الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

25 حديث ثامن لابن شهاب ، عن سعيد ( بن المسيب ) ( مرسل )

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من خيبر أسرى حتى إذا كان من آخر الليل عرس ، وقال لبلال اكلأ لنا الصبح ونام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وكلأ بلال ما قدر له ، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر فغلبته عيناه ، فلم يستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بلال ، ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس ففزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بلال : يا رسول الله ، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقتادوا فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا ، فأقام الصلاة ، فصلى بهم الصبح ، ثم قال حين قضى الصلاة : من نسي الصلاة ، فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول : وأقم الصلاة لذكري .

التالي السابق


هكذا روى هذا الحديث ، عن مالك مرسلا جماعة رواة الموطأ عنه ، لا خلاف بينهم في ذلك ، وكذلك رواه سفيان بن عيينة ومعمر في رواية عبد الرزاق عنه ( عن الزهري ) مرسلا كما رواه مالك .

وقد وصله أبان ( العطار ) عن معمر ووصله الأوزاعي أيضا ويونس ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وعبد الرزاق أثبت في معمر من أبان العطار .

وقد وصله محمد بن إسحاق ، عن الزهري فيما حدثنا به أحمد بن محمد ( قال ) : حدثنا أحمد بن الفضل ، حدثنا الحسن بن علي الرافقي ، حدثنا أبو شعيب صالح بن زياد السوسي بالرقة ، حدثنا يعلى ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر حتى إذا كان ببعض الطريق أراد التعريس من آخر الليل ، فاضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسند بلال ظهره إلى بعيره ، فاستقبل الشرق فغلبته عينه فنام ، فلم يوقظه إلا الشمس فكان أولهم رفع رأسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ماذا صنعت ( بنا ) يا بلال ؟ قال : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك فقال : فاقتاد غير كبير فتوضأ وتوضأ الناس ، ثم صلى الصبح ، ثم أقبل عليهم فقال : إذا نسيتم الصلاة ، فصلوها إذا ذكرتموها ، فإن الله تعالى يقول : وأقم الصلاة لذكري .

( وأما حديث يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من خيبر سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس ، وقال لبلال : اكلأ لنا الصبح وساق الحديث بتمامه إلى آخره ، قال يونس : وسمعت ابن شهاب يقرؤها للذكرى .

ووصل من هذا الحديث ابن عيينة ومعمر ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله يقول : وأقم الصلاة لذكري ) .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومه عن الصلاة في السفر آثار كثيرة من وجوه شتى رواها عنه جماعة من أصحابه منهم ابن مسعود ، وأبو قتادة ، وذو مخبر الحبشي ، وعمران بن حصين ، وأبو هريرة ، وقد ذكرناها في باب زيد بن أسلم .

وبعضهم ذكر أنه أذن وأقام ، ولم يذكر ذلك بعضهم وبعضهم ذكر أنه ركع ركعتي الفجر وبعضهم لم يذكر ذلك ، والحجة في قول من ذكر لا في قول من قصر ، وقد ذكرنا ذلك كله وما للعلماء فيه في باب مرسل زيد بن أسلم ، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هاهنا . وقول ابن شهاب في هذا الحديث ، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من خيبر أصح من قول من قال : إن ذلك ( كان ) مرجعه من حنين ، لأن ابن شهاب أعلم ( الناس ) بالسير والمغازي ، وكذلك سعيد بن المسيب ، ولا يقاس بهما المخالف ( لهما ) في ذلك ، وكذلك ذكر ابن إسحاق ، وأهل السير أن نومه عن الصلاة في سفره كان في ( حين ) قفوله من خيبر ، وقد اختلف عن مالك في ذلك فروي عنه في هذا الحديث حين قفل من خيبر ، والقفول الرجوع من السفر ، ولا يقال : ( قفل ) إذا سافر مبتدئا ، قال صاحب العين : قفل الجند قفولا وقفلا إذا رجعوا ، وقفلتهم أنا أيضا هكذا ( على وزن ضربتهم ) وهم القفل .

وفيه أيضا خروج الإمام بنفسه في الغزوات وذلك سنة ، وكذلك إرساله السرايا كل ذلك سنة مسنونة ، وأما قوله أسرى ، ففيه لغتان سرى وأسرى ، قال الله - عز وجل - : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ) فهذا رباعي ، وقال : امرؤ القيس :


سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان

وهذا ثلاثي وقرئ أن أسر بعبادي بالوصل والقطع على الثلاثي والرباعي جميعا ، وقال النابغة :


( أسرت ) عليه من الجوزاء سارية     تزجي الشمال عليه جامد البرد



فجمع بين اللغتين ، والسرى مشي الليل وسيره وهي لفظة مؤنثة ، قال الشاعر :


وليل وصلنا بين قطريه بالسرى     وقد جد شوق مطمع في وصالك
أربت علينا من دجاه حنادس     أعدن الطريق النهج وعر المسالك



وقال غيره :


يفوت الغنى من لا ينام عن السرى     وآخر يأتي رزقه وهو نائم



ولا يقال لمشي النهار سرى ، ومنه المثل السائر يحمد ( القوم ) السرى .

فأما قوله حتى إذا كان من آخر الليل عرس ، فالتعريس النزول في آخر الليل كما في الحديث ، ولا تسمي العرب نزول الليل تعريسا ، كذلك قال أهل اللغة ، وكذلك في حديث عطاء بن أبي رباح الذي ذكرناه حتى إذا كان آخر ( الليل ) نزلوا للتعريس ، فكلهم قال آخر الليل ، وهو المعروف عند العرب ، وأما قوله : اكلأ لنا الصبح فمعناه ارقب لنا الصبح واحفظ علينا وقت صلاتنا وأصل الكلاية الحفظ والرعاية والمنع ، وهي كلمة مهموزة منه قوله - عز وجل - : قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ، ومنها قول ابن هرمة :


إن سليمى والله يكلؤها     ضنت بشيء ما كان يرزؤها



وفي هذا الحديث أيضا إباحة الاستخدام بالصاحب في السفر ، وإن كان حرا ، لأن بلالا كان في ذلك الوقت حرا كان أبو بكر اشتراه بمكة ، فأعتقه وله ولاؤه وذلك قبل الهجرة ، وكانت خيبر في سنة ست من الهجرة .

- وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان ينام أحيانا نوما يشبه ( نوم ) الآدميين ، وذلك إنما كان منه غبا لمعنى يريد الله إحداثه ، وليس لأمته سنة تبقى بعده ، يدلك على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : إني لأنسى ، أو أنسى لأسن ، وقوله في حديث العلاء بن خباب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لو شاء الله لأيقظنا ، ولكن أراد أن تكون سنة ) لمن بعدكم . وأما طبعه وجبلته ، وعادته المعروفة منه ومن الأنبياء قبله فما حكاه عن نفسه - صلى الله عليه وسلم - إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي ، فأطلق ذلك عن نفسه إطلاقا غير مقيد بوقت .

وفي حديث آخر إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ، ولا تنام قلوبنا فأخبر أن كل الأنبياء كذلك ، ومما يصحح ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : تراصوا في الصف ، فإني أراكم من وراء ظهري فهذه جبلته وخلقته وعادته - صلى الله عليه وسلم - فأما نومه في السفر عن الصلاة فكان خرق عادته ليسن لأمته ويعرفهم بما يجب على من نام منهم عن صلاته حتى يخرج وقتها وكيف العمل في ذلك ، وجعل الله نومه سببا بما جرى له في ذلك النوم من تعليمه أمته وتبصيرهم ، وقد ذكرنا الآثار الواردة في هذا المعنى في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب ، ولا سبيل إلى حملها على الائتلاف والاتفاق إلا على ما ذكرناه ، وغير جائز حمل أخباره إذا صحت عنه على التناقض عند أهل الإسلام ، لأنه لا يجوز فيها النسخ .

حدثنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا الحسيني ، قال : حدثنا الطحاوي ، قال : حدثنا المزني ، قال : سمعت الشافعي يقول : رؤيا الأنبياء وحي ، وقد روينا ، عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : رؤيا الأنبياء وحي وتلا إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ، وهذا يدل على أن قلوبهم لا تنام ألا ترى إلى حديث ابن عباس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نام حتى نفخ ، ثم صلى ، ولم يتوضأ ، ثم قال : إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي ، والنوم إنما يحكم له بحكم الحدث إذا خمر القلب وخامره ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخامر النوم قلبه وقوله - صلى الله عليه وسلم - إني لست كهيئتكم إني أبيت أطعم وأسقى ومثل هذا كثير ، فإن قال قائل : إن في قوله - صلى الله عليه وسلم - من يكلأ لنا الصبح دليلا على أن عادته النوم ، قيل له : لم تمعن النظر ، ولو أمعنته لعلمت أن المعنى ( من ) يرقب لنا انفجار الصبح فيشعرنا به في أول طلوعه ، لأن من نامت عيناه لم ير هذا في أوله ونوم العين يمنع من مثل هذا لا نوم القلب ، وكان شأنه التغليس بالصبح - صلى الله عليه وسلم - وكان بلال من أعلم الناس بذلك ، فلذلك أمره بمراقبة الفجر لا أن عادته كانت النوم المعروف من سائر الناس ، والله أعلم .

ذكر ابن أبي شيبة ( أبو بكر ) عن محمد بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد ، عن تميم بن سلمة ، عن مسروق ( قال ) : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد طلوع الشمس . وذكره أيضا عن عبيدة بن حميد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن تميم بن سلمة ، عن مسروق ، عن ابن عباس ، وهذا عندي - والله أعلم - لأنه أعلم أمته أن مراد الله تعالى من الصلاة أن تقضى في وقت آخر كما قال تعالى في الصيام فعدة من أيام أخر ، وليس كالحج ، وعرفة ، والضحايا ، والجمار ، وقد أوضحنا هذا المعنى في كتاب الاستذكار ، وليس في تخصيص النائم والناسي بالذكر في قضاء الصلاة ما يسقط قضاءها عن العامد لتركها حتى يخرج وقتها بل فيه أوضح الدلائل على أن العامد ( المأثوم ) أولى أن يؤمر بالقضاء من الناسي المتجاوز عنه و ( النائم ) المعذور ، وإنما ذكر النائم والناسي لئلا يتوهم متوهم أنهما لما رفع عنهما الإثم سقط القضاء عنهما فيما وجب عليهما ، فأبان - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك غير مسقط عنهما قضاء الصلاة ، وإنها واجبة عليهما متى ما ذكراها ، والعامد لا محالة ذاكر لها فوجب عليه قضاؤها ، والاستغفار من تأخيرها لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله تعالى يقول : وأقم الصلاة لذكري ، وقد قضاها عليه السلام بعد خروج وقتها يوم الخندق من غير نسيان ، ولا نوم إلا أنه شغل عنها ، وأجاز لمن أدرك ركعة من العصر أن يصلي تمامها بعد خروج وقتها ، وقد زدنا هذا بيانا وإيضاحا في كتاب الاستذكار ، والحمد لله .

وفي فزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دليل على أن ذلك لم يكن من عادته منذ بعث ، والله أعلم .

، ولا معنى لقول من قال : إن فزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( كان ) من أجل العدو الذي يتبعهم ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتبعه عدو في انصرافه من خيبر ، ولا في انصرافه من حنين ، ولا ذكر ذلك أحد من أهل المغازي بل كان منصرفه في كلتا الغزوتين غانما ظافرا قد هزم عدوه وظفر به وقمعه ، والحمد لله .

وأما فزع أصحابه في غير هذا الحديث ، فلما رأوا من فزعه ، وقد فزعوا حين قدموا عبد الرحمن بن عوف يصلي لهم في غزوة تبوك حين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع المغيرة بن شعبة فتوضأ ومسح على خفيه ، وانتظروه وخشوا فوات الوقت فقدموا عبد الرحمن بن عوف يؤمهم فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صلى بهم عبد الرحمن ركعة ففزع الناس ، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أحسنتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها .

هكذا نقله جماعة من أصحاب ابن شهاب ، وقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة الكسوف فزعا يجر ثوبه .

ويحتمل أن يكون فزعهم شفقة وتأسفا على ما فاتهم من وقت الصلاة ولعلهم حسبوا أن الصلاة قد فاتتهم أصلا فلحقهم الفزع والحزن لفوت الأجر والفضل ، ولم يعرفوا أن خروج الوقت يسقط فرض الصلاة حتى قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من نام عن صلاة ، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها كما كان يصليها لوقتها . فأخبرهم أنها غير ساقطة عنهم ، وإذا لم تسقط عنهم صلوها ، وإذا صلوها أدركوا أجرها إن شاء الله وأعلمهم - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة أن الإثم عنهم في ذلك ساقط بقوله ليس التفريط في النوم ، وإنما التفريط في اليقظة . وفي بعض ألفاظ ( حديث ) أبي قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الصلاة لا تفوت النائم إنما تفوت اليقظان ، ثم توضأ وصلى بهم ، وفي هذا ( الحديث ) تخصيص لقوله عليه السلام : رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ وبيان ( ذلك ) أن رفع القلم ( عنه ) هاهنا من جهة رفع المأثم لا من جهة رفع الفرض عنه . وأن ذلك ليس من باب قوله : وعن الصبي حتى يحتلم وإن كان ذلك جاء في أثر واحد فقف على هذا الأصل ، وأما قول بلال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يقول : إذا كنت أنت في منزلتك من الله قد غلبتك عينك وقبضت نفسك فأنا أحرى بذلك ، وفي هذا دليل على طلب الحجة ، والإدلاء بها .

ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن علي بن حسين ، قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على علي وفاطمة ، وهما نائمان فقال : ألا تصلوا ؟ فقال علي : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا أراد أن يبعثها بعثها ، فانصرف عنهما ، وهو يقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ( ورواه الليث ، عن عقيل عن الزهري ، عن علي بن حسين أن الحسين بن علي حدثه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرقه وفاطمة ، فذكر الحديث ، وفي آخره : فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قلت له ذلك فسمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) .

وأما قول بلال في هذا الحديث أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فمعناه قبض نفسي الذي قبض نفسك ، والباء زائدة أي توفى نفسي متوفي نفسك ، والتوفي هو القبض نفسه يعني أن الله - عز وجل - قبض نفسه ، وهذا قول من جعل النفس الروح وجعلهما شيئا واحدا ، لأنه قد قال في غير هذا الحديث إن الله قبض أرواحنا ( فنص ) على أن المقبوض هو الروح ، وفي القرآن الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ( ومن قال : إن النفس غير الروح تأول قول بلال أخذ بنفسي من النوم ما أخذ بنفسك منه ) وقد تقدم القول في النفس والروح مستوعبا في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ، فأغنى عن إعادته ، فأما قوله اقتادوا شيئا فمعناه عند أهل المدينة ما ذكره زيد بن أسلم في حديثه : وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا واد به شيطان ، وقد تقدم القول في هذا في باب مرسل زيد بن أسلم من كتابنا هذا ، فأغنى عن إعادته وقال أهل العراق : معنى اقتياد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رواحلهم حتى خرجوا من الوادي إنما كان تأخيرا للصلاة ، لأنهم انتبهوا في وقت لا تجوز فيه صلاة ، وذلك عند طلوع الشمس ( وزعموا أن نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة عند طلوع الشمس ) وعند غروبها يقتضي الفريضة والنافلة ، وكل صلاة مفروضة ومسنونة ، واحتجوا من الآثار بنحو حديث مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : إذا بدا حاجب الشمس ، فأخروا الصلاة حتى تبرز ، وإذا غاب حاجب الشمس ، فأخروا الصلاة حتى تغيب وتأولوا هذا على الفرائض وغيرها ، وقد مضى الرد عليهم في تأويلهم هذا في غير موضع من كتابنا هذا ، فأغنى عن إعادته . ومما يبين لك أن خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخروج أصحابه من ذلك الوادي لم يكن كما ذكره العراقيون أنهم لم يستيقظوا حتى ضربهم حر الشمس ، والشمس لا تكون لها حرارة إلا وقد ارتفعت وحلت الصلاة .

وهذه اللفظة محفوظة في حديث للزهري ، وفي غير ما حديث من الأحاديث المروية في نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة . منها حديث جبير بن مطعم ، وحديث ابن مسعود ، وحديث أبي قتادة ، وقد ذكرناها في باب زيد بن أسلم .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد ، وحدثنا خلف بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد ، قالا : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال لما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر أسرى ليلة حتى إذا كان من آخر الليل عدل عن الطريق ثم عرس ، وقال : من يحفظ علينا الصبح ؟ فقال بلال : أنا يا رسول الله ، فجلس يحفظ عليهم فنام النبي - صلى الله عليه وسلم - ( وأصحابه ) فبينما بلال جالس غلبته عينه فما أيقظهم إلا حر الشمس ففزعوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنمت يا بلال ؟ فقال : يا رسول الله ، أخذ نفسي الذي أخذ أنفسكم ، قال : فاقتادوا رواحلهم وارتحلوا عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة ، ثم صلى بهم الصبح ، فلما فرغ قال : من نسي الصلاة ، فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله - عز وجل - يقول : وأقم الصلاة لذكري .

قال معمر : وكان الحسن يحدث نحو هذا الحديث ويذكر أنهم ركعوا ركعتي ( الفجر ) ثم صلى بهم الصبح ففي قوله : فما أيقظهم إلا حر الشمس ، وقوله : ارتحلوا عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة دليل على صحة ما ذهب إليه أهل المدينة . ودليل آخر هو قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح .

وحدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا عبد الله بن مسرة ومحمد بن عبد السلام ، قالا : حدثنا أبو موسى الزمن محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ( محمد ) بن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن خلاس ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أدركت ركعة من صلاة ( الفجر ) قبل أن تطلع الشمس ، فصل إليها أخرى ومعلوم أن الأخرى مع طلوع الشمس ، وأي شيء أبين من هذا . ودليل آخر وهو ما ذكره عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ركع في ذلك الوادي ركعتي الفجر ، ثم سار ساعة ، ثم صلى الصبح ومعلوم أن كل وقت تجوز فيه النافلة يجوز فيه قضاء المنسية المفروضة ، وهذا ما لا خلاف فيه . ودليل آخر لا مدفع له وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في آخر هذا الحديث من نام عن الصلاة ، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فهذا إطلاق أن يصلي المنتبه والذاكر في كل وقت على ظاهر الحديث صلاته التي انتبه إليها وذكرها ، وقد اختلف العلماء من هذا المعنى فيمن ذكر الصلاة فاتته ، وهو في آخر وقت صلاة ، أو ذكر صلاة وهو في صلاة فجملة مذهب مالك أنه من ذكر صلاة ، وقد حضر وقت صلاة أخرى بدأ بالتي نسي إذا كان ذلك خمس صلوات فأدنى ، وإن فات وقت هذه ، وإن كان أكثر من ذلك بدأ بالتي حضر وقتها ، وعلى هذا النحو مذهب أبي حنيفة ، والثوري إلا أن أبا حنيفة ، وأصحابه ، قالوا : الترتيب عندنا واجب في اليوم والليلة إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت ، فإن خشي فوات صلاة الوقت بدأ بها ، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم ، والنسيان عندهم يسقط الترتيب ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : من ذكر صلاة فائتة وهو في صلاة أخرى من الصلوات الخمس ، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات مضى فيما هو فيه ، ثم قضى التي عليه ، وإن كان أقل من ذلك قطع ما هو فيه وصلى التي ذكر إلا أن يكون في آخر وقت التي دخل ( فيها ) يخاف فوتها إن تشاغل بغيرها ، فإن كان كذلك أتمها ثم قضى التي ذكر ، وقال أبو حنيفة ومحمد : إن ذكر الوتر في صلاة الصبح فسدت عليه ، وإن ذكر فيها ركعتي الفجر لم تفسد عليه ، وقال أبو يوسف : لا تفسد عليه بذكر الوتر ، ولا بركعتي الفجر وبه أخذ الطحاوي ، وقد روي عن الثوري وجوب الترتيب ، ولم يفرق بين القليل والكثير ، واختلف في ذلك عن الأوزاعي ، وقال الشافعي : الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم يخف فوات هذه ، فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه . وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد بن حنبل ، واجب في صلاة ستين سنة وأكثر ، وقال لا ينبغي لأحد أن يصلي ( صلاة ) وهو ذاكر لما قبلها ، لأنها تفسد عليه .

قال أبو عمر :

ثم نقض هذا الأصل فقال : أنا آخذ بقول سعيد بن المسيب ويعجبني في الذي يذكر صلاة في وقت صلاة كرجل ذكر العشاء في آخر وقت الفجر ، قال : يصلي الفجر ، ولا يضيعصلاتين ، أو قال : يضيع مرتين ، وقال : إذا خاف طلوع الشمس ، فلا يضيع هذه لقول سعيد ( بن المسيب ) يضيع مرتين . فهذا يصلي الصبح ، وهو ذاكر العشاء ، وفي ذلك نقض لأصله وقال داود ، والطبري ، الترتيب غير واجب ، وهو تحصيل مذهب الشافعي .

ذكر الأثرم قال : حدثنا إبراهيم بن حمزة ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد أنه سمع ربيعة يقول في الذي ينسى الظهر والعصر حتى لا يجد إلا موضع سجدة قبل الغروب ( قال ) : يصلي العصر ، ثم يصلي الظهر إذا غابت الشمس . قال : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أنبأنا يونس ، ومنصور ، عن الحسن أنه كان يقول فيمن نام عن صلاة العشاء ، فاستيقظ عند طلوع الشمس ، قال : يصلي الفجر ، ثم يصلي العشاء ، قال : وسمعت أحمد بن حنبل يقول : أما الحسن فيقول : يصلي تلك ، وإن فاتت هذه .

قال أبو عمر :

وأما الذي يذكر صلاة ، وهو وراء إمام فكل من قال بوجوب الترتيب ، ومن لم يقل به فيما علمت يقول : يتمادى مع الإمام حتى يكمل صلاته ، ثم اختلفوا فقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد بن حنبل يصلي التي ذكر ، ثم يعيد التي صلى مع الإمام إلا أن يكون بينهما أكثر من خمس صلوات على ما قدمنا ذكره عن الكوفيين ، وهو مذهب جماعة من أصحاب مالك المدنيين ، وذكر الخرقي ، عن أحمد بن حنبل أنه قال : من ذكر صلاة ، وهو في أخرى أتمها وقضى المذكورة وأعاد الصلاة التي كان فيها إذا كان الوقت مبقى ، فإن خشي خروج الوقت اعتقد وهو فيها أن لا يعيدها ، وقد أجزأته ويقضي التي عليه ، قال الأثرم : قيل لأبي عبد الله : إن بعض الناس يقول : إذا دخلت في صلاة فأحرمت بها ثم ذكرت صلاة نسيتها لم تقطع التي دخلت فيها ، ولكنك إذا فرغت منها قضيت التي نسيت وليس عليك إعادة هذه ، فأنكره ، وقال : ما أعلم أحدا قال بهذا إنما أعرف أن من الناس من قال : أنا أقطع ، وإن كنت خلف الإمام وأصلي التي ذكرت لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فليصلها إذا ذكرها ، قال : وهذا شنيع أن يقطع ، وهو خلف الإمام ، قيل له فما تقول أنت ؟ قال : يتمادى مع الإمام ، وإن كان وحده قطع .

وذكر الأثرم قال : حدثنا الحكم بن موسى ، قال : حدثنا هقل قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : سمعت الزهري يقول في الذي ينسى الظهر ولا يذكرها حتى يدخل في العصر ، قال : يمضي في صلاة الإمام ، فإذا انصرف استقبل الظهر فصلاها ، ثم يصلي العصر .

قال أبو عمر :

هذا ابن شهاب يفتي بقول ابن عمر ، وهو الذي يروي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله يقول : وأقم الصلاة لذكري ، وقد رأى تماديه مع الإمام ، ثم رأى إعادتها ( لا ) أدري إن كان استحبابا أو إيجابا ، وقد يحتمل ( هذا ) الحديث إيجاب الترتيب ويحتمل أن يكون معناه الإعلام بأنها غير ساقطة بالنوم والنسيان ، وقد أجمعوا على أن الترتيب فيما كثر غير واجب فدل ذلك على أنه مستحب في القليل ، والله أعلم .

ويدلك على أن ذلك عندهم استحباب ، لأنهم يأمرونه إذا ذكرها ، وهو وحده في صلاة أن يقطعها ، وإن ذكرها وراء إمام تمادى مع الإمام ، والأصل في التمادي مع الإمام عند أكثرهم اتباع ابن عمر ( وحديثه في ذلك ما رواه مالك ، عن نافع أن عبد الله بن عمر ) كان يقول : من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام ، فإذا سلم الإمام ، فليصل الصلاة التي نسي ، ثم ليصل ( بعدها ) الصلاة الأخرى ، ولا مخالف له في هذه المسألة من الصحابة مع دلالة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليصلها إذا ذكرها .

وقد روي من حديث أبي جمعة ، واسمه حبيب بن سباع وله صحبة ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب يوم الأحزاب ، فلما سلم ، قال : هل علم أحد منكم أني صليت العصر ، قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فصلى العصر ، ثم أعاد المغرب ، وهذا حديث منكر يرويه ابن لهيعة عن مجهولين ، وقال الشافعي والطبري وداود : يتمادى مع الإمام ، ثم يصلي التي ذكر ، ولا يعيد هذه وليس الترتيب عند هؤلاء بواجب فيما قل ولا فيما كثر . ومن حجتهم ( أن ) الترتيب إنما يجب في اليوم وأوقاته ، فإذا خرج الوقت سقط الترتيب استدلالا بالإجماع ( على ) أن شهر رمضان تجب الرتبة فيه والنسق لوقته ، فإذا انقضى سقطت الرتبة عمن كان عليه ( منه شيء بسفر أو علة ) وجائز أن يأتي به على غير نسق ولا رتبة متفرقا ، فكذلك الصلوات المذكورات الفوائت ، والله أعلم .

واحتج داود ، وأصحابه بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر ذاكرا للصبح في حين نومه في سفره ، قالوا : فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ذاكر صلاة واجبة عليه - ركعتي الفجر وهما غير واجبتين عليه وهذا عندي لا حجة فيه ، لأنه لم يذكر في ركعتي الفجر صلاة قبلها ، وإنما المراعاة أن يذكر في الصلاة ما قبلها ، ولكل واحد منهم حجج من جهة النظر في أكثرها تشعيب وتطويل ، وفيما ذكرت لك من أقاويلهم ما تقف به على المراد من معنى حديث هذا الباب ، إن شاء الله .

وأما قوله في حديث مالك ، ثم أمر بلالا ، فأقام الصلاة يحتمل أن يكون فأقام ولم يؤذن ويحتمل أن يكون أقام الصلاة بما تقام به من الأذان والإقامة والطهارة ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أنه أمر بلالا ، فأذن وأقام في حين نام عن الصلاة في السفر ، وقد ذكرناها ، وقد روى أبان العطار ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة هذا الحديث ، وذكر فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الركعتين قبل صلاة الفجر ، ثم أمر بلالا ، فأقام ، فصلى الفجر ، وهذا ليس بمحفوظ في حديث الزهري إلا من رواية أبان العطار ، عن معمر ، وأبان ليس بحجة ، ولا تقبل زيادته على عبد الرزاق ، لأن عبد الرزاق أثبت الناس في معمر عندهم ، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في الأذان لما فات من الصلوات والحجة لكل فريق منهم في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ، وذكر أبو قرة ، عن مالك فيمن نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس أنه لا يركع ركعتي الفجر ، ولا يبدأ بشيء قبل الفريضة .

قال مالك : لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر حين نام عن الصبح حتى طلعت الشمس .

قال أبو عمر :

ليس في حديث ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركع ركعتي الفجر في ذلك اليوم من وجه يصح ، وقد روي ذلك من وجوه كثيرة صحيحة ، وقد تقدم ذكرنا لها ولجميع معاني هذا الباب مستوعبة مبسوطة في باب مرسل زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلذلك اختصرناها في هذا الباب ، والله الموفق للصواب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث