الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 1176 ] 1630 - وعن البراء بن عازب قال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ، ولما يلحد فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض ، فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ، ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء ، بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة ، حتى يجلسوا منه مد البصر ، ثم يجيء ملك الموت - عليه السلام - حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله . قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء ، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن ، وفي ذلك الحنوط ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ، قال : فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ يقولون : فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله - عز وجل - : اكتبوا كتاب عبدي في عليين ، وأعيدوه إلى الأرض ; فإني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى . قال : فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله . يقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام . فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ يقول : هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فيقولان له : وما علمك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة ، وألبسوه من الجنة ، وافتحوا له بابا إلى الجنة قال : فيأتيه من روحها وطيبها فيفسح له في قبره مد بصره . قال : ويأتيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب طيب الريح . فيقول : أبشر بالذي يسرك ، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه ويجيء بالخير ، فيقول : أنا عملك الصالح . فيقول : رب ، أقم الساعة ، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي . قال : وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه ، معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله . قال : فتفرق في جسده فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول ، فيأخذها وإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ، وتخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ يقولون : فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له ، فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين ، في الأرض السفلى ، فتطرح روحه طرحا ، ثم قرأ : ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ يقول : هاه هاه ، لا أدري . فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري . فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري . فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار وافتتحوا له بابا إلى النار فيأتيه حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح ، فيقول : أبشر بالذي يسوءك ، هذا يومك الذي كنت توعد . فيقول : من أنت ، فوجهك الوجه يجيء بالشر ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث ، فيقول : رب لا تقم الساعة . وفي رواية نحوه ، وزاد : إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ، وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم ، وتنزع نفسه يعني الكافر مع العروق فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه من قبلهم . رواه أحمد .

التالي السابق


1630 - ( وعن البراء بن عازب قال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل ) بفتح الجيم وتكسر . ( من الأنصار فانتهينا ) أي : وصلنا . ( إلى القبر ، ولما يلحد ) بصيغة المفعول قبل أن يلحد ، ولما بمعنى لم ، وفيه توقع . ( فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله كأن ) بتشديد النون ، وفي رواية وكأن . ( على رءوسنا الطير ) قال الطيبـي : كناية عن إطراقهم رءوسهم ، وسكوتهم ، وعدم التفاتهم يمينا وشمالا . قال ميرك : والطير بالنصب على أنه اسم كأن أي على رأس كل واحد الطير يريد صيده فلا يتحرك ، وهذه كانت صفة مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير ، يريد أنهم يسكتون فلا يتكلمون والطير لا يسقط إلا على ساكن ، وقال الجوهري : قولهم كأن على رءوسهم الطير إذا سكنوا من هيبته ، وأصله أن الغراب إذا وقع على رأس البعير فيلتقط منه الحملة والحملتين ، فلا يحرك البعير رأسه لئلا ينفر عنه الغراب . ( وفي يده عود ينكت ) بضم الكاف . ( به في الأرض ) أي : يؤثر بطرف العود الأرض فعل المتفكر المهموم ذكره الطيبـي . ( فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين ) ظرف لقال . ( أو ثلاثا ) شك من الراوي . ( ثم قال : إنالعبد المؤمن إذا كان في انقطاع ) أي : إدبار . ( من الدنيا وإقبال من الآخرة ) أي : اتصال بها . ( نزل إليه ملائكة من السماء ، بيض الوجوه ) إظهارا للطف والعناية ، أو انعكاسا من أنوار صاحب الهداية . ( كأن وجوههم الشمس ) أي : وجه كل واحد منهم كالشمس ، وأما قول ابن حجر : أخبر بها عن الجمع لأنه اسم جنس في الأصل فقول منطقي لا حقيقة له . ( معهم كفن من أكفان الجنة ) أي : من حريرها . ( وحنوط من حنوط الجنة ) أي : مسكها وعنبرها وعبيرها . قال الطيبـي : الحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسادهم . ( حتى يجلسوا منه مد البصر ) أي : قريبا منه مع كمال الأدب ، ينتظرون خروج الروح منه . ( ثم يجيء ملك الموت - عليه السلام - ) كذا في النسخ المصححة . ( حتى يجلس عند رأسه فيقول ) قال ابن حجر : لا ينافي ظاهره ما مر أن القائل غيره ; لأنه لا مانع أنه وملائكة أخر بها يقولون ذلك اهـ . وفيه أنه ما مر أن القائل غيره ، وإنما مر أن الملائكة يقولون وهو يحتمل أن يكون كلهم يقولون ، والأظهر أن القائل رئيسهم كما أشرنا إليه سابقا ، ويدل عليه هذا الحديث لاحقا . ( أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ) وفي رواية . ( المطمئنة ) بكسر الراء وضمها ، أي : ليس أمامك إلا المغفرة والرضوان وفيهما إشارة إلى بشارة دفع العذاب ، وكمال الثواب ، وهو معنى قوله : ارجعي إلى ربك وأما قول ابن حجر : أي إلى محلهما وهو الجنة فليس في محله . ( قال ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( فتخرج ) أي : روحه . ( تسيل ) حال . ( كما تسيل القطرة ) أي : كسيلان القطرة في السهولة ، وهذا يؤيد ما عليه أكثر أهل السنة ممن تكلم عن الروح أنها جسم لطيف سار في البدن كسريان ماء الورد في الورد . ( من السقاء ) أي : القربة ، وزاد في رواية وإن كنتم ترون غير ذلك أي : من الشدة ، والحاصل أن لا منافاة بين اضطراب الجسد وسهولة خروج الروح ، بل قد يكون الأول سببا للثاني كما أن رياضة النفس ، وتضعيف البدن عند السادة الصفية الصوفية موجب لقوة الروح على العبادة والمعرفة . وأما قول ابن حجر : ولا ينافي ذلك ما مر أن المؤمن يشدد عليه عند النزع دون غيره ; لأن محله فيما قبل خروج الروح فليس في محله ; لأن حالة النزع هو وقت خروج الروح ، فبين كلاميه تناقض بين . ( فيأخذها ) أي : ملك الموت . ( فإذا أخذها لم يدعوها ) بفتح الدال أي : لم يتركوها . ( في يده طرفة عين ) أدبا معه أو اشتياقا إليها . قال الطيبـي : فيه إشارة إلى أن ملك الموت إذا قبض روح [ ص: 1177 ] العبد سلمها إلى أعوانه الذين معهم كفن من أكفان الجنة . ( حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن ) من أكفان الجنة . ( وفي ذلك الحنوط ) أي : الجني . ( ويخرج ) بالتذكير والتأنيث . ( منها ) أي : من الروح ريح أو شيء . ( كأطيب نفحة مسك ) أي : مثل أطيبها فالكاف مثلية . قال الطيبـي : صفة موصوف محذوف هو فاعل يخرج ، أي : يخرج منها رائحة كأطيب نفحة مسك . ( وجدت ) أي : تلك النفحة . ( على وجه الأرض ) أي : جميعها منذ خلقت الدنيا إلى فنائها . ( قال ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - . ( فيصعدون ) أي : أعوان ملك الموت ، أو ملائكة الرحمة منهم أو من غيرهم . ( بها فلا يمرون يعني بها ) هذا من كلام الصحابي أو الراوي ، وليس بموجود في رواية السيوطي . ( على ملأ ) أي : جمع عظيم . ( من الملائكة ) أي : الذين بين السماء والأرض . ( إلا قالوا ) أي : الملأ . ( ما هذا الروح ) بفتح الراء أي : الريح وضمها . ( الطيب ؟ فيقولون ) أي : ملائكة الرحمة . ( فلان ابن فلان ) أي : روحه أو روحه . ( بأحسن أسمائه ) أي : ألقابه وأوصافه . ( التي كانوا ) أي : أهل الدنيا . ( يسمونه ) أي : يذكرونه . ( بها ) أي : بتلك الأسماء . ( في الدنيا حتى ) لا يزال الملائكة يسألون ويجابون كذلك حتى ( ينتهوا بها ) أي : بتلك الروح . ( إلى السماء الدنيا فيستفتحون له ) قال ابن حجر : أنث باعتبار النسبة ، وذكر باعتبار الشخص اهـ .

الصحيح أنه يذكر ويؤنث ففي القاموس الروح بالضم ما به حياة الأنفس ويؤنث . ( فتفتح ) بالتأنيث أي : السماء ، ويجوز أن يذكر فالجار نائب الفاعل . ( لهم ) قال ابن حجر : أفرد الضمير لأنه المقصود بالاستفتاح ، ثم جمع إشارة إلى أنهم لا يفارقونه بل يستمرون معه اهـ . وهو خلاصة كلام الطيبـي .

والظاهر أن ضمير لهم للمستفتحين من الملائكة ، وإنما وقع قوله له علة وصلة للفعل ، ولا دخل له في المقصود ; فالمطابقة بينهما ظاهرة ، ولا يبعد أن يعتبر فيه التغليب فيراعى الاستخدام حينئذ في قوله . ( فيشيعه ) أي : يستقبله ويصحبه بعد دخوله في السماء ( من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ) أي : تقربها وتدنو منها وهكذا . ( حتى ينتهى ) بصيغة المجهول ، والجار نائب الفاعل ، وفي نسخة لفظ به ساقط ، وينتهي بصيغة الفاعل . ( إلى السماء السابعة ) أي : الجنة إذ هي مجاورة لها ، والأظهر أن المراد بها نهاية السماوات العلا ، والاقتراب إلى عرش الرحمن أي : سدرة المنتهى . ( فيقول الله - عز وجل - : اكتبوا ) أي : أثبتوا ، وأما قول ابن حجر : أي اكتبوا الآن ، وإن كتب في سابق الزمان فمحتاج إلى دليل صحيح ونقل صريح . ( كتاب عبدي ) بالإضافة للتشريف ; ولذا قال في الكافر : اكتبوا كتابه أي : اجعلوا كتابة عبدي بكتابة اسمه . ( في عليين ) أي : في دفتر المؤمنين ، وديوان المقربين ، وقيل : هو موضع فيه كتاب الأبرار ، فالمراد بكتاب العبد صحيفة أعماله ، وقال الأبهري : أي : في كتاب عبدي يعني أنه في عليين ، أو في عوال ، أو غرف من الجنة مآلا ، قال العسقلاني في فتاويه : أرواح المؤمنين في عليين ، وأرواح الكفار في سجين ، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا ، بل أشبه شيء به حال النائم ، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا ، وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين وبين ما نقله ابن عبد البر عن الجمهور أنها عند أفنية قبورها . قال : ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف ، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين . قال : وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر وكذا لو تفرقت الأجزاء اهـ .

وقال ابن القيم : الروح من سرعة الحركة والانتقال الذي كلمح البصر ، ما يقتضي عروجها من القبر إلى السماء في أدنى لحظة ، وشاهد ذلك روح النائم ، فقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق الطباق ، وتسجد لله بين يدي العرش ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان ؛ انتهى ، فعلى هذا يكون التقدير : اكتبوا كتاب مقر عبدي في عليين . ( وأعيدوه ) الآن ( إلى الأرض ) أي : ليتعلق بالبدن على وجه الكمال ويتهيأ لجواب السؤال ( فإني منها خلقتهم ) أي : أجساد بني آدم . ( وفيها أعيدهم ) أي : أجسادهم وأرواحهم . [ ص: 1178 ] ( ومنها أخرجهم ) أي : كملا . ( تارة ) أي مرة . ( أخرى قال : ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ولعل إعادة قال لطول الكلام أو لفصله بكلام غيره ، وهو غير موجود فيما نقله السيوطي في المواضع في هذا الحديث . ( فتعاد روحه في جسده ) ظاهر الحديث أن عود الروح إلى جميع أجزاء بدنه ، فلا التفات إلى قول البعض بأن العود إنما يكون إلى البعض ، ولا إلى قول ابن حجر إلى نصفه ، فإنه لا يصح أن يقال من قبل العقل بل يحتاج إلى صحة النقل . ( يأتيه ملكان ) أي : المنكر والنكير لكن في صورة مبشر وبشير . ( فيجلسانه فيقولون له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله . فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام . فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ) ؟ أي : أرسل إليكم ، يعنون محمدا - صلى الله عليه وسلم - وفي العبارة فتنة للمؤمن ، وامتحان للموقن حيث أتيا بصيغة الجهالة ، ولم يذكراه بصفة النبوة والرسالة ، ولعل هذا بالنسبة إلى بعض الناس إذ ورد في بعض الأحاديث أنهما قالا له : ومن نبيك ؟ ( فيقول : هو رسول الله ) وفي رواية : محمد نبي . ( فيقولان له : وما علمك ؟ ) أي : بما قلت : أو ما سبب علمك برسالته ، أو ما سبب إقرارك ، أمجرد التقليد في التصديق ، أو البرهان والتحقيق ؟ ( فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به ) أي : بالكتاب ، أو بالرسول ، أو بما فيه ، وعلمت جميع ما ذكرت من معانيه ( وصدقت ) أي : تصديقا قلبيا ، وما اكتفيت بالإيمان اللساني ، وهو أولى من قول ابن حجر أو تأكيد لما تقرر في محله أن التأسيس أولى من التأكيد عند أرباب التأييد . ( فينادي مناد من السماء ) أي : على لسان الحق ( أن صدق عبدي ) أن تفسيرية ; لأن في النداء معنى القول ، وجعلها مصدرية يخل بالمعنى ; لأنه يخل بأنه ينادي مناد بصدق عبدي . ( فأفرشوه ) بقطع الهمزة أي : أعطوه فراشا أو أفرشوا له فراشا ، فالهمزة لتأكيد التعدية ، ففي القاموس أفرش فلانا بساطا بسطه له كفرشه فرشا ، وفرشه تفريشا ، وأما قول ابن حجر : أي : أفرشوا قبره فغير صحيح لما ذكرناه ، ولما في القاموس أيضا فرشه فرشا وفراشا أي : بسطه ، وتوضيحه أن المفروش لا يكون إلا البساط ، والقبر ليس إلا مفروشا فيه ، وأما المستعمل في لسان أهل الزمان من العرب أفرشوا البيت فاتساع في الكلام ، وقولهم الميت مفروش أي : مفروش فيه . ( من الجنة ) أي : من فرشها . ( وألبسوه ) بهمزة القطع أي : ( اكسوه من الجنة ) أي : من ثيابها . ( وافتحوا له ) أي : لأجله . ( بابا ) أي : من القبر . ( إلى الجنة ) أي : جهتها ، وأما ما وقع في أصل ابن حجر من الجنة فمن سهو القلم . ( قال : فيأتيه من روحها ) بفتح الراء أي : نسيمها . ( وطيبها ) أي : رائحتها ، وأما قول ابن حجر : روحها مر بيانه فموهم جواز ضم الراء وليس كذلك ، وقوله : ( وطيبها ) تأكيد ، فغفلة عن التحقيق الثابت بالتأييد . ( فيفسح ) بالتخفيف وتشدد أي : يوسع ( له في قبره مد بصره ) وهو مختلف باختلاف البصر المرتب على اختلاف البصيرة . ( قال ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - . ( ويأتيه ) أي : المؤمن . ( رجل ) أي : شيء على صورة رجل . ( حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح ) كناية عن حسن عمله وخلقه ، ( فيقول أبشر بالذي يسرك ) أي : بما يجعلك مسرورا ، يعني بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر ببال بشر ، قال تعالى : وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا وأما تقدير ابن حجر أي : يسرك ربك فغفلة عن مرجع الضمير ، كما هو ظاهر أنه محتاج إلى تقدير " به " أيضا ، وإذا صح الكلام بلا تقدير فلا يقدر ، والنسبة المجازية غير عزيزة في الكتاب والسنة ، واللغة العربية ، ومنه قوله تعالى : بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . ( هذا ) أي : الوقت . ( يومك ) أي : زمانك المحمود . ( الذي كنت توعد ) أي : به في الدنيا قال تعالى : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون . ( فيقول ) أي : المؤمن . ( له من أنت ) حيث أنست الغريب ، وبشرت بالخير العجيب . قال الطيبـي : لما سره بالبشارة قال له : إني لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء والمدح ، ثم قال : وقوله : من أنت ؟ متضمن معنى المدح مجملا وفيه نظر ، إلا أن يقال : إنه بمعونة المقام [ ص: 1179 ] وقرينة الحالة ثم قال : والفاء في . ( فوجهك ) لتعقيب البيان بالمجمل على عكس قول الشقي للملك : من أنت ؟ ( الوجه ) أي : وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والنهاية في الكمال ، وحق لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة وقوله : ( يجيء بالخير ) جملة استئنافية ، وقيل : الموصول مقدر أي : وجهك الذي يجيء بالخير . ( فيقول ) أي : المصورة بصورة الرجل . ( أنا عملك الصالح ) . فيقول : رب أقم الساعة ، رب أقم الساعة التكرار للإلحاح في الدعاء . ( حتى أرجع إلى أهلي ) أي : من الحور العين والخدم . ( ومالي ) يحتمل أن تكون ما موصولة أي : مالي من القصور والبساتين وغيرها من حسن المال ، ومما يطلق عليه اسم المال ، أو المراد بالأهل أقاربه من المؤمنين وبمالي ما يشمل الحور والقصور . قال الفقيه أبو الليث : يعني إلى الجنة ، وقال الطيبي : لعله عبارة عن طلب إحيائه لكي يرجع إلى الدنيا ، ويزيد في العمل الصالح ، والإنفاق في سبيل الله حتى يزيد ثوابا ويرفع في درجاته اهـ .

وتبعه ابن حجر وفيه أن حمل الساعة على غير القيامة في غاية من الغرابة . وقال ميرك : الأصوب أن يقال : طلب إقامة القيامة لكي يصل إلى ما أعد له من الثواب والدرجات ، ويؤيده ما ذكر في الكافر حكاية عنه رب لا تقم الساعة لكي يهرب به عما يعد له من العقاب . ( قال ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا موجود في النسخ كلها ، وفي الروايات جميعها ; لأنه أول القصة الثانية . ( وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ، نزل إليه من السماء ملائكة ) أي : من ملائكة العذاب . ( سود الوجوه ) إظهارا للغضب بما يناسب علمه ، أو انعكاسا من قبله . ( معهم المسوح ) جمع المسح بالكسر ، وهو اللباس الخشن . ( فيجلسون منه مد البصر انتظارا لخروج روحه . ( ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة ) أي : خبيثة الخصال غير مرضية الأعمال . ( اخرجي في سخط من الله ) أي : إلى آثار غضب الله من أنواع عقابه . ( قال ) أي : النبي صلى الله عليه وسلم . ( فتفرق بحذف إحدى التائين أي : الروح . ( في جسده قال الطيبي أي : كراهة الخروج إلى ما يسخن عينه من العذاب الأليم ، كما أن روح المؤمن تخرج وتسيل كما تسيل القطرة من السقاء فرحا إلى ما تمر به عينه من الكرامة اهـ . وتسخير العين كناية عن الجوهر كما أن قرة العين عبارة عن السرور ، ولذا قالوا : دمع الحزن ودمع الفرح بارد . ( فينتزعها ) أي : ملك الموت يستخرج روحه بعنف وشدة ومعالجة . ( كما ينزع ) بالبناء للمجهول ، وفي رواية كما ينتزع . ( السفود ) كتنور أي : الشوك أو الحديد التي يشوى بها اللحم . ( من الصوف المبلول ) قال الطيبي : شبه نزع روح الكافر من أقصى عروقه بحيث يصحبه العروق كما قال في الرواية الأخرى : وتنزع نفسه مع العروق نزع السفود وهو الحديد التي يشوى بها اللحم فيبقى معها بقية من المحروق ، فيستصحب عند الجذب شيئا من ذلك الصوف مع قوة وشدة وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من جسده بترشيح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة ولطف . ( فيأخذها ) أي : ملك الموت . ( فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ) أي : مبادرة إلى الأمر . ( حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج ) بالتذكير والتأنيث . ( منها ) أي : من روح الكافر عند خروجها من جسده . ( كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها ) افتضاحا لها ، وإظهارا لرداءتها . ( فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون : فلان ابن فلان بأقبح أسمائه ) أي : يذكرونه بأشنع أوصافه . ( التي كان يسمى ) وفي نسخة : كانوا أي : أهل السماء يسمون أي : يسمونه ، وفي نسخة السيد بفتح الميم فالضميران إلى الكافر . ( بها ) أي : بتلك [ ص: 1180 ] الأسماء . ( في الدنيا حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا ) أي : القربى . ( فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي : استشهادا على ذلك قوله تعالى : الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها . ( لا تفتح ) بالتأنيث مع التشديد قراءة الجمهور ، ومع التخفيف قراءة البصري ، وبالتذكير والتخفيف قراءة حمزة والكسائي . ( لهم ) أي : للكفار . ( أبواب السماء ) أي : شيء منها . ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج ) أي : يدخل . ( الجمل في سم الخياط ) أي : خرقه وثقبه قال الطيبي : سم الإبرة مثل في ضيق المسلك والجمل مثل في عظم الجرم فهو تعليق بالمحال اهـ .

