الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                في العتبية : قال مالك : إن مات عن أمة حامل منه حملا بينا تمت حريتها في الشهادة وغيرها ، وتعجب من قول غيره : لا تتم حريتها حتى تضع ; وقال المغيرة : توقف أحكامها لاحتمال أن يكون ريحا أو مرضا . قال ابن يونس : يحتمل قول مالك في مقاصة المكاتب : إن رضي المكاتب فيتفق القولان ، قال محمد : إن وطئ أمة ابنه الصغير ، ولزمته القيمة حل له وطؤها ، قال سحنون : بعد الاستبراء ، وليس للولد أن يتمسك بها إذا لم تحمل قاله ابن القاسم ، قال محمد : ولا له أخذها فيما ثبت له من القيمة ، قال مالك : إذا وطئ أحد الشريكين فللآخر التمسك بنصيبه إن لم تحمل بخلاف الابن ; لأنها تحل له ، وتحرم على الابن يخيف أن يغيب عليها ، قال ابن القاسم : إن كان الابن كبيرا أو الأب عقيما قومت عليه يوم الوطء ، وبيعت في القيمة إن لم تحمل ، وكذلك المرأة تحل جاريتها لزوجها أو لغيره فتحمل ، غرم قيمتها مليا يوم أحبلها ، وبقيت أم ولد ، ولا قيمة عليه في ولده وإن لم تحمل ، فقيمتها يوم الوطء أو عديما ولم تحمل بيعت عليه ، وإن لم توف بالقيمة أتبع بالبقية ، وليس للمحل التمسك بها وإن لم تحمل ; لأن رد ماله تحقيق لعارية الفروج ، ويخاف أن يحبلها ثانية ، وقال عبد الملك : للابن التمسك في عدم الأب وملائه إذا لم تحمل إن كان مأمونا عليها بخلاف المحلل له ; لأن المحلل له تعمد ذلك فعوقب بأن لا تعود [ ص: 334 ] إليه ، وخوفا أن يحبلها ثانية وذريعة لعارية الفروج ، والابن لم يبح أمته فيخشى منه ، فإذا كان مأمونا ردت إليه كالشريك ، وإذا قومت على الأب إن حملت وكان الابن قد وطئها قبل ذلك عتقت على الأب ; لأنه حرم عليه وطؤها وبيعها ولحق به الولد ولو لم تحمل حل له بيعها دون وطئها قاله مالك ، قال عبد الملك : وإن وطئها الابن بعد وطء الأب سقطت القيمة عن الأب بمصاب الابن ، وتباع على الابن فيعطى ثمنها ما بلغ أقل من القيمة أو أكثر ، وقال أصبغ : يقوم على كل حال ، ويأخذ قيمتها يوم وطئها إن اختلفت القيمة ; لأنه يوم التفويت ، وتباع على الابن لأنه وطئها بعد لزوم قيمتها للأب يوم وطء الأب وضمنها ثم يتحاسبان فمن كان له فضل أخذه أو عليه نقص أداه فإن وطئها في طهر واحد ، فألحق القافة ولدها بالابن فهو للواطئ أولا وتعتق عليه ولزم الأب قيمتها له لأنه أفسدها عليه ، وإن كان هو الأب لزمته القيمة ، ويلزم قيمتها للأب يوم وطئها الابن ، ويتحاسبان كما تقدم ، وإن ألحقته بالثاني وكان هو الابن تحاسبا ، أو كان هو الأب غرم قيمتها للابن على كل حال بما أفسدها قاله عبد الملك ، وإن وطئ الابن أمة الأب حد ، وأما الجد من قبل الأب والأم فلا يحد من وطء أمة ابنه ، ولا يقطع من سرقة ماله ; لأنهم آباء وإن لم تلزم نفقتهم ; لأن الأب لا تلزمه نفقة ابنه الكبير أو ابنته الثيب ، ولا يقطع في سرقته من مالهما ، ولا يحد في جواريهما ، وقال أشهب : يحد فيهما كالأجنبي ، وإنما جاء : ( أنت ومالك إلى أبيك ) في [ ص: 335 ] الأب ، ولأن الجد لا نفقة له ، قال محمد : إن وطئ الجد أمة ولده العبد فحملت فعليه قيمتها ولا يحد ، وهي له أم ولد ، وإن كان معدما بقيت رقيقا للابن ، وأتبعه بقيمة الولد بعد وضعه ، فإن عتق الابن وهي حامل بعد النظر فيها بقي الأمر على ما كان فإن أيسر الأب فاشتراها فله بيعها إن شاء ، وإن أعتق الابن قبل النظر فيها كانت له أم ولد وأتبعه بقيمتها فقط في عدمه ، وعن ابن القاسم : يضمن قيمتها حملت أم لا ، ولا يكون لسيد العبد خيار ، فإن كان مليا أعطى السيد العبد قيمته ، أو معسرا أتبعه بها إن حملت ، وبيعت إن لم تحمل لأنه أفسدها بوطئه ، قال محمد : فإن كان الأب الرقيق لم تكن له أم ولد لأنه عبد ، ولا يتبع بقيمتها لأنه ليس من معنى العطب ولا حد عليه للشبهة ، ولو قال الابن : أسلمها إليه وأتبعه بقيمتها ; لأنه حرمها علي امتنع ; لأن ما في بطنها عتق على أخيه ، فإن سلمها بلا ثمن لم تكن له أم ولد ، وقال ابن القاسم : ذلك جناية والقيمة في رقبة العبد ; لأنه أفسدها ، وإن شاء السيد فداه بقيمة الجارية ، وتكون الجارية للعبد والعبد للسيد ، وإن سلمه كان حرا على أبيه ، وتتبعه الجارية وتكون أم ولد إن كانت حاملا ; لأنها من ماله ، والولد لسيد العبد أسلمه أو فداه ، ولا يخير الابن في أخذ الجارية فإن ماتت قبل تخيير السيد ضمنها العبد في رقبته كالخيانة ، فإن فداه السيد بقيمتها فهي للسيد ، وإن أسلمه عتق على أبيه ، قال محمد : لا يعجبني هذا ، وأي جناية في تحريمها على الابن ولا قيمة للوطء ، كما لو رجع شاهد الطلاق بعد الحكم لم يغرم شيئا ، قال ابن القاسم : وإن وطئ الأب أم ولد ابنه غرم قيمتها على أنها أمة ، وعتقت على الابن لثبوت الولاء ، وعتقها لتحريمها عليهما ، وإن وطئ زوجة ابنه لم تحرم على الابن في أحد قولي مالك بخلاف أم الولد لعدم الحد في أم الولد ، وثبوته في الزوجة ، فإن ولدت أم الولد بعد وطء [ ص: 336 ] الأب لحق به الابن ، إلا أن يكون معزولا عنها قبل الوطء مدة مثلها استبراء فيلحق بالأب ، وقيل : إن أشبه أن يكون من وطء الأب ، دعي له القافة ، وإن لم يكن معزولا عنها ; لأنه كوطء مالكين بخلاف وطء السيد أمته وهي زوجة لعبده أو لأجنبي ، والزوج مرسل عليها هذه يلحق الولد بالزوج لأن فراشه مقدم لصحته ، وإن ولدت أمة ولدا فادعاه أبو سيدها قال محمد : لحقه وقومت عليه وتكون له أم ولد أنكر ذلك الابن أم لا ، إلا أن يدعيه فهو أحق للفراش الصحيح ، قال ابن القاسم : إن كان الولد عبدا لم يحد وقيمة أم ولد ابنه في رقبته يفديه السيد أو يسلمه ، وتعتق أم الولد على الابن لتحريمها عليه ، ولا يتهم الأب أنه أراد أن يكون عبدا لابنه ، كما لو قطع له عضوا لكان في رقبته ، وكذلك وطؤه لأمته البكر عليه ما نقصها ، ولا يلزمه من الثيب شيء ، قال ابن عبد الحكم : إن وطئ نصراني أم ولد ولده النصراني وأسلما عتقت على الولد لتحريمها عليه ، ولا قيمة على الوالد ; لأن الولد لو وطئها بعد وطء أبيه لم يمتنع في نصرانيتهما ، ولو كانت أمة فأسلمت وهي