الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث ( و ) لكنهما ( لم يعماه ) أي : لم يستوعبا [ كل الصحيح في كتابيهما ، بل لو قيل : إنهما لم يستوعبا مشروطهما ، [ ص: 47 ] لكان موجها ] وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب ، فقال البخاري فيما رويناه من طريق إبراهيم بن معقل عنه : ( ( ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح ، وتركت من الصحاح خشية أن يطول الكتاب ) ) .

وقال مسلم : ( ( إنما أخرجت هذا الكتاب ، وقلت : هو صحاح ، ولم أقل : إن ما لم أخرجه من الحديث فيه ضعيف ) ) .

وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف بأحاديث رجال من الصحابة رويت عنهم من وجوه صحاح ، تركاها مع كونها على شرطهما ، وكذا قول ابن حبان : ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما - ليس بلازم .

ولذلك قال الحاكم أبو عبد الله : ( ( ولم يحكما ، ولا واحد منهما ، أنه لم يصح من الحديث غير ما خرجه ، قال : وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة ، يشمتون برواة الآثار ; بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث ) ) .

ونحوه ما ذكره السلفي في معجم السفر " أن بعضهم رأى في [ ص: 48 ] المنام أبا داود صاحب السنن في آخرين مجتمعين ، وأن أحدهم قال : كل حديث لم يروه البخاري ، فاقلب عنه رأس دابتك " .

ومن ثم صرح بعض المغاربة بتفضيل كتاب النسائي على صحيح البخاري ، وقال : إن من شرط الصحة ، فقد جعل لمن لم يستكمل في الإدراك سببا إلى الطعن على ما لم يدخل ، [ وجعل للجدال موضعا ] فيما أدخل . وهو قول شاذ لا يعول عليه حكما وتعليلا .

والحق أنهما لم يلتزما حصر الصحيح فيما أودعاه كتابيهما ( ولكن قل ما ) أي : الذي ( عند ) الحافظ أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري ( ابن الأخرم ) شيخ الحاكم ، وهو بمعجمة ثم مهملة وميم مدغمة في ميم ( منه ) أي : من الصحيح ( قد فاتهما ، ورد ) من ابن الصلاح بقوله : ولقائل أن يقول : ليس ذلك بقليل ، فإنه يصفو من ( مستدرك الحاكم ) عليهما صحيح كثير .

( لكن قال ) الشيخ محيي الدين أبو زكريا ( يحيى ) النووي ( البر ) - لما اجتمع فيه من الزهد والورع وأصناف البر ما فاق فيه ; بحيث قال بعضهم : إنه كان سالكا منهاج الصحابة ، لا يعلم في عصره من سلكه غيره - في كتابه ( ( الإرشاد ) ) بعد قوله : والصحيح قول غير ابن الأخرم : إنه فاتهما كثير ، ويدل عليه المشاهدة .

[ ص: 49 ] قلت : والصواب قول من قال ( لم يفت ) الكتب ( الخمسة ) أصول الإسلام ; وهي : الصحيحان والسنن الثلاثة ( إلا النزر ) يعني القليل ، وكأنه أراد بالقائل الحافظ أبا أحمد بن الفرضي ، فإنه وصف مصنف أبي علي بن السكن مع اشتماله على ما عدا الترمذي منها بأنه لم يبق عليه إلا القليل .

( وفيه ) أي : وفي تصويب النووي رحمه الله أيضا ( ما فيه ) كناية عن ضعفه ( لقول الجعفي ) مولاهم ، البخاري ، حسبما حكاه ابن الصلاح كالمستظهر بظاهره للرد على ابن الأخرم ، ( أحفظ منه ) أي : من الصحيح ( عشر ألف ألف . . ) حديث ، أي : مائة ألف ، كما هي عبارته .

وبقية كلامه : ومائتي ألف حديث غير صحيح . والخمسة فضلا عن الصحيحين دون ذلك بكثير ، وقد يجاب عنهما معا بأن يقال مما أشار إليه ابن الصلاح ( عله ) أي : عل البخاري ، وهي لغة في " لعل " ومنه :

لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه

.

( أراد ) بلوغ العدد المذكور ( بالتكرار لها وموقوف ) يعني بعد المكرر والموقوف ، وكذا آثار الصحابة والتابعين وغيرهم وفتاويهم مما كان السلف يطلقون على كله حديثا ، وحينئذ يسهل الخطب ، فرب حديث له مائة طريق فأكثر .

[ ص: 50 ] وهذا حديث : الأعمال بالنيات نقل - مع ما فيه - عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي أنه كتبه من حديث سبعمائة من أصحاب راويه يحيى بن سعيد الأنصاري .

وقال الإسماعيلي عقب قول البخاري : وما تركت من الصحيح أكثر ، ما نصه : لو أخرج كل حديث عنده ، لجمع في الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة ، ولذكر طرق كل واحد منهم إذا صحت .

وقال الجوزقي : إنه استخرج على أحاديث الصحيحين ، فكانت عدته خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقا .

قال شيخنا : وإذا كان الشيخان مع ضيق شرطهما ، بلغ جملة ما في كتابيهما بالمكرر ذلك ، فما لم يخرجاه من الطرق للمتون التي أخرجاها لعله يبلغ ذلك أيضا أو يزيد ، وما لم يخرجاه من المتون من الصحيح الذي على شرطهما لعله يبلغ ذلك أيضا أو يقرب منه ، فإذا انضاف ذلك إلى ما جاء عن الصحابة والتابعين ، بلغ العدة التي يحفظها البخاري ، بل ربما زادت .

وهذا الحمل متعين ، وإلا فلو عدت أحاديث المسانيد ، والجوامع ، والسنن ، والمعاجم والفوائد ، والأجزاء ، وغيرها مما هو بأيدينا صحيحها وغيره - ما بلغت ذلك بدون تكرار - بل ولا نصفه . انتهى .

[ ص: 51 ] وبمقتضى ما تقرر ظهر أن كلام البخاري لا ينافي مقالة ابن الأخرم ، فضلا عن النووي ، وإن كان ابن الصلاح استنتج من ظاهره مع قوله :

التالي السابق


الخدمات العلمية