الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 106 - 107 ] قال : ( ولا بأس بأن يغتسل ويدخل الحمام ) لأن عمر رضي الله عنه اغتسل وهو محرم ( و ) ولا بأس بأن ( يستظل بالبيت والمحمل ) وقال مالك رحمه الله : يكره أن يستظل بالفسطاط وما أشبه ذلك لأنه يشبه تغطية الرأس . [ ص: 108 ] ولنا أن عثمان رضي الله عنه كان يضرب له فسطاط في إحرامه ولأنه لا يمس بدنه فأشبه البيت ( ولو دخل تحت أستار الكعبة حتى غطته إن كان لا يصيب رأسه ولا وجهه فلا بأس به ) لأنه استظلال ( و ) لا بأس بأن ( يشد في وسطه الهميان ) وقال مالك رحمه الله : يكره إذا كان فيه نفقة غيره لأنه لا ضرورة . ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان ( ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمي ) لأنه نوع طيب ولأنه يقتل هوام الرأس .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        قوله : روي أن عمر اغتسل وهو محرم ، قلت : رواه مالك في " الموطأ " عن حميد بن قيس عن عطاء بن أبي رباح أن عمر بن الخطاب قال ليعلى بن أمية ، وهو يصبب على عمر بن الخطاب ماء : اصبب على رأسي ، فقال يعلى : أتريد أن تجعلها بي ، إن أمرتني صببت ، فقال له عمر : اصبب علي ، فلن يزيده الماء إلا شعثا انتهى .

                                                                                                        طريق آخر : رواه الشافعي في " مسنده " أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أخبرني عطاء بن صفوان بن يعلى أخبره عن يعلى بن أمية أنه قال : بينما عمر بن الخطاب يغتسل إلى بعير ، وأنا أستر عليه بثوب ، إذ قال عمر : يا يعلى اصبب على رأسي ؟ فقلت : أمير المؤمنين أعلم ، فقال عمر : والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثا ، فسمى الله ، ثم أفاض على رأسه انتهى .

                                                                                                        طريق آخر : رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ، والشافعي في " مسنده " قالا : حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال لي عمر : تعال أنافسك في الماء ، أينا أطول نفسا فيه ، ونحن محرمون انتهى .

                                                                                                        أحاديث الباب : أخرج البخاري ، ومسلم عن عبد الله بن حنين أن عبد الله بن عباس ، والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء ، فقال ابن عباس : يغسل المحرم رأسه ، وقال المسور : لا يغسل ، فأرسله عبد الله بن عباس ، إلى أبي أيوب الأنصاري فوجده يغتسل بين القرنين ، وهو مستتر بثوب ، قال : فسلمت عليه ، فقال : من هذا ؟ قلت : أنا عبد الله بن [ ص: 108 ] حنين أرسلني عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم ؟ قال : فوضع أبو أيوب يده على الثوب ، فطأطأه حتى بدا لي رأسه ، ثم قال لإنسان يصبب عليه : اصبب ، فصب على رأسه ، ثم حرك أبو أيوب رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ، ثم قال : هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : حديث " الذي وقصته راحلته " نقل البيهقي عن الشافعي أنه استدل لهذه المسألة ، وفيه { أنه عليه السلام أمر أن يغسل بماء وسدر ، وأن لا يقرب طيبا }انتهى .

                                                                                                        الآثار : روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ، أنه دخل حمام الجحفة وهو محرم ، وقال : والله ما يعبأ الله بأوساخنا شيئا انتهى .

                                                                                                        وأخرجه الدارقطني ، ثم البيهقي في " سننيهما " عن أيوب السختياني به ، قال : المحرم يشم الريحان ، ويدخل الحمام ، قال الشيخ في " الإمام " : قال المنذري : حديث حسن ، وأسناده ثقات ، انتهى .

                                                                                                        وروى ابن أبي شيبة أيضا حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر ، قال : لا بأس أن يغتسل المحرم ، ويغسل ثيابه انتهى . حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن سالم عن ابن عمر ، نحوه . قوله : روي أن عثمان كان يضرب له فسطاط في إحرامه ، قلت : غريب ، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا وكيع ثنا الصلت عن عقبة بن صهبان ، قال : رأيت [ ص: 109 ] عثمان بالأبطح ، وأن فسطاطه مضروب ، وسيفه معلق بالشجرة انتهى .

                                                                                                        ذكره في " باب المحرم يحمل السلاح " ، والمصنف استدل بهذا الأثر على أن المحرم يجوز له أن يستظل بالبيت ، والفسطاط ، والمحمل ، ونحو ذلك ، ووافق هنا الشافعي في ذلك ، ومنعه أحمد ، ذكره ابن الجوزي في " التحقيق " ، واستدل لمذهبنا بحديث أم الحصين ، أخرجه مسلم قالت : { حججت مع النبي عليه السلام حجة الوداع فرأيت أسامة ، وبلالا ، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي عليه السلام ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر ، حتى رمى جمرة العقبة ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثيرا ، ثم سمعته يقول : إن أمر عليكم عبد مجدع ، حسبتها قالت : أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا }انتهى .

                                                                                                        وفي لفظ : رافع ثوبه على رأس النبي عليه السلام من الشمس ، الحديث ، ثم أجاب عنه : فقال : يحتمل أن يكون إنما رفع الثوب من ناحية الشمس ، لا أنه رفعه على رأسه وظلله به ، قال في " التنقيح " : وهذا لا يستقيم ، فإن التظليل على النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان بعد الزوال ، والشمس في الصيف على الرءوس ، فتعين أن يكون التظليل على رأسه صلى الله عليه وسلم وكأنه ذهل عن لفظ مسلم ، والآخر رافع ثوبه على رأس النبي عليه السلام يظله من الشمس ، ورأيته في غير كتاب " التنقيح " ، نقل عن الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله ، قال : لا حجة فيه ، لجواز أن يكون هذا الرمي الذي في قوله : حتى رمى جمرة العقبة وقع في غير يوم النحر ، أما في اليوم الثاني ، أو الثالث ، فيكون حينئذ قد حل عليه السلام من إحرامه ، وينبغي أن ينظر ألفاظه ، فإن ورد : حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر ، صح الاحتجاج ، لكنه يبعد من جهة أن جمرة العقبة يوم النحر في أول النهار وقت صلاة العيد ، وذلك الوقت لا يحتاج إلى التظليل من الحر أو الشمس ، والله أعلم . واستدل الشيخ في " الإمام " كذلك بما في حديث جابر الطويل ، فأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام ، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزلها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، الحديث ، ونمرة : بفتح النون ، وكسر الميم موضع بعرفة ، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا عبدة بن سليمان عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر ، قال : خرجت مع عمر ، فكان يطرح النطع على الشجرة فيستظل به يعني وهو محرم انتهى .




                                                                                                        الخدمات العلمية