الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 8 ) مذاهب الصوفية في الرؤية :

الصوفية فرقة من فرق المسلمين المختلفين في الأصول ، وهم لا يقلدون إماما واحدا في الفروع ، بل منهم المجتهدون ومنهم المقلدون لأهل المذاهب المشهورة ، ويكثر فيهم الشافعية ، كما أن أكثر المعتزلة والمرجئة من الحنفية ، وقد غفل من لم يعدهم من الفرق الثلاث والسبعين ، وإنما الكلام فيمن يسمون صوفية الحقائق ، وهم أقرب إلى الفلاسفة الروحيين الإشراقيين ، وإلى قدماء الشيعة منهم إلى أهل السنة والأثر ، وجمهورهم يجلون الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدين وعلماء السلف ، ولا سيما العباد منهم ، ومنهم المعتدلون وأهل الحديث كشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب ( منازل السائرين ) ومنهم الغلاة الذين مرق بعضهم من الإسلام بنزغات الباطنية وزيغهم ، وهم غلاة الرافضة من الإسماعيلية إلى البهائية وزعماؤهم من الفرس ، ومنهم البكتاشية وقد راجت دعوتهم في بلاد الترك والألبان ، ويقابلهم صوفية الأخلاق ، وأهل السنة منهم يقولون في الرؤية ما يقول سائر أهل السنة ، وكذا المعتدلون من أهل الحقائق ، فترى أبا حامد الغزالي من علمائهم قد فسر الرؤية بما ينطبق على مذهب الأشعري ، وشأن سائر مقلدتهم كشأن سائر المقلدين للمذاهب الأخرى .

وأما صوفية الحقائق المستقلون فجمهور أهل الوحدة منهم يدخلونها في مسائل الوحدة ، فغلاة وحدة الوجود ليس عندهم إلا وجود واحد له مظاهر ومجالي ، فهم يثبتون الرؤية بهذا الاعتبار وإلا فالرائي والمرئي واحد عندهم ، يعنون أن الرب عين العبد ، والعبد عين الرب ، فالله - تعالى - يرى نفسه بما يتجلى فيه من صور عبيده أو ما شاء من خلقه ، هذا تناقض وهذيان بديهي البطلان ، وحسبنا ما ننشره في المنار من إبطاله وتناقضه لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ، وأما أصحاب وحدة الشهود منهم فمذهبهم أن الرب تعالى يتجلى لعبده المؤمن في الدنيا تجليا غير كامل ، وفي الآخرة تجليا كاملا فيفنى العبد بهذا التجلي عن نفسه ، وعن كل ما سوى ربه فلا يرى غيره ، وهو يراه بكل روحه المدركة لا بعينيه فقط ، ومن كلام ابن الفارض فيه إذا ما بدت ليلى فكلي أعين ، فإن الرؤية بآلة الباصرة إنما تكون للأرواح المحبوسة في هياكل [ ص: 146 ] الأجساد المقيدة بسنن الله كما تقدم آنفا ، فهي كالمحبوس في سجن له نوافذ وكوى قليلة يرى منها بعض ما يحاذيها دون غيره مما وراء السجن ، وهم يثبتون تجليه تعالى في الصور المختلفة ، ولا يرون ذلك محالا يجب تأويله ؛ بل يبقون الأحاديث في ذلك على ظاهرها كجمهور السلف .

ولكل من هؤلاء وأولئك أقوال وشواهد مشتركة معها بعضهم ببعض فيعسر التزييل بينهم ، ومنها استشهادهم بالحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في صحيحه فانتقد عليه لعلة في سنده ، وذكره النووي في الأربعين ، ومحل الشاهد منه " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها " ومعناه الذي يتفق مع أسلوب اللغة وقواعد الشرع كنت متعلق سمعه وبصره وسائر جوارحه ؛ أي : فلا توجه إرادته هذه الجوارح إلا إلى ما يعلم أنه يرضي ربه ، ولا ينسى مراقبته في أعمالها ، وكل من القائلين بوحدة الوجود ووحدة الشهود يستدل به على مذهبه ، ومن شعرهم في ذلك :

أعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها

وللشيخ محي الدين بن عربي كلام في كل ما سبق ذكره من الآيات والأحاديث على طريقتهم في الوحدة في الباب الحادي والأربعمائة من الفتوحات المكية وهو :

كلمة لابن عربي في الرؤية :

" قال الله - عز وجل - : لا تدركه الأبصار ( 6 : 103 ) وقال - عز وجل - لموسى - عليه السلام - : لن تراني وكل مرئي لا يرى الرائي - إذا رآه - منه إلا قدر منزلته ورتبته فما رآه وما رأى إلا نفسه ، ولولا ذلك ما تفاضلت الرؤية في الرائين ، إذ لو كان هو المرئي ما اختلفوا ، لكن لما كان هو مجلى رؤيتهم أنفسهم ؛ لذلك وصفوه أنه يتجلى وأنه يرى ، ولكن شغل الرائي برؤيته نفسه في مجلى الحق حجبه عن رؤية الحق ، فلذلك لو لم تبد للرائي صورته أو صورة كون من الأكوان ربما كان يراه ، فما حجبنا عنه إلا أنفسنا ، فلو زلنا عنا ما رأيناه ؛ لأنه ما كان يبقى ثم بزوالنا من يراه ؟ وإن نحن لم نزل فما نرى إلا أنفسنا فيه وصورنا وقدرنا ومنزلتنا ، فعلى كل حال ما رأيناه ، وقد نتوسع فنقول : قد رأيناه ونصدق ، كما أنه لو قلنا ، رأينا الإنسان صدقنا في أن نقول رأينا من مضى من الناس ، ومن بقي ومن في زماننا من كونهم إنسانا لا من حيث شخصية كل إنسان ، ولما كان العالم أجمعه وآحاده على صورة حق ، ورأينا الحق فقد رأينا وصدقنا ، وإن نظرنا إلى عين التمييز في عين عين لم نصدق ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 147 ] في حديث الدجال ودعواه أنه إله ، فعهد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أحدنا لا يرى ربه حتى يموت ؛ لأن الغطاء لا ينكشف عن البصر إلا بالموت ، والبصر من العبد هوية الحق فعينك غطاء على بصر الحق ، فبصر الحق أدرك الحق ورآه لا أنت ، فإن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ( 6 : 103 ) ولا ألطف من هوية تكون عين بصر العبد ، وبصر العبد لا يدرك الله ، وليس في القوة أن يفصل بين البصرين ، والخبير علم الذوق فهو العليم خبرة أنه بصر العبد في بصر العبد ، وكذا هو الأمر في نفسه ، وإن كان حيا فقد استوى الميت والحي في كونه - الحق تعالى - بصرهما وما عندهما شيء ، فإن الله لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( 42 : 11 ) اهـ . وقد تكلم عن الآية في مواضع أخرى وعلى جميع الأحاديث الواردة في المسألة ، وكلامه متعارض بعضه بتأول بتكلف أو بدون تكلف .

كلمة في النور والحجب والتجلي في الصور :

قال المحقق ابن القيم في ( مدارج السالكين ، شرح منازل السائرين ) للهروي في الكلام على الدرجة الثانية من منزلة ( اللحظ ) ما نصه : " ونور الكشف عندهم هو مبدأ الشهود ، وهو نور تجلي معاني الأسماء الحسنى على القلب ، فتضيء به ظلمة القلب ، ويرتفع به حجاب الكشف ، ولا تلتفت إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها ، فإنك تجد في كلام بعضهم " تجلي الذات يقتضي كذا وكذا ، وتجلي الصفات يقتضي كذا وكذا ، وتجلي الأفعال يقتضي كذا وكذا " ، والقوم عنايتهم بالألفاظ ، فيتوهم المتوهم أنهم يريدون تجلي حقيقة الذات والصفات والأفعال للعيان ، فيقع من يقع منهم في الشطحات والطامات ، والصادقون العارفون براء من ذلك ، وإنما يشيرون إلى كمال المعرفة ، وارتفاع حجب الغفلة والشك والإعراض ، واستيلاء سلطان المعرفة على القلب بمحو شهود السوى بالكلية ، فلا يشهد القلب سوى معروفه ، وينظرون هذا بطلوع الشمس فإنها إذا طلعت انطمس نور الكواكب ، ولم تعدم الكواكب ، وإنما غطى عليها نور الشمس فلم يظهر لها وجود وهي موجودة في أماكنها ، وهكذا نرى المعرفة إذا استولى على القلب وقوى سلطانها وزالت الموانع والحجب عن القلب ، ولا ينكر هذا إلا من ليس من أهله ، لا يعتقد أن الذات المقدسة والأوصاف برزت وتجلت للعبد كما تجلى سبحانه للطور ، وكما يتجلى يوم القيامة للناس إلا غالط فاقد للعلم ، وكثيرا ما يقع الغلط من التجاوز من نور العبادات والرياضة والذكر إلى نور الذات والصفات ، فإن العبادة الصحيحة والرياضة الشرعية والذكر المتواطئ عليه القلب واللسان يوجب نورا على قدر قوته وضعفه ، وربما قوي ذلك النور حتى يشاهد بالعيان فيغلط فيه ضعيف العلم والتمييز بين خصائص الربوبية ومقتضيات العبودية فيظنه نور الذات ، وهيهات ثم هيهات نور الذات لا يقوم له شيء ، ولو كشف - سبحانه وتعالى - الحجاب عنه لتدكدك العالم كله كما تدكدك الجبل وساخ لما ظهر له القدر اليسير من التجلي .

[ ص: 148 ] " وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - " إن الله سبحانه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، ويخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " فالإسلام له نور ، والإيمان له نور أقوى منه ، والإحسان له نور أقوى منه ، فإذا اجتمع الإسلام والإيمان والإحسان وزالت الحجب الشاغلة عن الله امتلأ القلب والجوارح بذلك النور ، لا بالنور الذي هو صفة الرب - تعالى - فإن صفاته لا تحل في شيء من مخلوقاته ، كما أن مخلوقاته لا تحل فيه ، فالخالق بائن عن المخلوق بذاته وصفاته ، فلا اتحاد ولا حلول ولا ممازجة ، تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا " اهـ .

أقول : هذا التصوف المرافق للكتاب والسنة لا تصوف ابن عربي ، والفرق بين نفي كل منها للحلول ، أن هذا يقول : إن الخلق والخالق شيء واحد ، والشيء لا يحل في نفسه ، والآخر يقول : إن النسبة بينهما المباينة التامة ، وهذا التوحيد هو الحق الذي كان عليه السلف الصالح - رضي الله عنهم - .

وقال المحقق ابن القيم رحمه الله في فوائد الذكر من الكلم الطيب وهو : " إن الذكر نور للذاكر في الدنيا ، ونور له في قبره ، ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط في استنارة القلوب والقبور بمثل ذكر الله - تعالى - قال - تعالى - : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ( 6 : 122 ) فالأول هو المؤمن الذي استنار بالإيمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره ، والآخر هو الغافل عن الله - تعالى - المعرض عن ذكره ومحبته ، والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور ، والشقاء كل الشقاء في فواته ، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبالغ في سؤال ربه - تبارك وتعالى - حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه حتى يقول : " واجعلني نورا " فسأل ربه - تبارك وتعالى - أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة ، وأن يجعله محيطا به من جميع جهاته ، وأن يجعل ذاته وجملته نورا ، فدين الله - تعالى عز وجل - نور ، وكتابه نور ، ورسوله نور ، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ ، وهو - تبارك وتعالى - نور السماوات والأرض ، ومن أسمائه النور ، وأشرقت الظلمات لنور وجهه ، وفي دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الطائف : " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك ، أو ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول [ ص: 149 ] ولا قوة إلا بك " وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - " ليس عند ربكم ليل ولا نهار ، نور السماوات من وجهه " وفي بعض ألفاظ هذا الأثر : نور السماوات من نور وجهه ، ذكره عثمان الدارمي ، وقد قال - تعالى - : وأشرقت الأرض بنور ربها ( 39 : 69 ) فإذا جاء - تبارك وتعالى - يوم القيامة للفصل بين عباده وأشرقت بنوره الأرض ، وليس إشراقها لشمس ولا قمر فإن الشمس تكور ، والقمر يخسف ويذهب نورهما ، وحجابه - تبارك وتعالى - النور . قال أبو موسى " قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس كلمات ، فقال : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، ويخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ثم قرأ : أن بورك من في النار ومن حولها ( 27 : 8 ) فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه ، ولولاه لأحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره ، ولهذا لما تجلى - تبارك وتعالى - للجبل ، وكشف من الحجاب شيئا يسيرا ساخ الجبل في الأرض وتدكدك ، ولم يقم لربه - تبارك وتعالى - ، وهذا معنى قول ابن عباس في قوله - سبحانه وتعالى - لا تدركه الأبصار قال : ذلك الله - عز وجل - إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء ، وهذا من بديع فهمه - رضي الله عنه - ودقيق فطنته ، كيف وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه الله التأويل ، فالرب - تبارك وتعالى - يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا ، ولكن يستحيل إدراك الأبصار له ، وإن رأته فالإدراك أمر وراء الرؤية ، وهذه الشمس - ولله المثل الأعلى - نراها وندركها كما هي عليه ولا قريبا من ذلك . ولذلك قال ابن عباس لمن سأله عن الرؤية وأورد عليه لا تدركه الأبصار فقال ألست ترى السماء ؟ قال : بلى . قال : أفتدركها ؟ قال : لا . قال : فالله - تعالى - أعظم وأجل " ا هـ .

قد أشار هذا العالم المحقق بهذه الجملة الوجيزة من كلامه الطويل في موضوعها إلى جملة [ ص: 150 ] ما ورد في " النور " من نصوص الكتاب والسنة فقد سمى الله - تعالى - نفسه نورا ، وورد النور في أسماءه الحسنى المأثورة ، وأسند النور إلى اسم الذات في قوله : الله نور السماوات والأرض ( 24 : 35 ) وأسنده رسوله إلى وجهه تعالى بقوله : " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات " ومثله في آثار أخرى والجمهور يفسرون الوجه بالذات ، وهذا نوع من استعمال النور غير إضافته إليه تعالى في قوله : وأشرقت الأرض بنور ربها ( 39 : 69 ) وقوله يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ( 61 : 8 ) على أن نوره في الأخيرة كتابه ووحيه وكلامه الذي هو من صفاته ، والمراد به في الأظهر ما فيه آيات الهداية ، فهو كقوله : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ( 5 : 44 ) ومثله إطلاق اسم النور على النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ( 5 : 16 ) على وجه ، وورد مثل هذا في كتب العهد الجديد عند النصارى مرويا عن المسيح - عليه السلام - كقول يوحنا في رسالته الأولى " ( 1 : 5 ) وهذه هي البشرى التي سمعناها منه ونبشركم بها : أن الله نور وليس فيه ظلمة ألبتة " وأطلق النور على المسيح نفسه في موضع من إنجيلي لوقا ويوحنا .

ومن المعلوم أن النور حسي ومعنوي ، فالأول يرى بالبصر ويرى به البصر سائر المبصرات ، والثاني يدرك بالبصيرة وتدرك به البصيرة الحق والخير والصلاح ، كذلك نور الآخرة قسمان : حسي ومعنوي ، وأما نور الله - تعالى - الذي هو صفة من صفاته قد أضيف إلى وجهه وأسند إلى ذاته فهو فوق هذا وذاك لا يعرف كنهه سواه - عز وجل - ، وهو غير النور الذي هو حجابه المانع من رؤية ذاته وإدراك كنهه ، ولا يكبرن عليك أيها الإنسان المعجب بنفسك هذا العجز عن إدراك نور الله - عز وجل - ، فإن هذا النور الحسي الذي تراه بعينك لا تدرك حقيقته ، ولم يدركها أحد من أبناء جنسك إلى الآن ، ولم يستطع أحد أن يضع له تعريفا يحدد هذه الحقيقة ، ولم يكن المتقدمون يعرفون منه إلا ما يرونه من نار الأرض ونيرات السماء ، ثم عرف المتأخرون هذه الكهرباء والراديو ، فدخل بذلك العلم والعمل في طور جديد إذا قيل : إنه فوق طور العقل والفلسفة والعلم التي انتهى إليها البشر قبله لم يكن هذا القول مبالغة ، وقد كانت الصوفية تقول : إن وراء مدرك عقول البشر علوما صحيحة منطبقة على حقائق خارجية لا محض نظريات فكرية فيقول مدعو الفلسفة والمنطق : إن هذه خرافات خيالية ، قال ابن الفارض :


فثم وراء العقل علم يدق عن     مدارك غايات العلوم الصحيحة

فأي عقل كان يتصور أنه يمكن لشخص واحد أن يوقد ما لا يحصى من المصابيح في دار أو مدينة كبيرة في طرفة عين ، وأن يطفئها في طرفة عين ؟ وأن هذه المصابيح توقد بلا زيت ولا نار ، وإنما تشعل بتحريك هنة صغيرة بعيدة عنها ولكنها متصلة . . بها بسلك دقيق .

[ ص: 151 ] وأي عقل كان يتصور أن البشر يتخاطبون ويسمع بعضهم كلام بعض على بعد ألوف من الأميال ؟ وهذا بعض خواص هذه الكهرباء .

نعم إن علماء المسلمين قرروا أن أمثال هذه الأمور من الممكنات لا المستحيلات ، فورد نظائرها في أخبار الآخرة لا يقتضي أن في الدين شيئا يرده العقل الصحيح بالبرهان ، ولكن جماهير الكفار بالرسل لم تستطع عقولهم تصورها ، ولا التصديق بها - بل نرى ضعفاء العقل والعلم من المسلمين أنفسهم يظنون فيما نقلناه آنفا من كتاب الوابل الصيب أنه من المشكلات التي لا تتفق معهما إلا بضرب من التأويل - لأجل هذا علقنا عليه الحاشية الوجيزة المثبتة معه هنا عند طبع الكتاب في ( مجموعة الحديث النجدية ) ليعلموا أن منتهى ما وصل إليه علماء الكون يؤيد مذهب السلف فيها وفي أمثالها ، ويبطل قاعدة المتأولة في جعل نظريات أفكارهم ومألوفات عقولهم وقضايا معلوماتهم الكلامية القليلة أصلا ترجع إليه نصوص الكتاب والسنة ولو بالتأويل ، وقد علمنا أن بعض الذين اطلعوا على هذه الحاشية في مجموع الحديث لم يفهموها فاضطربوا فيها ولهم العذر ، فإنها على غرابة موضوعها وجيزة لم توضح المقام لأمثالهم كما كان يجب ، ولكن لها فيما سبق من المسائل والمباحث في رؤية الرب - تعالى - نظائر تغني من استحضرها عن الإيضاح ، ولا بأس مع ذلك من زيادة فيه ، وإنه لم تخل من تكرار لبعض القضايا .

تقدم أن البشر لم يصلوا إلى الإحاطة بكنه شيء من حقائق هذه المخلوقات ، وإنما يعرفون منها ظواهرها وبعض خواصها ، وسنن الخالق فيها فهم أولى بالعجز عن إدراك حقيقة الخالق وصفاته وأفعاله ، وإنما عرفوه سبحانه وعرفوا صفاته وأفعاله بآياته الكونية في خلقه وآياته الكلامية المنزلة على رسله ، ففي كل شيء له آيات تدل على وحدانيته وعلمه ومشيئته وقدرته وحكمته ورحمته ، فهو تعالى ظاهر في كل شيء بدلالته عليه ، وباطن في كل شيء بحجب عبده به عنه .