وذلك بأن دخول الجرم العظيم مع بقائه على عظمته في ذلك الخرق الضيق جدا مع بقائه على ضيقه محال عقلا . قال ابن حجر : فكذلك دخولهم الجنة محال لذلك اهـ .

وهو غير صحيح ; لأن دخولهم الجنة ليس محالا لذاته إنما هو محال لغيره ، وهو أن الله تعالى أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به ولا يدخل الكافر الجنة أبدا ، وأما العقل فيجوزه لولا النقل ، نعم العقل الكامل أيضا ، لا يجوز التسوية بين المؤمن والكافر ، ولذا ذم الله تعالى الكفار بقوله تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية ، وبقوله عز وجل أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . ( فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين ) قيل : هو موضع فيه كتاب الفجار من قعر النار ( في الأرض ) حال لازمة أو بدل بإعادة الجار بدل كل من بعض . ( السفلى ) أي : السابعة ، وفيه إشارة إلى محل جهنم وهو الأشهر من خلاف طويل فيه ، لكن قال بعض المحققين الجامعين بين المعقول والمنقول : لم يصح في ذلك شيء فينبغي لنا الإمساك عنه . ( فتطرح ) أي : ترمى . ( روحه ) طرحا أي : رميا شديدا . ( ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أي : اعتضاد للمبالغة . : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي ) أو للتنويع أو للتخيير في التمثيل أي : ترمي . ( به الريح في مكان سحيق ) أي : بعيد أو عميق . قال الطيبي : أي : عصفت به الريح أي : هوت به في بعض المطارح البعيدة وهذا استشهاد مجرد لقوله صلى الله عليه وسلم : في سجين ، في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ ; لأنه شبه في الآية من يشرك بالله بالساقط من السماء ، والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة ، والشيطان الذي يغويه ويطرح به في وادي الضلالة بالريح الذي هو يهوي بما عصف به في بعض المهاوي المتلفة . ( فتعاد روحه ) في جسده . ( ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه ) بسكون الهاء الأخيرة فيهما ، وهو كلام المبهوت المتحير في الجواب ، ولذا صرح وقال : ( لا أدري . فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري فيقولان ) : أي : له كما في نسخة . ( ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ) ؟ أي : أرسل إليكم . ( فيقول : هاه هاه لا أدري ، فينادي مناد من السماء أن كذب ) أي : كذب في نفي الدراية عنه مطلقا ، بل عرف الله وأشرك به ، وتبين له الدين ، وما تدين به ، وظهرت رسالة النبي بالمعجزات عنده ، وما أطاعه ، أو الكذب باعتبار أن معنى : لا أدري لم يكن لي قابلية دراية بالأمور المذكورة وهذا كذب محض منهم ، فإنهم تركوا هذا العلم باختيارهم ، والله أعلم . ( فأفرشوه من النار ) وفي رواية السيوطي : وألبسوه من النار . ( وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها ) أي : يأتيه بعض حرها في قبره ، وأما تمامه ففي الآخرة قال تعالى : ولعذاب الآخرة أشد وأبقى وقال عز وجل : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وأما قول ابن حجر : فيأتيه عذاب عظيم فتقدير من غير تحرير وتقرير . ( وسمومها ) أي : شدة حرارتها ، وظاهر المقابلة أن سمومها ممزوج بالنتن والعفونة . ( ويضيق ) بالتشديد . ( عليه قبره حتى تختلف فيه ) أي : في قبره وفي بدنه . ( أضلاعه ) [ ص: 1181 ] أي : عظام جنبيه ، وأما ضغطة القبر لبعض المؤمنين بل الأكابر الموحدين كسعد بن معاذ سيد الأنصار الذي حمل جنازته سبعون ألف ملك ، واهتز لموته عرش الرحمن ، فإنما هو ضمة للأرض كمعانقة الأم المشتاقة لولدها ، وأما قول ابن حجر : أي : دائما أو غالبا أو أن الجمع بين الضيق والضم من خصائص الكفار فعن التحقيق بعيد ، وبالنسبة إلى الأكابر غير سديد ، والله الموفق . ( ويأتيه رجل قبيح الثياب منتن الريح ) أي : له ، قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح ، فيقول : ( أبشر بالذي يسوءك هذا يومك ) أي : اليوم . ( الذي كنت توعد ) أي : في الدنيا كما مر . ( فيقول : من أنت ؟ فوجهك الوجه ) أي : الكامل في القبح . ( يجيء بالشر ) وفي رواية : الذي يجيء بالشر . ( فيقول : أنا عملك الخبيث ) أي : المركب من خبث عقائدك وأعمالك وأخلاقك ، فالمعاني تتجسد وتتصور في قوالب المباني . ( فيقول : رب لا تقم الساعة ، وفي رواية نحوه ) أي : معنى هذا اللفظ . ( وزاد ) أي : الراوي : ( فيه ) أي : في نحوه . ( إذا خرج روحه ) أي : روح المؤمن . ( صلى عليه ) أي : دعا له . ( كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ) أريد بها الجني . ( وفتحت ) بالتخفيف ويشدد أي : له كما في نسخة . ( أبواب السماء ليس من أهل باب ) أي : من أبواب كل سماء . ( إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه ) بالبناء للمفعول أي : يعرج الملائكة به ويصح كونه بناء للفاعل أي : يعرج الله أي : يأمر بعروجه . ( من قبلهم ) بكسر القاف وفتح الباء ، أي : من جهتهم أي : ليتبركوا به ويتشرفوا بمشايعته ، وناهيك جدا تشريفا وتعظيما ، وجزاء وتكريما . ( وتنزع ) بصيغة المجهول . ( نفسه ) أي : روحه . ( يعني الكافر مع العروق ) إشارة إلى كراهة خروجه ، وشدة الجذب في نزع روحه ، وكمال تعلقه بجيفة بدنه . ( فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء ) أي : سماء الدنيا . ( وتغلق ) أي : دونه . ( أبواب السماء ) أي : جميعها ( ليس من أهل باب ) أي : من أبواب سماء الدنيا ، وأما ما وقع في أصل ابن حجر من أهل سماء فسهو قلم . ( إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه ) بصيغة المجهول ، ويصح أن يكون للفاعل أي : أن لا يصعد روحه . ( من قبلهم ) كراهة لظاهره وباطنه ، وأما قول ابن حجر : ومر في المؤمن بروحه ، والفرق واضح فليس بظاهر إلا جهة المعنى دون طريقة المبنى إلا إذا صحت الرواية بالبناء للفاعل فيكون إشارة إلى وحدته ، وفي المؤمن إيماء إلى جمع من الملائكة في صحبته . ( رواه أحمد ) قال ميرك : وهو حديث حسن . وقال السيوطي : ورواه أبو داود في سننه ، والحاكم في مستدركه ، وابن أبي شيبة في مصنفه ، والبيهقي في كتاب عذاب القبر ، والطيالسي ، وعبد في مسنديهما ، وهناد بن السري في الزهد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وغيره من طرق صحيحة اهـ . وأراد بقوله : عبد . عبد بن حميد أول من كتب في التفسير .




الخدمات العلمية