الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          ( وأما ) هل القراءات التي يقرأ بها اليوم في الأمصار جميع الأحرف السبعة أم بعضها ، فإن هذه المسألة تبتنى على الفصل المتقدم ، فإن من عنده أنه لا يجوز للأمة ترك شيء من الأحرف السبعة يدعي أنها مستمرة النقل بالتواتر إلى اليوم ، وإلا تكون الأمة جميعها عصاة مخطئين في ترك ما تركوا منه ، كيف وهم معصومون من ذلك ؟ ! وأنت ترى ما في هذا القول ، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الأعصار الأول ، قل من كثر ونزر من بحر ، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين ، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمما لا تحصى ، وطوائف لا تستقصى ، والذين أخذوا عنهم أيضا أكثر وهلم جرا ، فلما كانت المائة الثالثة واتسع الخرق وقل الضبط وكان علم الكتاب والسنة أوفر ما كان من ذلك العصر تصدى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات فكان أول إمام معتبر جمع [ ص: 34 ] القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام ، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة ، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين ، وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي نزيل أنطاكية جمع كتابا في قراءات الخمسة من كل مصر واحد ، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائتين ، وكان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون ألف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما ، منهم هؤلاء السبعة توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري جمع كتابا حافلا سماه الجامع فيه نيف وعشرون قراءة ، توفي سنة عشر وثلاثمائة ، وكان بعيده أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني جمع كتابا في القراءات وأدخل معهم أبا جعفر أحد العشرة ، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ، وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط . وروى فيه عن هذا الداجوني وعن ابن جرير أيضا ، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة . وقام الناس في زمانه وبعده فألفوا في القراءات أنواع التواليف ، كأبي بكر أحمد بن نصر الشذائي ، توفي سنة سبعين وثلاثمائة ، وأبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران مؤلف كتاب الشامل والغاية وغير ذلك في قراءات العشرة ، وتوفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، والإمام الأستاذ أبي الفضل محمد بن جعفر الخزاعي مؤلف المنتهى جمع فيه ما لم يجمعه من قبله ، وتوفي سنة ثمان وأربعمائة .

                                                          وانتدب الناس لتأليف الكتب في القراءات بحسب ما وصل إليهم وصح لديهم ، كل ذلك ولم يكن بالأندلس ولا ببلاد الغرب شيء من هذه القراءات إلى أواخر المائة الرابعة ، فرحل منهم من روى القراءات بمصر ودخل بها ، وكان أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي مؤلف الروضة أول من أدخل القراءات إلى الأندلس ، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة ، ثم تبعه أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي مؤلف التبصرة والكشف وغير ذلك وتوفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة ، ثم الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني مؤلف التيسير وجامع البيان [ ص: 35 ] وغير ذلك توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة ، وهذا كتاب جامع البيان له في قراءات السبعة فيه عنهم أكثر من خمسمائة رواية وطريق ، وكان بدمشق الأستاذ أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي مؤلف الوجيز والإيجاز والإيضاح والاتضاح ، وجامع المشهور والشاذ ومن لم يلحقه أحد في هذا الشأن ، وتوفي سنة ست وأربعين وأربعمائة .

                                                          وفي هذه الحدود رحل من المغرب أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهذلي إلى المشرق وطاف البلاد ، وروى عن أئمة القراءة حتى انتهى إلى ما وراء النهر وقرأ بغزنة وغيرها وألف كتابه الكامل جمع فيه خمسين قراءة عن الأئمة وألفا وأربعمائة وتسعة وخمسين رواية وطريقا ، قال فيه : فجملة من لقيت في هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخا من آخر المغرب إلى باب فرغانة يمينا وشمالا وجبلا وبحرا ، وتوفي سنة خمس وستين وأربعمائة .

                                                          وفي هذا العصر كان أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري بمكة مؤلف كتاب التلخيص في القراءات الثمان وسوق العروس فيه ألف وخمسمائة وخمسون رواية وطريقا ، وتوفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، وهذان الرجلان أكثر من علمنا جميعا في القراءات ، لا نعلم أحدا بعدهما جمع أكثر منهما إلا أبا القاسم عيسى بن عبد العزيز الإسكندري ، فإنه ألف كتابا سماه الجامع الأكبر والبحر الأزخر يحتوي على سبعة آلاف رواية وطريق ، وتوفي سنة تسع وعشرين وستمائة ، ولا زال الناس يؤلفون في كثير القراءات وقليلها ويروون شاذها وصحيحها بحسب ما وصل إليهم ، أو صح لديهم ولا ينكر أحد عليهم ، بل هم في ذلك متبعون سبيل السلف حيث قالوا : القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول ، وما علمنا أحدا أنكر شيئا قرأ به الآخر إلا ما قدمنا عن ابن شنبوذ ، لكنه خرج عن المصحف العثماني ، وللناس في ذلك خلاف كما قدمناه وكذا ما أنكر على ابن مقسم من كونه أجاز القراءة بما وافق المصحف من غير أثر كما قدمنا . أما من قرأ بالكامل للهذلي ، أو سوق العروس للطبري ، أو إقناع الأهوازي ، أو كفاية أبي العز ، أو مبهج سبط الخياط ، أو روضة المالكي ، ونحو [ ص: 36 ] ذلك على ما فيه من ضعيف وشاذ عن السبعة والعشرة وغيرهم فلا نعلم أحدا أنكر ذلك ، ولا زعم أنه مخالف لشيء من الأحرف السبعة ، بل ما زالت علماء الأمة وقضاة المسلمين يكتبون خطوطهم ويثبتون شهادتهم في إجازاتنا بمثل هذه الكتب والقراءات .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية