الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر قال فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا له هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم فقال عبد الله بن رواحة يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها فقالوا بهذا قامت السموات والأرض قال مالك إذا ساقى الرجل النخل وفيها البياض فما ازدرع الرجل الداخل في البياض فهو له قال وإن اشترط صاحب الأرض أنه يزرع في البياض لنفسه فذلك لا يصلح لأن الرجل الداخل في المال يسقي لرب الأرض فذلك زيادة ازدادها عليه قال وإن اشترط الزرع بينهما فلا بأس بذلك إذا كانت المئونة كلها على الداخل في المال البذر والسقي والعلاج كله فإن اشترط الداخل في المال على رب المال أن البذر عليك كان ذلك غير جائز لأنه قد اشترط على رب المال زيادة ازدادها عليه وإنما تكون المساقاة على أن على الداخل في المال المئونة كلها والنفقة ولا يكون على رب المال منها شيء فهذا وجه المساقاة المعروف قال مالك في العين تكون بين الرجلين فينقطع ماؤها فيريد أحدهما أن يعمل في العين ويقول الآخر لا أجد ما أعمل به إنه يقال للذي يريد أن يعمل في العين اعمل وأنفق ويكون لك الماء كله تسقي به حتى يأتي صاحبك بنصف ما أنفقت فإذا جاء بنصف ما أنفقت أخذ حصته من الماء وإنما أعطي الأول الماء كله لأنه أنفق ولو لم يدرك شيئا بعمله لم يعلق الآخر من النفقة شيء قال مالك وإذا كانت النفقة كلها والمئونة على رب الحائط ولم يكن على الداخل في المال شيء إلا أنه يعمل بيده إنما هو أجير ببعض الثمر فإن ذلك لا يصلح لأنه لا يدري كم إجارته إذا لم يسم له شيئا يعرفه ويعمل عليه لا يدري أيقل ذلك أم يكثر قال مالك وكل مقارض أو مساق فلا ينبغي له أن يستثني من المال ولا من النخل شيئا دون صاحبه وذلك أنه يصير له أجيرا بذلك يقول أساقيك على أن تعمل لي في كذا وكذا نخلة تسقيها وتأبرها وأقارضك في كذا وكذا من المال على أن تعمل لي بعشرة دنانير ليست مما أقارضك عليه فإن ذلك لا ينبغي ولا يصلح وذلك الأمر عندنا قال مالك والسنة في المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطها على المساقى شد الحظار وخم العين وسرو الشرب وإبار النخل وقطع الجريد وجذ الثمر هذا وأشباهه على أن للمساقى شطر الثمر أو أقل من ذلك أو أكثر إذا تراضيا عليه غير أن صاحب الأصل لا يشترط ابتداء عمل جديد يحدثه العامل فيها من بئر يحتفرها أو عين يرفع رأسها أو غراس يغرسه فيها يأتي بأصل ذلك من عنده أو ضفيرة يبنيها تعظم فيها نفقته وإنما ذلك بمنزلة أن يقول رب الحائط لرجل من الناس ابن لي هاهنا بيتا أو احفر لي بئرا أو أجر لي عينا أو اعمل لي عملا بنصف ثمر حائطي هذا قبل أن يطيب ثمر الحائط ويحل بيعه فهذا بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها قال مالك فأما إذا طاب الثمر وبدا صلاحه وحل بيعه ثم قال رجل لرجل اعمل لي بعض هذه الأعمال لعمل يسميه له بنصف ثمر حائطي هذا فلا بأس بذلك إنما استأجره بشيء معروف معلوم قد رآه ورضيه فأما المساقاة فإنه إن لم يكن للحائط ثمر أو قل ثمره أو فسد فليس له إلا ذلك وأن الأجير لا يستأجر إلا بشيء مسمى لا تجوز الإجارة إلا بذلك وإنما الإجارة بيع من البيوع إنما يشتري منه عمله ولا يصلح ذلك إذا دخله الغرر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر قال مالك السنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو فرسك أو ما أشبه ذلك من الأصول جائز لا بأس به على أن لرب المال نصف الثمر من ذلك أو ثلثه أو ربعه أو أكثر من ذلك أو أقل قال مالك والمساقاة أيضا تجوز في الزرع إذا خرج واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه فالمساقاة في ذلك أيضا جائزة قال مالك لا تصلح المساقاة في شيء من الأصول مما تحل فيه المساقاة إذا كان فيه ثمر قد طاب وبدا صلاحه وحل بيعه وإنما ينبغي أن يساقى من العام المقبل وإنما مساقاة ما حل بيعه من الثمار إجارة لأنه إنما ساقى صاحب الأصل ثمرا قد بدا صلاحه على أن يكفيه إياه ويجذه له بمنزلة الدنانير والدراهم يعطيه إياها وليس ذلك بالمساقاة إنما المساقاة ما بين أن يجذ النخل إلى أن يطيب الثمر ويحل بيعه قال مالك ومن ساقى ثمرا في أصل قبل أن يبدو صلاحه ويحل بيعه فتلك المساقاة بعينها جائزة قال مالك ولا ينبغي أن تساقى الأرض البيضاء وذلك أنه يحل لصاحبها كراؤها بالدنانير والدراهم وما أشبه ذلك من الأثمان المعلومة قال فأما الرجل الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث أو الربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغرر لأن الزرع يقل مرة ويكثر مرة وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما يصلح له أن يكري أرضه به وأخذ أمرا غررا لا يدري أيتم أم لا فهذا مكروه وإنما ذلك مثل رجل استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم ثم قال الذي استأجر الأجير هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارة لك فهذا لا يحل ولا ينبغي قال مالك ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته إلا بشيء معلوم لا يزول إلى غيره قال مالك وإنما فرق بين المساقاة في النخل والأرض البيضاء أن صاحب النخل لا يقدر على أن يبيع ثمرها حتى يبدو صلاحه وصاحب الأرض يكريها وهي أرض بيضاء لا شيء فيها قال مالك والأمر عندنا في النخل أيضا إنها تساقي السنين الثلاث والأربع وأقل من ذلك وأكثر قال وذلك الذي سمعت وكل شيء مثل ذلك من الأصول بمنزلة النخل يجوز فيه لمن ساقى من السنين مثل ما يجوز في النخل قال مالك في المساقي إنه لا يأخذ من صاحبه الذي ساقاه شيئا من ذهب ولا ورق يزداده ولا طعام ولا شيئا من الأشياء لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يأخذ المساقى من رب الحائط شيئا يزيده إياه من ذهب ولا ورق ولا طعام ولا شيء من الأشياء والزيادة فيما بينهما لا تصلح قال مالك والمقارض أيضا بهذه المنزلة لا يصلح إذا دخلت الزيادة في المساقاة أو المقارضة صارت إجارة وما دخلته الإجارة فإنه لا يصلح ولا ينبغي أن تقع الإجارة بأمر غرر لا يدري أيكون أم لا يكون أو يقل أو يكثر قال مالك في الرجل يساقي الرجل الأرض فيها النخل والكرم أو ما أشبه ذلك من الأصول فيكون فيها الأرض البيضاء قال مالك إذا كان البياض تبعا للأصل وكان الأصل أعظم ذلك أو أكثره فلا بأس بمساقاته وذلك أن يكون النخل الثلثين أو أكثر ويكون البياض الثلث أو أقل من ذلك وذلك أن البياض حينئذ تبع للأصل وإذا كانت الأرض البيضاء فيها نخل أو كرم أو ما يشبه ذلك من الأصول فكان الأصل الثلث أو أقل والبياض الثلثين أو أكثر جاز في ذلك الكراء وحرمت فيه المساقاة وذلك أن من أمر الناس أن يساقوا الأصل وفيه البياض وتكرى الأرض وفيها الشيء اليسير من الأصل أو يباع المصحف أو السيف وفيهما الحلية من الورق بالورق أو القلادة أو الخاتم وفيهما الفصوص والذهب بالدنانير ولم تزل هذه البيوع جائزة يتبايعها الناس ويبتاعونها ولم يأت في ذلك شيء موصوف موقوف عليه إذا هو بلغه كان حراما أو قصر عنه كان حلالا والأمر في ذلك عندنا الذي عمل به الناس وأجازوه بينهم أنه إذا كان الشيء من ذلك الورق أو الذهب تبعا لما هو فيه جاز بيعه وذلك أن يكون النصل أو المصحف أو الفصوص قيمته الثلثان أو أكثر والحلية قيمتها الثلث أو أقل

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1413 1381 - ( مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار ) مرسل في جميع الموطآت ، وجاء عن ابن عباس ، وسماع سليمان منه صحيح ، قاله أبو عمر ، وقد وصله أبو داود وابن ماجه من حديث ميمون بن مهران عن مقسم عن ابن عباس ، وأبو داود من طريق إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر ) لتمييز حق الزكاة من غيرها لاختلاف المصرفين ، أو للقسمة لاختلاف الحاجة كما مر ، وفيه جواز التخريص لذلك ، وبه قال الأكثر ، ولم يجزه سفيان الثوري بحال ، وقال : إنما على رب الحائط إخراج عشر ما يصير بيده .

                                                                                                          وقال الشعبي : الخرص اليوم بدعة كأنه يرى نسخه بالنهي عن المزابنة ، وأجازه داود في النخل خاصة .

                                                                                                          ودفع حديث ابن المسيب عن عتاب بن أسيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه وأمره أن يخرص العنب ويؤدي زكاته زبيبا كما يؤدي زكاة النخل تمرا بأنه مرسل ; لأن عتابا مات قبل مولد ابن المسيب ، وبأنه انفرد به عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد وليس بالقوي ، قاله ابن عبد البر ، ودعوى الإرسال بمعنى الانقطاع مبني على قول الواقدي : إن عتابا مات يوم مات أبو بكر الصديق ، لكن ذكر ابن جرير الطبري أنه كان عاملا لعمر على مكة سنة إحدى وعشرين ، وقد ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر على الأصح ، فسماعه من عتاب ممكن فلا انقطاع .

                                                                                                          وأما عبد الرحمن بن إسحاق فصدوق احتج به مسلم وأصحاب السنن .

                                                                                                          ( قال : فجمعوا له حليا ) ضبط بفتح فسكون على أنه مفرد ، وبضم فكسر وشد الياء على الجمع ( من حلي نسائهم فقالوا : هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم ) أجمله وأغمض فيه .

                                                                                                          قال الباجي : راموا به أن يستنزلوه كما قال تعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ) ( سورة البقرة : الآية 109 ) [ ص: 543 ] وقال تعالى : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا ( سورة النساء : الآية 89 ) ولم يعاقبهم وامتثالا لقوله تعالى : ( فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ) ( سورة البقرة : الآية 109 ) ( فقال عبد الله بن رواحة : يا معشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي ) قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله كما زاده في حديث جابر ( وما ذاك ) أي البغض ( بحاملي على أن أحيف ) بفتح الهمزة وكسر الحاء : أجور ( عليكم ) لأنه يكون ظلما .

                                                                                                          وفي الحديث : " الظلم ظلمات يوم القيامة " وفيه : " إن المؤمن وإن أبغض في الله لا يحمله البغض على ظلم من أبغض " ( فأما ما عرضتم من الرشوة ) بتثليث الراء ( فإنها سحت ) أي حرام ( وإنا لا نأكلها ) لحرمتها بلا خلاف بين المسلمين .

                                                                                                          قال جماعة من المفسرين في قوله في اليهود : ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) ( سورة المائدة : الآية 42 ) إنه الرشوة في الحكم ، وقيل : كل ما لا يحل كسبه ( فقالوا بهذا ) العدل ( قامت السماوات ) فوق الرءوس بغير عمد ( والأرض ) استقرت على الماء تحت الأقدام .

                                                                                                          قال أبو عمر : فيه دليل على أن الرشوة عند اليهود حرام لقولهم بهذا ، ولولا حرمته في كتابهم ما عيرهم الله بقوله : ( أكالون للسحت ) وهو حرام عند جميع أهل الكتاب .

                                                                                                          وفيه أن ما يأخذه الحاكم أو الشاهد على الحكم بالحق أو الشهادة به رشوة ، وكل رشوة سحت ، وكل سحت حرام لا يحل للمسلم أكله بلا خلاف بين المسلمين ، والعمل بخبر الواحد ، إذ لو لم يجب به الحكم ما بعث - صلى الله عليه وسلم - ابن رواحة وحده .

                                                                                                          ( قال مالك : إذا ساقى الرجل النخل وفيها البياض فما ازدرع ) أي زرع ( الرجل الداخل ) أي عامل المساقاة ( في البياض فهو له ) لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " على أن بيننا وبينكم " فلم يشترط إلا نصف الثمر ، وذلك وقت تبيين الحقوق ، فظاهره أن ذلك جميع ما يكون له ، وأيضا فالأرض بيد العاملين ، وإنما لربها ما شرطه دون سائر ما بأيديهم ، ولذا انفردوا بمساكنها ومزارعها وغير ذلك ، وما جاء أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاها على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها يحتمل أن يكون في عقدين ، قاله الباجي .

                                                                                                          ( فإن اشترط صاحب الأرض أنه يزرع في البياض لنفسه فذلك لا يصلح لأن الرجل الداخل [ ص: 544 ] في المال يسقي لرب الأرض ، فذلك زيادة زادها عليه ) والزيادة ممنوعة .

                                                                                                          ( وإن اشترط الزرع بينهما فلا بأس بذلك إذا كانت المؤونة كلها على الداخل في المال البذر والسقي والعلاج كله ) بيان للمؤونة لما جاء أنه - صلى الله عليه وسلم - عاملهم في البياض والسواد على النصف .

                                                                                                          ( فإن اشترط الداخل في المال على رب المال أن البذر عليك فذلك غير جائز ؛ لأنه قد اشترط على رب المال زيادة ازدادها عليه ) وهي ممنوعة ( وإنما تكون المساقاة على أن على الداخل في المال المؤونة كلها والنفقة ، ولا يكون على رب المال منها شيء ، فهذا وجه المساقاة المعروف ) الذي لا يجوز غيره .

                                                                                                          ( قال مالك في العين تكون بين الرجلين فينقطع ماؤها فيريد أحدهما أن يعمل في العين ، ويقول الآخر : لا أجد ما أعمل به : إنه يقال للذي يريد أن يعمل في العين اعمل وأنفق ويكون لك الماء كله تسقي به حتى يأتي صاحبك بنصف ما أنفقت ، فإذا جاء بنصف ما أنفقت أخذ حصته من الماء ، وإنما أعطي الأول الماء كله لأنه أنفق ولو لم يدرك شيئا بعمله لم يعلق ) بفتح اللام أي لم يلزم ( الآخر من النفقة شيء ) ; لأن إنفاقه لم يفد شيئا .

                                                                                                          ( وإذا كانت النفقة كلها والمؤونة على رب الحائط ولم يكن على الداخل في المال شيء إلا أنه يعمل [ ص: 545 ] بيديه إنما هو أجير ببعض الثمرة ، فإن ذلك لا يصلح ؛ لأنه لا يدري كم إجارته إذا لم يسم له شيئا يعرفه ويعمل عليه لا يدري أيقل ذلك أم يكثر ) فهي إجارة فاسدة .

                                                                                                          ( قال مالك : وكل مقارض ) بكسر الراء ( أو مساق فلا ينبغي له أن يستثني من المال ولا من النخل شيئا دون صاحبه ، وذلك أنه يصير أجيرا بذلك يقول : أساقيك على أن تعمل لي في كذا وكذا نخلة تسقيها وتأبرها ) بضم الموحدة وكسرها تلقحها وتصلحها ( وأقارضك في كذا وكذا من المال على أن تعمل لي بعشرة دنانير ليست مما أقارضك عليه ، فإن ذلك لا ينبغي ولا يصلح ) لخلاف سنة المساقاة والقراض كما أفاده بقوله : ( وذلك الأمر عندنا ) بالمدينة ( والسنة في المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطها على المساقي ) بفتح القاف ( شد الحظار ) بالشين المنقوطة وهو الأكثر عن مالك ، أي تحصين الزروب ، ويروى عنه بالسين المهملة يعني سد الثلمة ، قاله أبو عمر .

                                                                                                          ونقل في المشارق عن يحيى الأندلسي أن ما حظر بزرب فبالمعجمة ، وما كان بجدار فبالمهملة ، والحظائر بالظاء المعجمة جمع حظيرة هي العيدان التي بأعلى الحائط لتمنع من التسور عليه ، وقال ابن قتيبة : هو حائط البستان ، الباجي : مثل أن يسترخى رباط لحظيرة فيشترط على العامل شده .

                                                                                                          ( وخم العين ) بالخاء المعجمة وشد الميم تنقيتها ، والمخموم النقي ، ورجل مخموم القلب أي نقيه من الغل والحسد .

                                                                                                          ( وسرو ) بفتح المهملة وسكون الراء ثم واو أي : كنس ( الشرب ) بفتح المعجمة والراء وموحدة جمع شربة وهي حياض يستنقع فيها الماء حول الشجر .

                                                                                                          وقال ابن حبيب : تنقية الحياض التي تكون حول الشجر وتحصين حروفها ومجيء الماء إليها .

                                                                                                          الباجي : وروي ( سوق الشرب ) وهو جلب الماء الذي يسقى به .

                                                                                                          ( وإبار ) بكسر الهمزة وشد الموحدة ( النخل ) أي تذكيرها ( وقطع الجريد ) من النخل إذا كسرت ، وقد يفعل مثله بالشجر لقطع قضبان الكرم .

                                                                                                          ( وجذ الثمر ) أي قطعه [ ص: 546 ] ( هذا وأشباهه ) كرم القف وهو الحوض الذي فيه الدلو ويجري منه إلى الضفيرة ( على أن للمساقي شطر ) أي نصف ( الثمر أو أقل من ذلك أو أكثر إذا تراضيا عليه ، غير أن صاحب الأصل لا يشترط ابتداء عمل جديد ) بالجيم ( يحدثه العامل فيها من بئر يحتفرها أو عين يرفع رأسها أو غراس يغرسه فيها يأتي بأصل ذلك من عنده أو ضفيرة ) بالضاد المعجمة : موضع يجتمع فيه الماء كالصهريج ، وقال الباجي : هي عيدان تنسج وتضفر وتطين ويجتمع فيها الماء كالصهريج ( يبنيها تعظم فيها نفقته ) فيمنع اشتراط هذا ( وإنما ذلك بمنزلة أن يقول رب الحائط لرجل من الناس : ابن لي هاهنا بيتا أو احفر لي بئرا ، أو أجر لي عينا ، أو اعمل لي عملا بنصف ثمر حائطي هذا قبل أن تطيب ثمر الحائط ويحل بيعه ، فهذا بيع قبل أن يبدو صلاحه ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ) فيمنع كذلك لدخوله في النهي .

                                                                                                          ( فأما إذا طاب وبدا صلاحه ) تفسير لطيبه ( وحل بيعه ثم قال رجل لرجل : اعمل لي بعض هذه الأعمال - لعمل يسميه له - بنصف ثمر حائطي هذا ، فلا بأس بذلك ) أي يجوز ( و ) وجهه أنه ( إنما استأجره بشيء معروف معلوم قد رآه ورضيه ) فهي إجارة صحيحة .

                                                                                                          ( فأما المساقاة فإنه إن لم يكن للحائط ) أي البستان ( ثمر أو قل ثمره أو فسد فليس له إلا ذلك ، وأن الأجير لا يستأجر إلا بشيء مسمى لا تجوز الإجارة إلا بذلك [ ص: 547 ] وإنما الإجارة بيع من البيوع ) لأنها بيع منافع ( إنما يشتري منه عمله ولا يصلح ذلك إذا دخله الغرر ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر ) وقد علم أن الإجارة بيع .

                                                                                                          قال ابن عبد البر : أراد مالك الفرق بين المساقاة والإجارة ، وأن المساقاة أصل في نفسها كالقراض لا يقاس عليها شيء من الإجارات ، والإجارة عنده وعند جمهور الفقهاء بيع ، وقالت الظاهرية : ليست من البيوع لأنها منافع لم تخلق ، وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما لم يخلق ، وأنها ليست عينا وليست البيوع إلا في الأعيان ، قالوا : فالإجارة بيع منفرد بسنة كالمساقاة والقراض .

                                                                                                          ( قال مالك : السنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم ) شجر العنب ( أو زيتون أو رمان أو فرسك ) بكسر الفاء وإسكان الراء وكسر المهملة وكاف : الخوخ أو ضرب منه أحمر أجرد أو ما ينفلق عن نواه ( أو ما أشبه ذلك من الأصول جائز لا بأس به على أن لرب المال نصف الثمر أو ثلثه أو ربعه أو أكثر من ذلك أو أقل ) فالشرط على قدر الجزء قل أو كثر ( والمساقاة أيضا تجوز في الزرع إذا خرج ) من الأرض ( واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه ، فالمساقاة في ذلك أيضا جائزة ) ومنعها الشافعي إلا في النخل الكرم ; لأن ثمرهما بائن من شجره يحيط النظر به .

