأنه كان كحالا يقدح العيون ، وكان الذي وطأ له الأمر بتلك البلاد أبو عبد الله الشيعي كما قدمنا ذلك ، ثم استدعاه فلما قدم من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سجلماسة [ ص: 85 ] فسجنه ، فلم يزل الشيعي حتى استنقذه وسلم إليه الأمر ، ثم ندم الشيعي وهم بقتله ، ففطن عبيد الله له فقتله وقتل معه أخاه . ويقال : إن الشيعي لما دخل السجن وجد صاحب سجلماسة قد قتله ، ووجد في السجن رجلا مجهولا ، فأخرجه للناس ، وقال : هذا هو المهدي ، وروج به الأمر ، فهؤلاء من سلالته . حكاه القاضي ابن خلكان

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان مولد المهدي هذا في سنة ستين ومائتين ، وقيل : قبلها ، وقيل : بعدها . بسلمية ، وقيل : بالكوفة . وأول ما دعي له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين ، بعد رجوعه من سجلماسة وكان ظهوره بها في ذي الحجة من السنة الماضية ، سنة ست وتسعين ، وزالت دولة بني العباس من تلك الناحية من هذا الحين إلى أن هلك العاضد في سنة سبع وستين وخمسمائة .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكانت وفاته بالمهدية - التي بناها في أيامه - ليلة الثلاثاء للنصف من ربيع الأول من هذه السنة ، وقد جاوز الستين على المشهور ، وإلى الله عاقبة الأمور ، وسيفصل بين الآمر والمأمور ، يوم البعث والنشور .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية