الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 377 ] وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ، قالوا : الخطاب عام لجميع من كان يظهر الإيمان من صادق ومنافق ، والذي نزله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى في سورة الأنعام التي نزلت قبل هذه السورة ; لأنها مكية وهذه السورة مدنية وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ( 6 : 68 ) ، نزلت هذه في مشركي مكة إذ كانوا يخوضون في الكفر وذم الإسلام والاستهزاء بالقرآن ، وكان بعض المسلمين يجلسون معهم في هذه الحال ولا يستطيعون الإنكار عليهم لضعفهم وقوة المشركين ، فأمروا بالإعراض عنهم ، وعدم الجلوس إليهم في هذه الحال ، ثم إن يهود المدينة كانوا يفعلون فعلي مشركي مكة ، وكان المنافقون يجلسون معهم ويستمعون لهم ، فنهى الله المؤمنين على الإطلاق عن ذلك ومجموع الآيتين يدل على أن بعض ما كان يخاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - يراد به أمته ، ومعنى سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ، سمعتم الكلام الذي موضوعه جعل الآيات في موضع السخرية والاستهزاء ، الذي يراد به التحقير والتنفير ، بمجرد السفه وقول الزور .

                          ويدخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع ، كما روي عن ابن عباس . قال في فتح البيان في مقاصد القرآن : وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية ، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة ، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا : كذا وقال فلان من أتباعه بكذا ، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية أو بحديث نبوي سخروا منه ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا أو يلقوا له بالا وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع ، وخطب شنيع ، وخالف مذهب إمامه الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع ، بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه الفائل ، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل مقدما على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم براء من فعلهم ; فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم ، كما أوضح الشوكاني ذلك في " القول المفيد " و " أدب الطلب " اهـ ، ويا ليت هؤلاء الذين جعلوا كلام شيوخهم أصلا للدين ، والكتاب والسنة فرعين أو مهملين ، يتبعون الأئمة الذين يدعون الانتساب إليهم وهم لا يعرفون هديهم ، ولا يتبعونهم ، وإنما يتبع كل أهل عصر شيوخهم على جهلهم .

                          إنكم إذا مثلهم ، هذا تعليل للنهي ، أي إنكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم وشركاء لهم في كفرهم ; لأنكم أقررتموهم عليه ورضيتموه لهم ، ولا يجتمع الإيمان بالشيء وإقرار الكفر والاستهزاء به ، ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر ، ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر ، وهذا منصوص عليه أيضا ، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه [ ص: 378 ] بين من ينكرونه حتما ، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان ، ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والإيمان ، أو بين الطاعة والعصيان ، فإن كثيرا من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات ويستهزئون بالدين ، ويقرهم على ذلك ويسكت لهم من لم يصل إلى درجة كفرهم لضعف الإيمان والعياذ بالله تعالى .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية