الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      المسألة الخامسة : في تحقيق المقام فيما للإمام أن ينفله من الغنيمة ، وسنذكر أقوال العلماء في ذلك ، وأدلتهم ، وما يقتضي الدليل رجحانه .

                                                                                                                                                                                                                                      اعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة ، كما أشرنا له في أول هذه السورة الكريمة ، ووعدنا بإيضاحه هنا ، فذهب الإمام مالك - رحمه الله - إلى أن الإمام لا يجوز له أن ينفل أحدا شيئا إلا من الخمس ، وهو قول سعيد بن المسيب ; لأن الأخماس الأربعة ملك للغانمين الموجفين عليها بالخيل والركاب ، هذا مشهور مذهبه ، وعنه قول آخر : أنها من خمس الخمس .

                                                                                                                                                                                                                                      ووجه هذا القول : أن أخماس الخمس الأربعة ، غير خمس الرسول صلى الله عليه وسلم لمصارف معينة في قوله : ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين .

                                                                                                                                                                                                                                      وأصح الأقوال عن الشافعي : أن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس ، ودليله : ما ذكرنا آنفا .

                                                                                                                                                                                                                                      وعن عمرو بن شعيب أنه قال : لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ابن قدامة في " المغني " : ولعله يحتج بقوله تعالى :

                                                                                                                                                                                                                                      يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول [ ص: 80 ]

                                                                                                                                                                                                                                      وذهب الإمام أحمد في طائفة من أهل العلم : إلى أن للإمام أن ينفل الربع بعد الخمس في بدأته ، والثلث بعد الخمس في رجعته .

                                                                                                                                                                                                                                      ومذهب أبي حنيفة . أن للإمام قبل إحراز الغنيمة أن ينفل الربع ، أو الثلث ، أو أكثر ، أو أقل بعد الخمس ، وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز له التنفيل إلا من الخمس .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قدمنا جملة الخلاف في هذه المسألة في أول هذه السورة الكريمة ، ونحن الآن نذكر إن شاء الله ما يقتضي الدليل رجحانه .

                                                                                                                                                                                                                                      اعلم أولا : أن التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام :

                                                                                                                                                                                                                                      الأول : أن يقول الإمام لطائفة من الجيش : إن غنمتم من الكفار شيئا ، فلكم منه كذا بعد إخراج خمسه ، فهذا جائز ، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع ، وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث بعد إخراج الخمس .

                                                                                                                                                                                                                                      ومالك وأصحابه يقولون : إن هذا لا يجوز ; لأنه تسبب في إفساد نيات المجاهدين ; لأنهم يصيرون مقاتلين من أجل المال الذي وعدهم الإمام تنفيله .

                                                                                                                                                                                                                                      والدليل على جواز ذلك : ما رواه حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري : " أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع بعد الخمس في بدأته ، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته " ، أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وصححه ابن حبان ، والحاكم ، وابن الجارود .

                                                                                                                                                                                                                                      واعلم أن التحقيق في حبيب المذكور : أنه صحابي ، وقال فيه ابن حجر في " التقريب " : مختلف في صحبته ، والراجح ثبوتها لكنه كان صغيرا ، وله ذكر في " الصحيح " ، في حديث ابن عمر مع معاوية اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد روى عنه أبو داود هذا الحديث من ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                                                                                                                      منها : عن مكحول بن عبد الله الشامي ، قال : كنت عبدا بمصر لامرأة من بني هذيل ، فأعتقتني فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه ، فيما أرى ، ثم أتيت الحجاز ، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت الشام فغربلتها ، كل ذلك : أسأل عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء ، حتى لقيت شيخا يقال له : زياد بن [ ص: 81 ] جارية التميمي ، فقلت له : هل سمعت في النفل شيئا ؟ قال : نعم ، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة ، والثلث في الرجعة اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد علمت أن الصحيح أنه صحابي ، وقد صرح في هذه الرواية بأنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع إلى آخر الحديث .

                                                                                                                                                                                                                                      ومما يدل على ذلك أيضا : ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع ، وفي الرجعة الثلث " أخرجه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، وصححه ابن حبان .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي رواية عند الإمام أحمد : كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع ، وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ، ويقول : ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه النصوص تدل على ثبوت التنفيل من غير الخمس .

                                                                                                                                                                                                                                      ويدل لذلك أيضا : ما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، عن معن بن يزيد ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا نفل إلا بعد الخمس " ، قال الشوكاني : في " نيل الأوطار " : هذا الحديث صححه الطحاوي اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      والفرق بين البدأة والرجعة : أن المسلمين في البدأة : متوجهون إلى بلاد العدو ، والعدو في غفلة ، وأما في الرجعة : فالمسلمون راجعون إلى أوطانهم من أرض العدو ، والعدو في حذر ويقظة ، وبين الأمرين فرق ظاهر .

                                                                                                                                                                                                                                      والأحاديث المذكورة تدل على أن السرية من العسكر إذا خرجت ، فغنمت ، أن سائر الجيش شركاؤهم ، ولا خلاف في ذلك بين العلماء ، كما قاله القرطبي .

                                                                                                                                                                                                                                      الثاني : من الأقسام التي اقتضى الدليل جوازها : تنفيل بعض الجيش ، لشدة بأسه ، وعنائه ، وتحمله ما لم يتحمله غيره ، والدليل على ذلك ما ثبت في " صحيح مسلم " ، ورواه الإمام أحمد ، وأبو داود عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، في قصة إغارة عبد الرحمن الفزاري ، على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستنقاذه منه ، قال سلمة : فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير فرساننا اليوم ، أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة " ، قال : ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين : سهم الفارس ، وسهم الراجل فجمعهما لي [ ص: 82 ] جميعا ، الحديث . هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث طويل .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قدمنا أن هذه غزوة " ذي قرد " في سورة " النساء " ، ويدل لهذا أيضا : حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في أول السورة ، فإن فيه : أن سعدا رضي الله عنه قال : لعله يعطي هذا السيف لرجل لم يبل بلائي ، ثم أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه لحسن بلائه وقتله صاحب السيف كما تقدم .

                                                                                                                                                                                                                                      الثالث : من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها : أن يقول الإمام : " من قتل قتيلا فله سلبه " .

                                                                                                                                                                                                                                      ومن الأدلة على ذلك : ما رواه الشيخان في صحيحيهما ، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ، قال : فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين ، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب ، فقال : ما للناس ؟ فقلت : أمر الله ، ثم إن الناس رجعوا ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " ، قال : فقمت ، ثم قلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست ، ثم قال مثل ذلك ، قال : فقمت ، فقلت : من يشهد لي ؟ ، ثم جلست ، ثم قال ذلك الثالثة ، فقمت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لك يا أبا قتادة ؟ " فقصصت عليه القصة ، فقال رجل من القوم ، صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي ; فأرضه من حقه ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لا ها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله ، فيعطيك سلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق فأعطه إياه " ، فأعطاني ، قال : فبعت الدرع فابتعت بها مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام . والأحاديث بذلك كثيرة .

                                                                                                                                                                                                                                      وروى أبو داود ، وأحمد ، عن أنس : أن أبا طلحة يوم حنين قتل عشرين رجلا ، وأخذ أسلابهم ، وفي رواية عنه عند أحمد ، أحدا وعشرين ، وذكر أصحاب المغازي : أن أبا طلحة قال في قتله من ذكر : [ الرجز ]


                                                                                                                                                                                                                                      أنا أبو طلحة واسمي زيد


                                                                                                                                                                                                                                      وكل يوم في سلاحي صيد

                                                                                                                                                                                                                                      والحق أنه لا يشترط في ذلك أن يكون في مبارزة ، ولا أن يكون الكافر المقتول [ ص: 83 ] مقبلا .

                                                                                                                                                                                                                                      أما الدليل على عدم اشتراط المبارزة : فحديث أبي قتادة هذا المتفق عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلا إليه : فحديث سلمة بن الأكوع ، قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن ، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طلقا من حقوه فقيد به الجمل ، ثم تقدم يتغدى مع القوم ، وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة في الظهر ، وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله ، فأطلق قيده ثم أناخه ، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل ، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء ، قال سلمة : وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي ، فضربت به رأس الرجل فندر ، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس معه ، فقال : " من قتل الرجل ؟ " ، قالوا : ابن الأكوع ، قال : " له سلبه أجمع " ، متفق عليه ، واللفظ المذكور لمسلم في " كتاب الجهاد والسير " في باب : " استحقاق القاتل سلب القتيل " ، وأخرجه البخاري بمعناه " في كتاب الجهاد " في باب : " الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان " وهو صريح في عدم اشتراط المبارزة ، وعدم اشتراط قتله مقبلا لا مدبرا كما ترى .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا يستحق القاتل سلب المقتول ، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتالهم .

                                                                                                                                                                                                                                      فأما إن قتل امرأة ، أو صبيا ، أو شيخا فانيا ، أو ضعيفا مهينا ، أو مثخنا بالجراح لم تبق فيه منفعة ، فليس له سلبه .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا خلاف بين العلماء : في أن من قتل صبيا ، أو امرأة ، أو شيخا فانيا ، لا يستحق سلبهم ، إلا قولا ضعيفا جدا يروى عن أبي ثور ، وابن المنذر : في استحقاق سلب المرأة .

                                                                                                                                                                                                                                      والدليل على أن من قتل مثخنا بالجراح لا يستحق سلبه ، أن عبد الله بن مسعود ، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر ، وحز رأسه ، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح الذي أثبته ، ولم يعط ابن مسعود شيئا .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه ، فلا يعارض بما رواه الإمام [ ص: 84 ] أحمد ، وأبو داود عن ابن مسعود : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله سيف أبي جهل يوم بدر " ; لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة ، ولم يسمع منه ، وكذلك المقدم للقتل صبرا لا يستحق قاتله سلبه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر بقتل النضر بن الحارث العبدري ، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبرا يوم بدر ولم يعط من قتلهما شيئا من سلبهما .

                                                                                                                                                                                                                                      واختلفوا فيمن أسر أسيرا : هل يستحق سلبه إلحاقا للأسر بالقتل أو لا ؟ والظاهر أنه لا يستحقه ، لعدم الدليل ، فيجب استصحاب عموم واعلموا أنما غنمتم الآية ، حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة ، وقد أسر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، أسارى بدر ، وقتل بعضهم صبرا كما ذكرنا ، ولم يعط أحدا من الذين أسروهم شيئا من أسلابهم ، ولا من فدائهم بل جعل فداءهم غنيمة .

                                                                                                                                                                                                                                      أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي المسلمين : فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه ; لأنه حينئذ ممن يجوز قتله ، فيدخل في عموم " من قتل قتيلا " الحديث ، وبهذا جزم غير واحد ، والعلم عند الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                      واعلم أن العلماء اختلفوا في استحقاق القاتل السلب ، هل يشترط فيه قول الإمام : " من قتل قتيلا فله سلبه " أو يستحقه مطلقا ، قال الإمام ذلك أو لم يقله ؟

                                                                                                                                                                                                                                      وممن قال بهذا الأخير : الإمام أحمد ، والشافعي ، والأوزاعي ، والليث ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، والطبري ، وابن المنذر .

                                                                                                                                                                                                                                      وممن قال بالأول : الذي هو أنه لا يستحقه إلا بقول الإمام : " من قتل قتيلا " إلخ ، الإمام أبو حنيفة ، ومالك ، والثوري .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قدمنا عن مالك وأصحابه : أن قول الإمام ذلك : لا يجوز قبل القتال ، لئلا يؤدي إلى فساد النية ، ولكن بعد وقوع الواقع ، يقول الإمام : من قتل قتيلا . . . إلخ .

                                                                                                                                                                                                                                      واحتج من قال : باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقا بعموم الأدلة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن من قتل قتيلا فله سلبه ، ولم يخصص بشيء ، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، كما علم في الأصول .

                                                                                                                                                                                                                                      واحتج مالك ، وأبو حنيفة ، ومن وافقهما بأدلة :

                                                                                                                                                                                                                                      منها : قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن الأكوع ، المتفق عليه السابق ذكره ، له سلبه [ ص: 85 ] أجمع ، قالوا : فلو كان السلب مستحقا له بمجرد قتله لما احتاج إلى تكرير هذا القول .

                                                                                                                                                                                                                                      ومنها : حديث عبد الرحمن بن عوف ، المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر ، فإن فيه : " ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه ، فقال : " أيكما قتله ؟ ! " ، فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال : " هل مسحتما سيفيكما ؟ " قالا : لا ، فنظر في السيفين ، فقال : " كلاكما قتله " ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      قالوا : فتصريحه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، المتفق عليه ، بأن كليهما قتله ، ثم تخصيص أحدهما بسلبه ، دون الآخر ، صريح في أن القاتل لا يستحق السلب ، إلا بقول الإمام : إنه له ، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن عفراء وجه ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو ، ولجعله بينهما .

                                                                                                                                                                                                                                      ومنها : ما رواه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، عن عوف بن مالك قال : قتل رجل من حمير ، رجلا من العدو ، فأراد سلبه ، فمنعه خالد بن الوليد ، وكان واليا عليهم ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عوف بن مالك فأخبره . فقال لخالد : " ما منعك أن تعطيه سلبه ؟ " ، قال : استكثرته يا رسول الله ، قال : " ادفعه إليه " ، فمر خالد بعوف فجر بردائه ، ثم قال : هل أنجزت ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فاستغضب ، فقال : لا تعطه يا خالد ، لا تعطه يا خالد ، هل أنتم تاركون لي أمرائي ، إنما مثلكم ومثلهم ، كمثل رجل استرعى إبلا ، أو غنما فرعاها ، ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه ، فشربت صفوه ، وتركت كدره ، فصفوه لكم وكدره عليهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي رواية عند مسلم أيضا : عن عوف بن مالك الأشجعي ، قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة ، في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من اليمن ، وساق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، غير أنه قال في الحديث : قال عوف بن مالك : فقلت : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ، قال بلى ، ولكني استكثرته ، هذا لفظ مسلم في صحيحه .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي رواية عن عوف أيضا ، عند الإمام أحمد وأبي داود قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من أهل اليمن ، ومضينا فلقينا جموع الروم ، وفيهم رجل على فرس له ، أشقر ، عليه سرج مذهب ، وسلاح مذهب ، فجعل الرومي يفري في [ ص: 86 ] المسلمين ، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه ، فخر وعلاه فقتله . وحاز فرسه وسلاحه ، فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد ، فأخذ السلب ، قال عوف : فأتيته ، فقلت : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ، قال : بلى ، ولكن استكثرته ، قلت : لتردنه إليه ، أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يرد عليه ، قال عوف : فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقصصت عليه قصة المددي ، وما فعل خالد ، وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      فقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح : " لا تعطه يا خالد " دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل ، إذ لو استحقه به ، لما منعه منه النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                                      ومنها : ما ذكره ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن الأسود بن قيس ، عن بشر بن علقمة ، قال : بارزت رجلا يوم القادسية ، فقتلته ، وأخذت سلبه ، فأتيت سعدا ، فخطب سعد أصحابه ، ثم قال : هذا سلب بشر بن علقمة فهو خير من اثني عشر ألف درهم ، وإنا قد نفلناه إياه .

                                                                                                                                                                                                                                      فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ، لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم ، ولأخذه القاتل دون أمرهم ، قاله القرطبي .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده عفا الله عنه : أظهر القولين عندي دليلا ، أن القاتل لا يستحق السلب إلا بإعطاء الإمام ; لهذه الأدلة الصحيحة ، التي ذكرنا فإن قيل : هي شاهدة لقول إسحاق : إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل ، وإن كان كثيرا خمس .

                                                                                                                                                                                                                                      فالجواب : أن ظاهرها العموم مع أن سلب أبي جهل لم يكن فيه كثرة زائدة ، وقد منع منه النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية