الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
5372 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما نزلت : وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفا فجعل ينادي : " يا بني فهر ! يا بني عدي ! " لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال : " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ " قالوا : نعم ؟ ما جربنا عليك إلا صدقا ، قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟ ! فنزلت : تبت يدا أبي لهب وتب . متفق عليه .

وفي رواية : نادى : " يا بني عبد مناف ! إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله ، فخشي أن يسبقوه ، فجعل يهتف : يا صباحاه ! " .

التالي السابق


5372 - ( وعن ابن عباس قال : لما نزلت : وأنذر عشيرتك الأقربين صعد ) بكسر العين وهو جواب لما ، وفي بعض النسخ فصعد بالفاء فلا وجه له ، أي : طلع ( النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الصفا ) وهو جبل معروف بمكة من شعائر الله ( فجعل ) أي : فشرع ( النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ينادي ) أي : قبائل العرب ( يا بني فهر ) بكسر الفاء وسكون الهاء : قبيلة من قريش ، على ما في القاموس ( يا بني عدي ) وهم قبيلة من قريش أيضا ، على ما في القاموس ، فقوله : ( لبطون قريش ) فيه إشكال ; إذ البطن دون القبيلة أو دون الفخذ وفوق العمارة ، والقبيلة واحد قبائل الرأس لقطع الشعوب بعضها إلى بعض ، ومنه قبائل العرب واحدهم قبيلة ، وهم بنو أب واحد ، كذا في القاموس ، والحاصل أن القبيلة بمنزلة الجنس ، والبطن بمنزلة النوع ، والفخذ بمنزلة الفصل ، وقد يستعار بعضها لبعض ، والله تعالى أعلم .

وقال الطيبي - رحمه الله : اللام فيه بيان ، كقوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة كأنه قيل لمن قيل لبطون قريش ( حتى اجتمعوا ) أي : من كل قبيلة وبطن جمع ( فقال : " أرأيتكم " ) بفتح التاء ، ويجوز تحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإبدالها وحذفها ، والمعنى : أخبروني ، وتحقيقه ما ذكر الطيبي - رحمه الله - من أن الضمير المتصل المرفوع من الخطاب العام ، والضمير الثاني لا محل له وهو كالبيان للأول ; لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع في المخاطبين ، فيستوي فيه التذكير والتأنيث ، والإفراد والجمع ، فإذا أريد بيانه بأحد هذه الأنواع بين به ، فأتى في الحديث بعلامة الجمع بيانا للمراد ، انتهى . فكأنه قال : أرأيتم فإن رأيتم فأعلموني ( لو أخبرتكم أن خيلا ) أي : جيشا ( بالوادي ) أي : نزل به ، قال شارح : وهو موضع معروف بقرب مكة ، وكأنه أريد به الوادي المشهور [ ص: 3370 ] بوادي فاطمة بين مكة والمدينة شرفها الله ( تريد ) أي : الخيل ( أن تغير عليكم ) : من الإغارة ، وهي النهب والبيوتة بالغفلة يعني أصحابها على أحد المجازين في قوله تعالى : واسأل القرية ، ( أكنتم مصدقي ) ؟ أي مصدقين لي في قولي ( قالوا : نعم ) أي : كنا نصدقك ; وسببه أنا في جميع عمرنا ( ما جربنا عليك إلا صدقا ) .

قال الطيبي - رحمه الله : ضمن جرب معنى الإلقاء وعداه بعلى أي : ما ألقينا عليك قولا مجربين لك فيه هل تكذب فيه أم لا ، ما سمعناه منك إلا صدقا ( قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ) أي : قبل نزول عذاب عظيم وعقاب أليم ، والمعنى : أنكم إن لم تؤمنوا بي ينزل عليكم عذاب قريب .

قال الطيبي - رحمه الله - قوله : بين يدي ظرف لغد نذير ، وهو بمعنى قدام ; لأن كل من يكون قدام أحد يكون بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله ، وفيه تمثيل ، مثل إنذاره القوم بعذاب الله تعالى النازل على القوم بنذير قوم يتقدم جيش العدو فينذرهم ، ( فقال أبو لهب ) : مشهور بكنيته واسمه عبد العزى ، وهو ابن عبد المطلب بن هاشم عم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ( تبا لك ) أي : خسرانا وهلاكا ، ونصبه بعامل مضمر ، قاله القاضي ، فهو إما نصب على المصدر ، والمعنى : تب تبا ، أو بإضمار فعل أي : ألزمك الله هلاكا وخسرانا وألزم تبا لك ( سائر اليوم ) أي : وباقي الأوقات أو في جميع الأيام .

قال التوربشتي - رحمه الله : من ذهب في " سائر " إلى البقية فإنه غير مصيب ; لأن الحرف من السير لا من السور ، وفي أمثالهم في اليأس من الحاجة : أسائر اليوم وقد زال الظهر ، قال الطيبي - رحمه الله : وفيه نظر ; لأنه قال صاحب النهاية : السائر مهموز : الباقي ، والناس يستعملون في معنى الجميع وليس بصحيح ، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث ، وكلها بمعنى باقي الشيء ، ويدل على تصحيح ما في النهاية ما في أساس البلاغة ، فإنه أورده في باب السين مع الهمزة قائلا : سار الشارب في الإناء سورا وسورة أي : بقية ، وفى المثل : أسائر اليوم ، وقد زال الظهر ، انتهى كلامه ، فعلى هذا : المراد بسائر اليوم بقية الأيام المستقبلة ، في القاموس : السؤر البقية والفضلة ، وأسأر أبقاه كسأر كمنع والفاعل فيها سائر والقياس مسئر ، ويجوز والسائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات ، أو قد يستعمل له ، ومنه قول الأحوص :


فجلتها لنا لبابة لما وفد القوم سائر



وضاف أعرابي قوما فأمروا الجارية بتطييبه ، فقال : بطني عطري وسائري ذري . وأغير على قوم فاستصرخوا بني عمهم فأبطأوا عنهم حتى أسروا ، وذهب بهم ، ثم جاءوا يسألون عنهم فقال لهم المسئول : أسائر اليوم وقد زال الظهر ، أي : تطمعون فيما بعد وقد تبين لكم اليأس ; لأن من كانت حاجته اليوم بأسره وزال الظهر وجب أن ييأس منها بالغروب ، ( ألهذا ) أي : هذا الاستخبار والإخبار ( جمعتنا ) ؟ أي بالمناداة ( فنزلت : تبت أي هلكت وخسرت يدا أبي لهب بفتح الهاء ويسكن أي : نفسه ، كقوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم أي : بأنفسكم والباء زائدة ، وقيل : المراد بهما دنياه وأخراه ، وقيل : إنما خصتا لأنه لما قال : ألهذا دعوتنا ؟ أخذ حجرا ليرميه به فنزلت ، إنما كناه والكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته ; أو لأن اسمه عبد العزى فاستكره ذكره ، أو لأنه لما كان من أهل النار كانت الكنية أوفق بحاله ، وإن كان كني لكمال جماله ، وقرئ أبو لهب كما قيل : علي بن أبي طالب على لغة من قصر على الواو في الأسماء الستة ، كما قصر بعضهم على الألف فيها كقوله : إن أباها وأبا أباها ، وتب : إخبار بعد خبر للتأكيد ، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه ، أو الأول دعاء والثاني إخبار ( متفق عليه ) .

[ ص: 3371 ] ( وفى رواية ) قال ميرك : هذه الرواية من أفراد مسلم ( نادى : " يا بني عبد مناف " ) هو أخو هاشم وعبد شمس والمطلب ، ومناف صنم ، كذا في القاموس ، ( إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو ) أي : بعينه ( فانطلق ) أي : ذهب مسرعا ( " يربأ " ) بفتح الموحدة وبالهمزة أي : يحفظ من العدو ( " أهله " ) أي : قومه ، ويرقبهم بقتالهم على موضع عال .

( " فخشي " ) أي : الرجل ( " أن يسبقوه " ) أي : يسبق العدو إلى أهله ، ويصلوا إلى القوم قبل أن يصل إليهم بنفسه ( " فجعل " ) أي : فشرع ( يهتف ) بكسر التاء أي : يصيح وينادي من أعلى جبل ، وربما يجعل ثوبه على يده ، أو على خشب يرفعه لزيادة الإعلام ، ومنه النذير العريان ، أو هو كناية عن خلوه من العرض ، أو إيماء إلى أنه أخذ وسلب عنه ثوبه وهرب منهم ، فحينئذ كل أحد يصدقه في قوله : ( " يا صباحاه " ) بسكون الهاء ، ولما كانت الغارة غالبا تكون في الصباح خصت به ، ولو كانت في المساء أيضا ، والله تعالى أعلم ، فهي كلمة تقال لإنذار أمر مخوف ، والمعنى : يا قوم احذروا الإغارة بالذهاب قبل مجيء العدو ، فكأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : احذروا عقاب الله بالإيمان قبل نزوله .




الخدمات العلمية