إن اشتغال العبد بشئون الخلق يحجبه عن معرفة ربه وعن مراقبته وعن عبادته وعن شكره إذا هو اشتغل بها لذاتها ، وما له من اللذة والمنفعة العاجلة فيها ، كما أنها تكون آيات ودلائل لمعرفته ووسائل لمراقبته وبواعث لعبادته وذكره وشكره إذا هو نظر بهذه النية ، وإن تجليه سبحانه للأبرار في الآخرة يكون بقدر هذا ، كما أن حجب الفجار عنه يكون بقدر مقابلة الذي ذكر قبله جزاءا وفاقا فسعة العلم بالكون وسننه ونظامه ومنافعه قد تكون من أسباب سعة المعرفة بالله والكمال الذي يقرب منه ، وقد تكون من أسباب الجهل بالله والبعد عنه ، ولو كان هؤلاء العلماء الذين عرفوا في هذا العصر أضعاف ما نقل عن الأولين من أسرار هذا العالم [ ص: 152 ] قد نظروا فيه بنور الله واهتدوا في مباحثهم بهداية وحيه لوصلوا إلى درجة عالية من الكمال على أن ارتقاءهم في الأسباب ونجاحهم المتصل في كشف أسرار العالم لا بد أن ينتهيا بهم إلى المعرفة الصحيحة والعبودية الكاملة التي بينها الرب سبحانه في آخر كتبه للبشر على لسان خاتم رسله لهم ، كما أرشد إليه في قوله : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ( 41 : 53 ، 54 ) .

ذلك بأنهم سيجدون في حقائق العلوم التي يهتدون إليها باتصال أبحاثهم وتتابعها مصداقا لهذا الكتاب فيما أخبر عنه من عالم الغيب ولقاء الله - تعالى - ، وكل من كفر به المقيدون بنظريات عقولهم القاصرة وعلومهم الناقصة ، كالأرواح ، والملائكة والجن وتمثلهم في الصور المختلفة ، وتجلي الرب سبحانه لعباده بقدر استعداد أنفسهم ، وارتقاء أرواحهم من وراء الحجب التي كانت تحجبهم عنه ، وأن فيما وصلوا إليه من العلم اليوم ما يقرب ذلك من المدارك ، وقد بينا بعض الأمثلة في هذه المباحث وغيرها ، وإن من أعظم ما يشغل هؤلاء الباحثين في هذا العلم مسألة بدء الخلق كيف كان ، ومن أي شيء كان ؟ وقد سبق لهم أن جزموا بأن هذه الأجرام السابحة في ملكوت الله من السماوات والأرض قد كانت مادة واحدة سديمية تشبه الدخان فانفتقت ، وانفصل بعضها من بعض فكانت أجراما متعددة - وقد جاءهم محمد النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - بما هو صريح في ذلك قبل علمهم به بقرون وأجيال كثيرة كما بيناه في موضعه ثم اهتدوا في هذا الجبل إلى أن أصل تلك المادة التي انفتق رتقها بما ذكر المؤلفة من عشرات العناصر - قد كان مصدرها هذه الكهرباء التي دخلت بها علوم البشر وأعمالهم في طور غريب عجيب ، ولا تزال عجائبها كل يوم في ازدياد .

والمسألة التي أشرنا إليها في الحاشية التي علقناها على عبارة ابن القيم في النور هي ما ذكره أخيرا من أن للكهربائية دقائق - أو ذوات أو ذريرات أو جواهر فردة - مستقلة بنفسها سموها ( الإلكترونات ) ورجحوا أنها هي قوام كل جواهر المادة التي يتألف منها بناء العالم العلوي والسفلي ، وأن اهتزاز هذه الذرات أو الجواهر الفردة هو سبب طيف النور ، وأن له اهتزازات مختلفة ، وأنها هي منشأ تغير العناصر الطبيعية والكيمائية ، وقد بينا من قبل أن هؤلاء العلماء قرروا القول من قبل بأن حركة المادة هي سبب جميع التغيرات والتطورات في هذا العالم ، إذ هي منشأ النور والحرارة التي قلنا إنها تحول الجوامد إلى مائعات والمائعات إلى غازات ، فالظاهر من كل ما تقدم أن الكهرباء هي الأصل لكل الكائنات التي تقدر مساحتها بحسب بعض النظريات العلمية بمائة وخمسين مليون سنة من سني النور ، وهو يقطع في الثانية 186330 ميلا في أقرب تقدير وأحدثه ، وفي الدقيقة 7179800 وفي الساعة [ ص: 153 ] 430788000 أي : أربعمائة وثلاثين مليون ميل وسبعمائة وثمانية وثمانين ألف ميل فكم يقطع في اليوم ، ثم كم يكون في السنة ؟ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( 17 ، 58 ) .

إن ما ظهر من أسرار القوة الكهربائية إلى الآن يقرب من العقل أن تكون إرادة الله - تعالى - وحكمته كما قالوا : منشأ التكوين والتطور في عالم الإمكان بسرعة حركتها وكونها مصدر النور ، فارتباط أجزاء العالم بها ، وانتظامه بسنن الله - تعالى - فيها معقول ، وأما تولد العناصر منها وتجمعها وصيرورتها سديما كالدخان أو الغمام أو بخار الماء فهو طور ثان متأخر عن تولد بعض عناصر المادة من بعض وارتقاء ذلك في سلسلة الأسباب المتقدمة إلى جواهر الكهربائية الفردة فإذا فرضنا أن الكهرباء أول ما خلق الله - تعالى - من المادة فإنها تكون آخر حجاب مادي مما حال بين الماديين وبين معرفته تعالى في الدنيا ويحول بينهم وبين رؤيته في الآخرة ، فإذا انكشف هذا الحجاب ، وانتهى بالإيمان في الدنيا فإنه ينتهي بالرؤية في الآخرة التي هي أكمل المعرفة .

ولكن الحجب كثيرة كما تقدم ، وكون الكهرباء أول ما خلق الله - تعالى - من المادة لم يبلغ درجة العلم القطعي الآن ، فهي باعترافهم مركبة ، ومنقسمة إلى موجبة وسالبة ، وآثارها من إثارة الحركة وتوليد النور وغير ذلك إنما تكون باقتران الزوجين الموجب والسالب ، فيجوز أن يكون ذلك بأمر الله - تعالى - ابتداء كما يجوز أن يكون بسبب مادي آخر ، أو بسبب روحي سابق عليها في الخلق ورؤيته كفاحا بدون حجاب ألبتة - فهذا ما أشرت إليه في تلك الحاشية من التقريب بين ما ورد من التجلي الإلهي في الحجب ، ومن وراء الحجب ، ولكن كان من السهو جعلنا إياها على إجمالها وإبهامها في مجموعة الحديث النجدية ، وأكثر قرائها لا إلمام لهم بشيء من هذه العلوم والاصطلاحات التي يستغنون عنها في هذا المقام بقوة إيمانهم واعتصامهم فيه بهدي السلف ، وتكرر التنبيه فيهما على أننا إنما نذكر أمثال هذه المسائل في المنار وفي تفسيره لتقريب معاني النصوص من عقول المطلعين على هذه العلوم من أبناء هذا العصر المفتونين بها ، فإذا رأى هؤلاء أن أبعد ما ورد في الكتاب والسنة عن مألوف البشر من أخبار عالم الغيب يتفق مع أحدث ما قرره العلم المبني على التجارب والبحث العملي ، فالمرجو أن يكون أجذب لهم إلى الإيمان ، وهذا يكثر يوما بعد يوم ، ومنه ما صار حقائق واقعة ، ومنه ما قرب منها حتى وردت الأنباء في هذه الأيام بالاهتداء إلى ضرب من العلاج بالكهربائية يعيد إلى الشيوخ قوة الشباب ونضارته ، وذلك بقرب كون أهل الجنة شباب لا يهرمون ، وسنقرب مسألة الرؤية بأوضح مثال في بحث الكلام الإلهي ، وقد صرحنا مرارا بأن كل ما نورده من تقريب وتأليف بين العلم والدين ، ومن تفسير أو تأويل لرد شبهات الزائغين ، فإننا لا نخرج به عن قاعدتنا في المعتقد المعتمد عندنا في جميع أمور الدين من العقائد والعبادات والفضائل ، وهو ما كان عليه أهل الصدر الأول من سلفنا الصالح .

[ ص: 154 ] وقد سبق لنا بحث مثل بحثنا هذا على قاعدتنا هذه في تفسير قوله - تعالى - : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ( 2 : 210 ) من جزء التفسير الثاني ، بعضه لنا وبعضه للأستاذ الإمام فيراجع في - ص 209 - 213 ج2 ط الهيئة -

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث