الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( وبينهما حجاب ) أي وبين الفريقين حجاب يفصل كلا منهما عن الآخر ويمنعه من الاستطراق إليه . والحجاب من الحجب بمعنى المنع - كالكفاف من الكف والصوان من الصون - وهو حسي ومعنوي . والحسي منه ما يمنع الاستطراق دون الرؤية كالزجاج وما يمنع الرؤية وحدها كالستور ، وما يمنعهما جميعا كالأسوار والحيطان . ومن الحجب المعنوي منع الإرث حرمانا أو نقصانا ، وهو الحجاب بين الجنة والنار هو السور في قوله تعالى في سورة الحديد : ( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) ( 57 : 13 ) الآية . فإن الجنة في باطنه والنار من قبل ظاهره ، أي بالنسبة إلى ما يكون الناس عليه في موقف الحساب . روى البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله : ( فضرب بينهم بسور له باب ) قال : يعني بالسور حائطا بين أهل الجنة وأهل النار له باب باطنه - يعني باطن السور - فيه الرحمة مما يلي الجنة ، وظاهره من قبله العذاب يعني جهنم ، وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار . وروى هو ورواه التفسير المأثور قبله عن مجاهد في آية الحديد قال : إن المنافقين كانوا مع المؤمنين أحياء في الدنيا يناكحونهم ويعاشرونهم وكانوا معهم أمواتا ، ويعطون النور جميعا يوم القيامة فيطفأ نور المنافقين إذا بلغوا السور يماز بينهم يومئذ ، والسور كالحجاب في الأعراف فيقولون : ( انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) .

                          ( وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ) الأعراف بصيغة الجمع ضرب من النخل ، وجمع لكلمتي الأعرف والعرف ( بوزن قفل ) ويطلق على أعالي الأشياء وأوائلها وكل مرتفع من الأرض وغيرها ، ومنه عرف الديك وعرف الفرس وهو الشعر على أعلى الرقبة ، وعرف السحاب ، روي عن حذيفة رضي الله عنه قال : الأعراف سور بين الجنة والنار . وعن ابن عباس رضي الله عنه روايات : ( 1 ) الأعراف هو الشيء المشرف : ( 2 ) سور له عرف كعرف الديك : ( 3 ) تل بين الجنة والنار جلس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار . ( 4 ) السور الذي ذكر الله في القرآن بين الجنة والنار . والتحقيق أن الأعراف هو ذلك السور والحجاب بين الدارين وأهلهما ، أو أعاليه التي يكون عليها أولئك الرجال الذين يرون أهل الجنة وأهل النار جميعا قبل الدخول فيهما - فيما يظهر - فيعرفون كلا منهما بسيماهم التي وصفهم الله تعالى بها في مثل قوله [ ص: 384 ] : ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ) ( 80 : 38 - 41 ) وأما بعد الدخول فيها فالتمييز بين الفريقين من تحصيل الحاصل وذكره عبث ينزه عنه التنزيل ، إلا إذا أريد معرفة أشخاص معينين وهو لا يظهر هنا وإنما يظهر في قوله : ( ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ) ( 7 : 48 ) فهذه سيما خاصة لأنها لأفراد مخصوصين ، وتلك سيما عامة لأنها لفريقين أفرادهما غير محصورين .

                          وقد اختلف المفسرون فيهم على أقوال عدها القرطبي وغيره اثني عشر قولا . وهي على ثلاث مراتب : ( الأولى ) أنهم بعض أشراف الخلق الممتازين . ( والثانية ) أنهم الذين ليسوا من الأخيار الذين رجحت حسناتهم فاستحقوا الجنة ولا من الأشرار الذين رجحت سيئاتهم فاستحقوا النار ، بل تساوت حسناتهم وسيئاتهم . وفي بعض الأحاديث الضعيفة أنهم قوم خرجوا للجهاد في سبيل الله بدون إذن آبائهم واستشهدوا ، فمنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله ، ومن دخول الجنة معصية آبائهم - وهذا خاص يدخل في العام الذي قبله . ( والثالثة ) أنهم أصحاب صفة خاصة ليسوا من أهل الجنة ولا من أهل النار بل منزلة بينهما هي الأعراف ، وفي هؤلاء أقوال : ( 1 ) أهل الفترة : ( 2 ) مؤمنو الجن ، وروى ابن عساكر فيه حديثا مرفوعا عن أنس بن مالك من طريق الوليد بن موسى الدمشقي وهو منكر الحديث في أعدل الأقوال ، ورماه بعضهم بالوضع : ( 3 ) أولاد المشركين ، أي الكفار الذين ماتوا قبل سن التكليف : ( 4 ) أولاد الزنا : ( 5 ) أهل العجب بأنفسهم وهذان القولان لا وجه لهما البتة . ( 6 ) آخر من يفصل الله بينهم وهم عتقاؤه من النار ، وفيه حديث مرسل حسن الإسناد ، ويرى بعضهم أن هؤلاء هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ولكن ورد في الصحاح أن آخر من يدخل الجنة " أقوام كانوا قد امتحشوا في النار لم يعملوا خيرا قط ، فيخرجهم الله منها ويدخلهم الجنة فيقول فيهم أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه " وذلك بعد إخراج من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان من النار ، كما في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين .

                          وأما القائلون بالمرتبة الأولى فلهم أقوال : ( 1 ) أنهم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، رواه ابن جرير عن أبي مجلز قال الحافظ ابن كثير بعد إيراد الرواية عنه : وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين وهو غريب من قوله وخلاف الظاهر من السياق اهـ . وإنما عده غريبا عنه لمخالفته لقول الجمهور ولتسميته الملائكة رجالا وهم [ ص: 385 ] لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ، وأولوه بأنهم في صورة الرجال ، وقد اختار هذا القول أبو مسلم الأصفهاني .

                          ( 2 ) أنهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، يجعلهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزا لهم على الناس ، ولأنهم شهداؤه على الأمم ، ورجح هذا القول الرازي .

                          ( 3 ) أنهم عدول الأمم الشهداء على الناس من كل أمة حكاه الزهري ، فكما ثبت أن كل رسول يشهد على أمته وثبت أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على جملة من الأمم بعده - ثبت أيضا أن في الأمم شهداء غير الأنبياء عليهم السلام قال الله تعالى : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ( 4 : 41 ) وقال في خطاب هذه الأمة : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ( 2 : 143 ) وقال في صفة يوم القيامة : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) ( 39 : 69 ) إلخ . وهؤلاء الشهداء هم حجة الله على الناس في كل زمان بفضائلهم واستقامتهم على الحق ، والتزامهم للخير وأعمال البر ولولاهم لفقدت القدوة الصالحة .

                          ( 4 ) أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين رضي الله عنهم يجلسون على موضع من الصراط يعرفون ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها . وهذا القول ذكر الآلوسي أن الضحاك رواه عن ابن عباس ولم نره في شيء من كتب التفسير المأثور ، والظاهر أنه نقله عن تفاسير الشيعة ، وفيه أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم ، أي فيميزون بينهم أو يشهدون عليهم ، وأي فائدة في تمييز هؤلاء السادة على الصراط لمن كان يبغضهم من الأمويين ، ومن يبغضون عليا خاصة من المنافقين والنواصب وأين الأعراف من الصراط ؟ هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جدا .

                          ( 5 ) قول مجاهد : إنهم قوم صالحون فقهاء علماء . وهذا القول إنما تعقل حكمته إذا رد إلى القول الثالث ؛ ولذلك قال ابن كثير : إن فيه غرابة .

                          ورجح الجمهور - بكثرة الروايات أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، وفيه أن هؤلاء ليسوا من الرجال وحدهم ، والتعبير برجال يمنع أن يكون فيهم نساء والتغليب لا يظهر هنا ، كما يمنع أن يكونوا من الملائكة خلافا لأبي مجلز إذ لو أريد هذا أو ذاك لعبر عنه بلفظ يقبله كأن يقول : " عباد يعرفون كلا بسيماهم " وينافي كونهم من الملائكة أيضا آخر هذه الآية على القول بأن الضمير فيه لأصحاب الأعراف ، كما ينافي كونهم الأنبياء أو الشهداء وكذا الآية التي بعدها . فقد قال تعالى :

                          [ ص: 386 ] ( ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ) أي نادوهم بقولهم سلام عليكم قيل : إن هذا السلام يراد به الإخبار بالسلامة من العذاب والبشارة بالنجاة إن كان قبل دخول الجنة كما هو المتبادر من تمييزهم بين أهل الجنة وأهل النار بسيماهم فإن هذا التمييز بالسيما إنما يكون قبل دخول كل في داره ، وهو المروي عن أبي مجلز ، وحينئذ يترجح أن يكون أهل الأعراف الأنبياء أو الشهداء على الناس منهم ومن غيرهم ، وأما إن كان بعد دخولهم الجنة فهو تحية محضة داخلة في عموم قوله تعالى : ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) ( 56 : 25 ، 26 )

                          ولا يمنع هذا الوجه ولا ذاك أن يكونوا من الملائكة ، بل ورد التنزيل والحديث الصحيح بتسليم الملائكة على أهل الجنة : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) ( 13 : 23 ، 24 )

                          وقوله : ( لم يدخلوها وهم يطمعون ) فيه وجهان . أحدهما : أنه في أصحاب الأعراف وسيأتي ما روي فيه . والثاني : أنه في أهل الجنة . والجملة حالية على الوجهين ، أي نادوهم مسلمين عليهم حال كونهم لم يدخلوها معهم وهم طامعون في ذلك ، أو حال كون أهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها لما بدا لهم من يسر الحساب ، ولا سيما إذا كان ذلك بعد المرور على الصراط ، وقد ورد في الآثار أن الناس يكونون في الموقف بين الخوف والرجاء ، لا تطمئن قلوب أهل الجنة حتى يدخلوها ، ومن ذلك ما رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لو نادى مناد : يا أهل الموقف ادخلوا النار إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل ، ولو نادى : ادخلوا الجنة إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الرجل انتهى بالمعنى لا أذكر أي المكانين قدم . وهذا الوجه هو المتبادر من نظم الكلام .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية