الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون

عنيت الآيات من أول السورة باستقصاء مطاعن المشركين في القرآن ومن جاء به بقولهم : أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ، وقولهم : أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ، وكان من جملة أمانيهم لما أعياهم اختلاق المطاعن أن كانوا يتمنون موت محمد - صلى الله عليه وسلم - أو يرجونه أو يدبرونه قال تعالى : أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون في سورة الطور وقال تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك في الأنفال ، وقد دل على أن هؤلاء هم المقصود من الآية قوله تعالى : أفإن مت فهم الخالدون فلما كان تمنيهم موته وتربصهم به ريب المنون [ ص: 63 ] يقتضي أن الذين تمنوا ذلك وتربصوا به كأنهم واثقون بأنهم يموتون بعده فتتم شماتتهم ، أو كأنهم لا يموتون أبدا فلا يشمت بهم أحد - وجه إليهم استفهام الإنكار على طريقة التعريض بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم خالدون .

وفي الآية إيماء إلى أن الذين لم يقدر الله لهم الإسلام ممن قالوا ذلك القول سيموتون قبل موت النبيء - صلى الله عليه وسلم - فلا يشمتون به ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى أهلك الله رءوس الذين عاندوه وهدى بقيتهم إلى الإسلام . ففي قوله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد طريقة القول بالموجب ، أي أنك تموت كما قالوا ، ولكنهم لا يرون ذلك ، وهم بحال من يزعمون أنهم مخلدون فأيقنوا بأنهم يتربصون بك ريب المنون من فرط غرورهم ، فالتفريع كان على ما في الجملة الأولى من القول بالموجب ، أي ما هم بخالدين حتى يوقنوا أنهم يرون موتك . وفي الإنكار الذي هو في معنى النفي إنذار لهم بأنهم لا يرى موته منهم أحد .

التالي السابق


الخدمات العلمية