حامل فليعتق ما في بطنها على أخيه ، ولا يقوم على الأب وهي أمة للابن ، ومن وطئ مدبرة ابنه فحملت ضمن قيمتها أمة وتكون أم ولد الأب ، وإن لم تحمل وقفت القيمة إن مات الابن ، وحملها الثلث رجعت القيمة للأب ، وإن لحقه دين برقها كانت للأب بالقيمة الأولى ، قال محمد : وإن زوج أمته وقال : هي ابنتي فولدت لم يحد ، ولحق الولد بالزوج بقيمته ، ولا تكون أم ولد بل زوجة ، إن شاء فارقها وعليه قدر ما يستحل به فرجها ، ورجع ببقية الصداق على سيدها ; لأنه غره . أو ثبتت على النكاح بالصداق المسمى وما ولدت قبل وتلزم قيمتهم ، وما ولدت بعد علمه ورضاه فرقيق للسيد ; لأن الولد يتبع أمه في الحرية والرقية ، وإن زوجه ابنته [ ص: 337 ] وأدخل عليه جاريته فولدت فهي له أم ولد ، وتلزمه قيمتها يوم الحمل دون ولدها كمن أحل جاريته ، وسواء علم الزوج قبل الوطء أنها غير زوجته أم لا ، لا يحد ، وتلزمه قيمتها حملت أم لا ، وتكون ملكا له ، قال محمد : إن وطئ الموصى له الموصى بها قبل موت الموصي ثم مات ودفعت له ، هو زان ويحد ، ولا يلحقه النسب ; لأن الوصية لا تملك إلا بعد الموت ، فإن وطئها بعد الموت والدين يغترقها فلا حد عليه ، ويلحقه الولد ، وإن كان موسرا غرم قيمتها وكانت له أم ولد أو معدما بيعت بعد الوضع دون ولدها ، وأتبع بقيمته كالابن يطأ من تركة أبيه ، والدين يغترقها ; لأن الدين ليس في عين الجارية ، والإرث والوصية في عينها ، قال اللخمي : إذا زوجها السيد ووطئها هو والزوج قبل الاستبراء وأتت بولد لستة أشهر فأكثر فثلاثة أقوال : تدعى له القافة قاله مالك ، وعن ابن القاسم : هو الثاني ، وإن كان بين الوطئين يوم ، وقال ابن مسلمة : للأول لأنه صحيح والثاني فاسد ، وإن صح النكاح لوقوعه بعد الاستبراء ، وأصاب الزوج ثم السيد في طهر قال مالك : لحق بالزوج ، وفرق بين تقدم الملك فتدعى له القافة أو تقدم النكاح فهو للأول ، وإذا قلنا للأول ففي مقدار الفصل بين الوطئين شهر لأصبغ ، وللمغيرة قدر ما لا يحمل له النساء ، وإذا وطئ أمة عبده وعليه دين يغترقها غرم قيمتها للغرماء فإن كان معسرا وقيمتها وقيمة العبد سواء بيع العبد في قيمتها ، وإن كان ثمنه يفي بنصف قيمتها بيع لهم نصفها في باقي الدين ، فإن وطئ مكاتبة عبده ولم تحمل بقيت على كتابتها ، ولا يحد لشبهة الملك ، وإن حملت خيرت بين الكتابة والتعجيز وتكون أم ولد ، ويختلف إذا وطئ أم ولد ابنه في عتقها على الابن وتغريم القيمة وصفة القيمة فقيل : لا تعتق وإن حرم الوطء وهو على الخلاف في تزويجها فمن أجازه لم [ ص: 338 ] يعتقها ; لأنه بقي له عوض البضع بالزواج وإن جنى عليها انتفع بقيمتها ، وإن ولدت حرمه ولدها فما لزم ثمن التحريم عدم النفع ، والصحيح : العتق لندرة هذه الأمور ، وإن وطئ معتقة إلى أجل لولده فلم تحمل : لم يكن عليه شيء ; لأنها محرمة على الابن قبل الوطء كالمكاتبة ، وإن حملت فلا شيء عليه لئلا ينتقل الولاء ، ويعتق الولد على أخيه .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية