الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا .

أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرار بهن بالأمر بحسن المعاشرة معهن ، فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدم من النهي ، لأن حسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه ، وزائد بمعاني إحسان الصحبة .

والمعاشرة مفاعلة من العشرة وهي المخالطة ، قال ابن عطية : وأرى اللفظة من : أعشار الجزور ؛ لأنها مقاسمة ومخالطة ، أي فأصل الاشتقاق من الاسم الجامد وهو عدد العشرة . وأنا أراها مشتقة من العشيرة أي الأهل ، فعاشره : جعله من عشيرته ، كما يقال : آخاه ، إذا جعله أخا . أما العشيرة فلا يعرف أصل اشتقاقها . وقد قيل : إنها من العشرة أي اسم العدد . وفيه نظر .

والمعروف ضد المنكر وسمي الأمر المكروه منكرا لأن النفوس لا تأنس به ، فكأنه مجهول عندها نكرة ، إذ الشأن أن المجهول يكون مكروها ثم أطلقوا اسم المنكر على المكروه ، وأطلقوا ضده على المحبوب لأنه تألفه النفوس . والمعروف هنا ما حدده الشرع ووصفه العرف .

[ ص: 287 ] والتفريع في قوله : فإن كرهتموهن على لازم الأمر الذي في قوله : وعاشروهن وهو النهي عن سوء المعاشرة ، أي فإن وجد سبب سوء المعاشرة وهو الكراهية . وجملة : فعسى أن تكرهوا . نائبة مناب جواب الشرط ، وهي علة له ، فعلم الجواب منها . وتقديره : فتثبتوا ولا تعجلوا بالطلاق ، لأن قوله : فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا . يفيد إمكان أن تكون المرأة المكروهة سبب خيرات فيقتضي أن لا يتعجل في الفراق .

و ( عسى ) هنا للمقاربة المجازية أو الترجي . و ( أن تكرهوا ) ساد مسد معموليها ، و ( يجعل ) معطوف على ( تكرهوا ) ومناط المقاربة والرجاء هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه ، بدلالة القرينة على ذلك .

هذه حكمة عظيمة ، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي . وبعضه قد علم الله أن فيه خيرا لكنه لم يظهر للناس . قال سهل بن حنيف ، حين مرجعه من صفين : اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله أمره لرددنا ، والله ورسوله أعلم . وقد قال تعالى ، في سورة البقرة وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم .

والمقصود من هذا : الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء ، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة . ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم ، حتى يسبره بمسبار الرأي ، فيتحقق سلامة حسن الظاهر من سوء خفايا الباطن .

واقتصر هنا على مقاربة حصول الكراهية لشيء فيه خير كثير ، دون مقابله ، كما في آية البقرة : وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم . لأن المقام في سورة البقرة مقام بيان الحقيقة بطرفيها إذ المخاطبون فيها كرهوا القتال ، وأحبوا السلم ، فكان حالهم مقتضيا بيان أن القتال قد يكون هو الخير لما يحصل بعده من أمن دائم ، وخضد شوكة العدو ، وأن السلم قد يكون شرا لما يحصل معها من [ ص: 288 ] استخفاف الأعداء بهم ، وطمعهم فيهم ، وذهاب عزهم المفضي إلى استعبادهم ، أما المقام في هذه السورة فهو لبيان حكم من حدث بينه وبين زوجه ما كرهه فيها ، ورام فراقها ، وليس له مع ذلك ميل إلى غيرها ، فكان حاله مقتضيا بيان ما في كثير من المكروهات من الخيرات ، ولا يناسب أن يبين له أن في بعض الأمور المحبوبة شرورا لكونه فتحا لباب التعلل لهم بما يأخذون من الطرف الذي يميل إليه هواهم . وأسند جعل الخير في المكروه هنا لله بقوله : ويجعل الله فيه خيرا كثيرا . المقتضي أنه جعل عارض لمكروه خاص ، وفي سورة البقرة قال : وهو خير لكم . لأن تلك بيان لما يقارن بعض الحقائق من الخفاء في ذات الحقيقة ، ليكون رجاء الخير من القتال مطردا في جميع الأحوال غير حاصل بجعل عارض ، بخلاف هذه الآية ، فإن الصبر على الزوجة المؤذية أو المكروهة إذا كان لأجل امتثال أمر الله بحسن معاشرتهن ، يكون جعل الخير في ذلك جزاء من الله على الامتثال .

التالي السابق


الخدمات العلمية