الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1422 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بذات الرقاع ، قال : كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلق بشجرة ، فأخذ سيف نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترطه ، فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أتخافني ؟ قال : " لا " . قال : فمن يمنعك مني قال : " الله يمنعني منك ، فتهدده أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغمد السيف وعلقه ، قال : فنودي بالصلاة ، فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين . قال : فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات ، وللقوم ركعتان . متفق عليه .

التالي السابق


1422 - ( وعن جابر قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بذات الرقاع قال ) : أي : جابر . ( كنا ) أي : معشر الصحابة عند إرادة نزول المنزل . ( إذا أتينا ) أي : مررنا . ( على شجرة ظليلة ) أي : كثيرة الظل . ( تركناها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم : لعدم الخيمة له ) ، يعني : فكذا فعلنا بذات الرقاع ، ونزل - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة للاستراحة إلى حين الاجتماع . ( قال ) أي : جابر . ( فجاء رجل من المشركين ) أي : فجأة . ( وسيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلق بشجرة ) أي : قريبة منه ، أو بشجرة هو - عليه الصلاة والسلام - تحت ظلها . ( فأخذ ) أي : المشرك . ( سيف نبي الله - صلى الله عليه وسلم ) : إما لكونه نائما ، أو غافلا عنه ، والتغاير بين رسول الله أولا ، ونبي الله ثانيا ، إنما هو للتفنن ، وحذرا من الثقل لتوالي لفظين متحدين . ( فاخترطه ) أي : سله من غمده : وهو غلافه . ( فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أتخافني ؟ ) أي : في هذا الحال . ( قال : " لا " ) : فإن صاحب الكمال لا يخاف إلا من الملك المتعال ; لأن غيره لا ينفع ولا يضر في جميع الأحوال . ( قال : فمن يمنعك ) أي : يخلصك الآن . ( مني ؟ ) وفي رواية للبخاري قال : من يمنعك مني ثلاث مرات ؟ قال [ ص: 1055 ] ابن حجر : وهو استفهام إنكاري أي : لا يمنعك أحد مني . قلت : لا يلائمه . ( قال : " الله " ) أي : هو الذي سلطك علي . ( " يمنعني منك " ) : إذ لا حول ولا قوة إلا بالله .

قال الطيبي : كان يكفي في الجواب أن يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " الله " فبسط اعتمادا على الله ، واعتضادا بحفظه وكلاءته . قال الله تعالى : والله يعصمك من الناس . قال الأبهري : وفيه دلالة على فرط شجاعته ، وصبره على الأذى ، وحلمه على الجهال . ( قال ) أي : جابر . ( فتهدده ) أي : هدده وخوفه . ( أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغمد السيف ) : بفتح الميم المخففة وتشدد ، أي : أدخله في غلافه . ( وعلقه ) أي : في مكانه ، أو في غيره . ذكر الواقدي أنه إذ هم به أصابه داء بصلبه ، فبدر السيف من يده ، وسقط على الأرض ، وأنه أسلم واهتدى به خلق كثير ، وروى أبو عوانة أنه لم يسلم وإنما عاهد أنه لا يقاتل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما لم يعاقبه تألفا له أو لغيره ، ذكره ابن حجر .

( قال ) : أي : جابر . ( فنودي بالصلاة ) أي : أذن وأقيم للظهر أو العصر . ( فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا ) : وفي نسخة : فتأخروا أي : عن الموضع الذي صلوا فيه ، واقتصروا على الركعتين ، وسلموا عنهما ، قاله ابن الملك ، والصواب أنهم تأخروا قاصدين جهة العدو ، إذ لا معنى للتأخر عن موضع الصلاة لأجل السلام عنها ، ومع هذا لا دلالة على الاقتصار على الركعتين منها . وأما قول ابن حجر : " ثم بعد سلامهم تأخروا " . فلا دلالة للحديث عليه .

( وصلى بالطائفة الأخرى ) أي : بعد مجيئهم إليه - عليه الصلاة والسلام - . ( ركعتين ) : قال ابن حجر : فيه رد لقول ابن سعد : لم يجد في محالهم إلا نسوة ، فأخذهن إذ لو كان الأمر كذلك لم يصل صلاة شدة الخوف ، وتأييد لقول ابن إسحاق : لقي جمعا منهم فتقارب الناس ، ولم يكن بينهم حرب ، وقد أخاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى - عليه الصلاة والسلام - بالناس صلاة الخوف اهـ .

وأنت إذا تأملت رأيت أنه لا منافاة بين قولي ابن سعد وابن إسحاق ; فإن الأول يحمل على الآخر ، والثاني على الأول ، فتأمل . قال المظهر : هذه الرواية مخالفة لما قبلها ، مع أن الموضع واحد ، وذلك لاختلاف الزمان اهـ . فيحمل على أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى في هذا الموضع مرتين . مرة كما رواه سهل ، ومرة كما رواه جابر ، فيحمل الأول على صلاة الصبح ، وهذا على الظهر أو العصر ; بدليل الاستظلال ، أو يحمل على تعدد هذه الغزوة كما سيجيء ، والله أعلم .

قال زين العرب : قيل : جاز أن يكون ذلك قبل آية القصر ، أو في موضع أقاموا فيه . قال : وأقول : فيه نظر إذ لو كان كذلك ، فكيف يكون للقوم ركعتان ؟ ! إذ لا يصح أن يكون لهم كذلك إلا بتقدير القصر . والذي يظهر من هذا الحديث أن القوم قصروا والنبي - صلى الله عليه وسلم - متم ، لكن مذهب الشافعي ليس كذلك ; لأن عنده من ائتم بمتم يتم ، وإن كانا مسافرين ، وليحقق هذا الموضع ، ولم أجد للشراح كلاما في هذا المقام اهـ .

أقول وبالله التوفيق ، وبيده أزمة التحقيق : إن ما قيل : أنه قبل آية القصر ، أو في موضع الإقامة هو الصحيح ، بل الصواب الذي لا وجه له غيره ، وهو مذهب الإمام الأعظم ، ولا يلزم أن يكون كل حديث محمولا على مذهب الإمام الشافعي ، مع أنه لو صح ذلك المعنى في الحديث لأجازه الشافعي ، إذ صلاة الخوف ليست مبنية على القياس ، بل مختصة منحصرة بما ورد عن سيد الناس ، والمراد بقوله : ركعتين أي : مع الإمام ، كما أن في الحديث الأول المراد بركعة أي : معه . وقال الطيبي : قيل : معناه صلى بالطائفة الأولى ركعتين وسلم وسلموا ، وبالثانية كذلك ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثانية متنفلا وهم مفترضون اهـ .

وتبعه ابن حجر . قلت : مع عدم دلالة الحديث على ما قيل لا ينبغي أن يحمل على المختلف في جوازه ، ويترك ظاهره المتفق على صحته . وقال في الأزهار : فيه دلالة على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل نقله السيد .

[ ص: 1056 ] قلت : ثبت العرش أولا فانقش ، ثم رأيت أن صاحب المصابيح قال في شرح السنة : يحتمل أن يكون هذا في حال كون النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيما ، والمقيم يصلي صلاة الخوف في المصر ، إلا أنه لم يذكر في الحديث أن القوم قضوا ، ويجوز أن يكونوا قضوا ، ومثل هذا جائز في الأحاديث ، ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الآية بالقصر ، فهذا بحمد الله شافعي منصف غاية الإنصاف ، ومجتهد مجتمع جميع الأوصاف ، حمل الحديث على ما اخترناه فيه ، وصاحب البيت أدرى بما فيه ، ولا يرد على كلامه شيء مما نظر زين العرب فيه ، إلا أن تقييده بقوله في المصر اتفاقي ; لأن الحكم في خارجه أيضا كذلك ، حيث لم يكن مسافرا .

وفي الأزهار ، قال العلماء : لصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع شروط : أحدها : أن يكونوا مسافرين . قلت : أو مقيمين . والثاني : أن يكون الكفار في غير جهة القبلة . قلت : ويدل عليه ، ثم تأخروا . والثالث : أن يخاف المسلمون من العدو والهجوم عليهم . قلت : هذا شرط لمطلق صلاة الخوف ، لا لخصوص صلاته بذات الرقاع . الرابع : أن يكون في المسلمين كثرة يمكن تفريقهم فرقتين . قلت : وهذا أيضا عام غير مخصوص ، وذكر فيه أيضا أن غزوة ذات الرقاع كانت في السنة الخامسة من الهجرة . قال : وبه قطع صاحب الروضة . وقال ابن الجوزي في عيون التاريخ : في السنة الرابعة ، والصحيح الأول اهـ .

قال السيد : هذان القولان يخالفان نص البخاري ; فإنه قال : غزوة ذات الرقاع هي بعد خيبر ; لأن أبا موسى قدم بعد فتح خيبر في السنة السابعة ، وهو ممن شهد ذات الرقاع بلا خلاف ، إلا أن يحمل على تعدد هذه الغزوة مرة في الخامسة ، ومرة في السابعة أو الثامنة اهـ .

وفي فتح الباري : الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة ; لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت ، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في ذات الرقاع ، فدل على تأخرها عن الخندق . وقال ابن الهمام : إنما شرعت صلاة الخوف بعد الخندق في الصحيح ، فلذا لم يصلها إذ ذاك . وقوله في الكافي : إن صلاة الخوف بذات الرقاع وهي قبل الخندق ، وهو قول ابن إسحاق ، وجماعة من أهل السير .

واستشكل بأنه قد تقدم في طريق حديث الخندق للنسائي التصريح بأن تأخير الصلاة يوم الخندق كان قبل نزول صلاة الخوف . رواه ابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق ، والبيهقي ، والشافعي ، والدارمي ، وأبو يعلى الموصلي ، كلهم عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه : حبسنا يوم الخندق . فذكره إلى أن قال : وذلك قبل أن ينزل : فرجالا أو ركبانا . قال التوربشتي : اختلفت الروايات في صفة تلك الصلاة لاختلاف أيامها . فقد صلى - عليه الصلاة والسلام - بعسفان ، وبطن نخلة ، وبذات الرقاع وغيرها على أشكال متباينة بناء على ما رآه من الأحوط ، فالأحوط في الحراسة ، والتوقي من العدو ، وأخذ بكل رواية منها جمع من العلماء .

( قال ) أي : جابر . ( فكانت ) أي : وقعة تلك الصلاة . ( لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات ، وللقوم ركعتان ) أي : معه - عليه الصلاة والسلام - كما تقدم أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى بهم ركعة وبنفسه ركعتين . ( متفق عليه ) .




الخدمات العلمية