                                                                                                          قال ابن عبد البر : وهذا ليس ببين لأن الكمثرى والتين والرمان والأترج وشبه ذلك يحيط النظر بها ، وإنما العلة له أن المساقاة إنما تجوز فيما يخرص ، والخرص لا يجوز إلا فيما وردت به السنة فأخرجته عن المزابنة كما أخرجت العرايا عنها النخل والعنب خاصة .

                                                                                                          ( ولا تصلح المساقاة في شيء من الأصول مما تحل فيه المساقاة إذا كان فيه ثمر قد طاب وبدا صلاحه وحل بيعه ) لعدم الضرورة الداعية [ ص: 548 ] لجواز البيع حينئذ ( وإنما ينبغي أن يساقى من العام المقبل ، وأما مساقاة ما حل بيعه من الثمار إجارة ؛ لأنه إنما ساقى صاحب الأصل ثمرا قد بدا صلاحه على أن يكفيه إياه ويجذه له ) يقطعه ( بمنزلة الدنانير والدراهم يعطيه إياها وليس ذلك بالمساقاة وإنما المساقاة ما بين أن يجذ النخل إلى أن يطيب الثمر ويحل بيعه ) وليس ذلك أيضا بالإجارة .

                                                                                                          قال مالك : إن وقعت فسخ العقد ما لم يفت ولا تكون إجارة لأن المساقاة تتضمن أن على العامل النفقة على رقيق الحائط وجميع المؤن وإن لم يكن ذلك معلوما ولا يجوز ذلك في الإجارة .

                                                                                                          ( ومن ساقى ثمرا في أصل قبل أن يبدو صلاحه ويحل بيعه فتلك المساقاة بعينها جائزة ) قال أبو عمر : كل من أجاز المساقاة إنما أجازها فيما لم يخلق أو فيما لم يبد صلاحه ، والمساقاة والقراض أصلان مخالفان للبيوع ، وكل أصل في نفسه يجب تسليمه ، وأجازها سحنون لأنها إجارة .

                                                                                                          ( ولا ينبغي أن تساقى الأرض البيضاء وذلك أنه يحل لصاحبها كراؤها بالدنانير والدراهم وما أشبه ذلك من الأثمان المعلومة ) يريد إلا الطعام أو ما يثبته فإن مذهبه منعهما ( فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث أو الربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغرر ; لأن الزرع يقل مرة ويكثر مرة ، وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما يصلح أن يكري أرضه به وأخذ أمرا غررا لا يدري أيتم أم لا فهذا مكروه ) أي حرام ، وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة وهي كراء الأرض بجزء مما يخرج منها .

                                                                                                          ( وإنما مثل ذلك مثل رجل [ ص: 549 ] استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم ثم قال الذي استأجر الأجير : هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارة لك ؟ فهذا لا يحل ولا ينبغي ) لأنه ترك العقد الصحيح إلى عقد فاسد .

                                                                                                          ( ولا ينبغي لرجل أن يؤجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته إلا بشيء معلوم لا يزول ) ينتقل ( إلى غيره ) وبه قال الجمهور ، وأجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يعطي سفينته ودابته وأرضه بجزء مما يرزقه الله قياسا على القراض .

                                                                                                          ( وإنما فرق ) بالتشديد أي الشرع ( بين المساقاة في النخل ) فيجوز ( والأرض البيضاء ) فيمنع ( أن صاحب النخل لا يقدر على أن يبيع ثمرها حتى يبدو صلاحه ) للنهي عنه ( وصاحب الأرض يكريها وهي أرض بيضاء لا شيء فيها ) لعدم النهي .

                                                                                                          ( والأمر عندنا في النخل أيضا أنها للساقي السنين الثلاث والأربع وأقل من ذلك وأكثر وذلك الذي سمعت ) فيجوز سنين معلومة عند الجمهور لا مدة مجهولة ، خلافا للظاهرية وطائفة تعلقا بظاهر قوله : أقركم ما أقركم الله ، ومرت الأجوبة عنه .

                                                                                                          ( وكل شيء مثل ذلك من الأصول بمنزلة النخل يجوز فيه لمن ساقى من السنين مثل ما يجوز في النخل ) من المدة المعلومة ، قلت أو كثرت ما لم تكثر جدا .

                                                                                                          ( قال مالك في المساقي ) بكسر القاف : ( إنه لا يأخذ من صاحبه الذي سقاه شيئا من ذهب ولا ورق يزداده ولا طعام ولا شيئا من الأشياء لا يصلح ذلك ) لا يجوز ( و ) كذلك ( لا ينبغي أن يأخذ [ ص: 550 ] المساقى ) بفتح القاف ( من رب الحائط شيئا يزيده إياه من ذهب ولا ورق ولا طعام ولا شيء من الأشياء ، والزيادة فيما بينهما ) على جزئه المعلوم ( لا تصلح ) لأنه يعود الجزء مجهولا ولا خلاف في ذلك .

                                                                                                          ( والمقارض أيضا بهذه المنزلة لا يصلح ) لأنه ( إذا دخلت الزيادة في المساقاة أو المقارضة صارت إجارة ، وما دخلته الإجارة فإنه لا يصلح ، ولا ينبغي أن تقع إجارة بأمر غرر لا يدري أيكون أم لا أو يقل أو يكثر ) فتفسد الإجارة .

                                                                                                          ( وفي الرجل يساقي الرجل الأرض فيها النخل أو الكرم أو ما أشبه ذلك من الأصول فتكون فيها الأرض البيضاء .

                                                                                                          قال مالك : إذا كان البياض تبعا للأصل وكان الأصل أعظم ذلك وأكثره فلا بأس بمساقاته ، وذلك أن الأصل أعظم ذلك وأكثره فلا بأس بمساقاته ، وذلك أن يكون النخل الثلثين أو أكثر ويكون البياض الثلث أو أقل من ذلك ، وذلك أن البياض حينئذ تبع للأصل ) وعلى هذا تأويل الحديث في المدونة فقال مالك : وكان البياض في خيبر يسيرا بين أضعاف السواد ، والمشهور ما قال هنا الثلث يسير ، وعليه فيجوز دخوله في عقد المساقاة وإلغاؤه للعامل ، سواء كان بين أضعاف أو انفرد بناحية من الحائط فيهما .

                                                                                                          وفيها لمالك إلغاؤه للعامل وهو أحب إلي ، واعترض بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يلغه للعامل ، وهو إنما يفعل الراجح .

                                                                                                          وأجاب عبد الحق بأن في حديث آخر إلغاؤه الباجي ، وحكم ما تمنع مساقاته حكم البياض مع الشجرة .

                                                                                                          ( وإذا كانت الأرض البيضاء فيها نخل أو كرم أو ما يشبه ذلك من الأصول فكان الأصل الثلث أو أقل والبياض الثلثين أو أكثر جاز في ذلك الكراء وحرمت فيه المساقاة ) [ ص: 551 ] قال الباجي : يريد إذا جمعا ، أما إذا أفردت النخل بالمساقاة فيجوز .

                                                                                                          ( وذلك أن من أمر الناس أن يساقوا الأصل وفيه البياض ، وتكرى الأرض وفيها الشيء اليسير من الأصل ، أو يباع المصحف أو السيف وفيهما الحلية من الورق بالورق ) متعلق بيباع ، ( أو القلادة ) ما يعلق في العنق ، ( أو الخاتم وفيهما الفصوص ) جمع فص مثلث الفاء .

                                                                                                          ( و ) فيها ( الذهب ) تباع ( بالدنانير ولم تزل هذه البيوع جائزة يتبايعها الناس ويبتاعونها ولم يأت في ذلك شيء ) نص من سنة ولا كتاب ( موصوف موقوف عليه ؛ إذ لو بلغه كان حراما أو قصر عنه كان حلالا ) وحينئذ فيرجع إلى عمل المدينة كما قال : ( والأمر في ذلك عندنا الذي عمل به الناس وأجازوه فيما بينهم أنه إذا كان الشيء من ذلك الورق أو الذهب تبعا لما هو فيه ) من الجوهر ونحوه ( جاز بيعه ، وذلك أن يكون النصل أو المصحف أو الفصوص قيمته الثلثان أو أكثر والحلية قيمتها الثلث أو أقل ) فتبين أن التبعية بالثلث فأقل .




                                                                                                          الخدمات العلمية