الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
2497 - وعن عطاء بن السائب ، عن أبيه - رضي الله عنه - قال : صلى بنا عمار بن ياسر صلاة ، فأوجز فيها . فقال له بعض القوم : لقد خففت وأوجزت الصلاة . فقال . أما علي ذلك ، لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قام تبعه رجل من القوم هو أبي ، غير أنه كنى عن نفسه ، فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم : ( اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحييني ما علمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضى بعد القضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة . ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهديين ) . رواه النسائي .

التالي السابق


2497 - ( وعن عطاء بن السائب ، عن أبيه ) : قال الطيبي - رحمه الله : ولد السائب السنة الثالثة من الهجرة حضر حجة الوداع مع أبيه يزيد ، وهو ابن سبع سنين . ( قال : صلى بنا عمار بن ياسر صلاة ) : يحتمل أن تكون مكتوبة أو نافلة ، ( فأوجز : أي : اقتصر ، ( فيها ) : أي : مع تمام أركانها وسننها ، ( فقال له بعض القوم ) : أي : ممن حضرها ( لقد خففت ) : بالتشديد أي : الأركان بأن فعلت ما يطلق عليها الركن ( وأوجزت ) : أي : اقتصرت بأن أتيت أقل ما يؤدى به السنن ، وقوله : ( الصلاة ) : تنازع فيه الفعلان ، ( فقال : أما ) : بالتخفيف ( علي ) : بالتشديد ( ذلك ) : قال الطيبي - رحمه الله : الهمزة في أما للإنكار كأنه قال : أتقول هذا أي : اسكت ما علي ضرر من ذلك أو للنداء ، والمنادى بعض القوم أي : يا فلان ! ليس علي في ذلك نظر ، ويحتمل أن تكون كلمة تنبيه ثم قال : علي ذلك بيانه قال ابن حجر : أما يحتمل أنها للاستفتاح على ذلك التخفيف امتثالا لقوله - عليه الصلاة والسلام : ( من صلى بالناس فليخفف ) وقوله : لقد إلخ . بيان لكونه مع أنه أوجز أتى بهذا الدعاء الطويل لنفاسته والاتباع فيه ، وهذا أظهر من احتمالات الطيبي - رحمه الله ، فإن كلها تكلف وما ذكرته أخف تكلفا كما هو ظاهر اهـ .

والذي يظهر لنا أن ما ظهر له ليس بصحيح من وجوه : أما أولا : فقوله على ذلك التخفيف مخالف للأصول والفروع ، فإن على للوجوب والتخفيف بالاتفاق مندوب .

وأما ثانيا : فلأن الحديث لا يدل على كونه إماما ليستدل بالحديث الذي ذكره .

وأما ثالثا : فلأن تطويله بالدعاء المذكور مخالف للتخفيف المسطور ، فالصواب أنه كان منفردا وخفف في بقية أجزاء الصلاة وطول في الدعاء ، فإنه يجوز ذلك له ، وإلا فكيف يقال : إنه إمام وخفف في الأركان القولية والفعلية وطول في الدعاء الذي من جملة السنن المروية .

( لقد دعوت فيها ) : أي : في آخرها أو سجودها ( بدعوات سمعتهن من رسول الله ) : أي : داخل الصلاة أو خارجها ( فلما قام ) : أي عمار : ( تبعه رجل من القوم هو أبي ) هذا من كلام عطاء أي : ذلك الرجل أبي ( غير أنه ) : أي : أبي ( كنى عن نفسه ) : أي : برجل ولم يقل تبعته . قال الطيبي - رحمه الله : وتقدير الاستثناء أنه لم يصرح إلا أنه كنى عن نفسه بالرجل اهـ .

والمراد بعدم التصريح مبالغة الإخفاء خوفا من الرياء ، وبهذا يندفع قول ابن حجر : كنى به تواضعا إذ لو قال : فتبعته لربما توهم منه أن فيه مدحا لنفسه ، ثم قال السائب : ( فسأله ) : أي : الرجل عمارا ( عن الدعاء ) : أي : فأخبره ( ثم جاء ) : أي : الرجل ( فأخبر ) : وفي نسخة : وأخبر ( به ) : أي : بالدعاء [ القوم : ( اللهم ) : أي : وهو هذا ( بعلمك الغيب ) : الباء للاستعطاف أي : أنشدك بحق علمك المغيبات عن خلقك ( وقدرتك ) : أي : بقدرتك ( على الخلق ) : أي : على خلق كل شيء تتعلق به مشيئتك ، أو على المخلوقات بأن تفعل فيهم ما تقضي إرادتك ( أحيني ) : أي : أمدني بالحياة ( ما علمت الحياة ) : ( ما ) مصدرية ظرفية ( خيرا لي ) : بأن يغلب خيري على شري ( وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ) : بأن تغلب سيئاتي على حسناتي ، أو بأن تقع الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ( اللهم ) : اعتراض قال ابن حجر - رحمه الله ، والظاهر أنه عطف على الأول بحذف العاطف ، كما في كثير من الدعوات الحديثية ، ومنه تكرار ربنا من غير عاطف في الآيات القرآنية ، ولا يضره الواو [ ص: 1735 ] في قوله : وأسألك ، لأنها نظيرة الواو في قوله تعالى : ربنا وآتنا ( وأسألك ) : عطف على أنشدك المقدر ( خشيتك ) : أي : الخوف من مخالفتك ، وما يترتب عليها من معاقبتك ( في الغيب والشهادة ) : أي : في السر والعلانية ( وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب ) : أي : في حال رضا الخلق وغضبهم ، أو في حال رضائي وغضبي ، أي أكون مستمرا عليها في جميع أحوالي وأوقاتي .

وزاد في الحصن : وكلمة الإخلاص ، وهو يحتمل أن يكون تفسيرا لكلمة الحق ، كما قال تعالى : له دعوة الحق أي : دعوة التوحيد المطلق والشرع المحقق ، وأن يكون المراد بكلمة الحق الحكم بالعدل ، وبكلمة الإخلاص التوحيد أو النصيحة الخالصة عن الرياء والسمعة ، فحينئذ يتنازعان في الجار والمجرور .

وأما تفسير ابن حجر - رحمه الله : كلمة الحق بما لا إثم فيه ، ففي غاية من البعد ، بل غير صحيح ، إذ لا يتصور أنه - صلى الله عليه وسلم - يسأل الله المداومة على الكلام المباح ، وهو - عليه الصلاة والسلام - يقول : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) . وقد قال تعالى : والذين هم عن اللغو معرضون .

( وأسألك القصد ) : أي : الاقتصاد وهو التوسط ( في الفقر والغنى ) : وهو دليل لمن قال : الكفاف أفضل من الفقر والغنى ، وهذه الجملة متروكة من الحصن .

وذهب ابن حجر - رحمه الله - إلى أن معناه توفيق القصد ، وقال : لأن غير القصد مذموم قال تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك الآية .

والظاهرة أن المقام بأبي عن الحمل عليه سابقا ولاحقا ، فإن الكلام ليس في امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، وإلا فالأولى بالذكر كثير ، مع أنه لا يتصور منه مخالفة مأمور ولا مباشرة محظور .

( وأسألك نعيما لا ينفد ) : بالدال المهملة أي : لا يفنى ولا ينقص ، وهو نعيم الجنة ، وأما غيره فكل نعيم لا محالة زائل .

( وأسألك قرة عين ) : ولفظ الحصن : وقرة عين بالعطف من غير إعادة الفعل ( لا تنقطع ) : والمراد به كل ما يتلذذ به الإنسان الكامل ، وقيل يحتمل طلب نسل لا ينقطع ، ولعله مأخوذ من قوله تعالى : ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وقيل : أراد المداومة على الصلاة ، وقد ورد : وقرة عيني في الصلاة .

( وأسألك الرضا ) : وهو مقصور مصدر محض ، والاسم الرضا الممدود كذا وذكره الجوهري . ( بعد القضاء ) : فإنه المقام الأفخم وباب الله الأعظم ، وفي بعض الروايات : وأسألك الرضا بالقضاء ، قيل في وجه الأول كأنه طلب الرضا بعد تحقق القضاء وتقرره ، وسئل أبو عثمان عن قول النبي : - صلى الله عليه وسلم - أسألك الرضا بعد القضاء ، عزم على الرضا بعد القضاء قال : لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا بعد القضاء وهو الرضا ، كذا في الغنية للقطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره الباري .

( وأسألك برد العيش ) : أي : طيبه وحسنه ، وفي الحصن : وبرد العيش ( بعد الموت ) لأنه لا عيش إلا عيش الآخرة . ( وأسألك لذة النظر ) : وفي الحصن : بالعطف بدون أسألك ( إلى وجهك ) : قال الطيبي - رحمه الله : قيد النظر باللذة ، لأن النظر إلى الله تعالى إما نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة ، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المراد هذا ، ( والشوق إلى لقائك ) : أي : أبدا سرمدا ( في غير ضراء ) : أي : شدة ( مضرة ) : الجار إما متعلق بقوله : والشوق إلى لقائك أي : أسألك شوقا لا يؤثر في سيري وسلوكي ، بحيث يمنعني عن ذلك ، وأن يضرني مضرة ، وإما متعلق بأحيني ، الثاني أظهر معنى ، والأول أقرب لفظا ، ويؤيد الثاني كونه في الحصن بلفظ : أعوذ بك من ضراء مضرة .

قال الطيبي - رحمه الله : متعلق الظرف مشكل ، ولعله متصل بالقرينة الأخيرة ، وهو قوله : والشوق إلى لقائك ، سأل شوقا إلى الله بحيث يكون ضراء غير مضرة أي : شوقا لا يؤثر في سيري وسلوكي ، وإن ضرني مضرة ، ويجوز أن يتصل بقوله : أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، ومعنى ضراء غير مضرة الضر الذي يصبر عليه كما ورد في قوله - عليه الصلاة والسلام : ( عجبا لأمر المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) اهـ .

[ ص: 1736 ] وقوله : بحيث يكون " ضراء غير مضرة " غير صحيح ، لأن المطلوب ليس شوقا بحيث يكون ضراء ، ولذا دخل غير عليها ثم وصفها بمضرة ليفيد أنه لا تضره الضراء إذ لم كما يدل عليه قوله : ( وإن ضرني مضرة ) ويمكن حمل عبارته على ما ذكرناه بأدنى عناية وحاصل المعنى إني أسألك شوقا لا يضرني في بدني بأن أفعل ما لا طاقة لي به ولا في قلبي بأن تغلب علي الجذبة بحيث أخرج عن طور عقلي ، فيفوتني مرتبة الجمع ، ولذا قال : ( ولا فتنة مضلة ) : لأن الفتنة تعم ما يؤدي إلى الهلاك الحسي والمعنوي ، والمضلة ما يوجب الانحراف عن الطريق القويم والصراط المستقيم ، ( اللهم زينا بزينة الإيمان ) : أي : بثباته وزيادة ثمراته من حسن العمل وإتيان العرفان ، ( واجعلنا هداة ) : جمع هاد أي : هادين إلى الدين ( مهديين ) : وفي الحصن : مهتدين أي : ثابتين على الهداية وطريق اليقين قال الطيبي - رحمه الله : وصف الهداة بالمهديين لأن الهادي إذا لم يكن مهديا في نفسه لم يصلح أن يكون هاديا لغيره ، لأنه يوقع الخلق في الضلال من حيث لا يشعر . قلت : ومن حيث لا يشعرون أيضا . ( رواه النسائي ) : وكذا الحاكم ، والإمام أحمد ، والطبراني .




الخدمات العلمية