الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        825 [ ص: 161 ] ( 37 ) باب ركعتي الطواف

                                                                                                                        788 - مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أنه كان لا يجمع بين السبعين . لا يصلي بينهما ، ولكنه صلى بعد كل سبع ركعتين . فربما صلى عند المقام أو عند غيره 17177 - وسئل مالك عن الطواف ، إن كان أخف على الرجل أن يتطوع به ، فيقرن بين الأسبوعين أو أكثر ، ثم يركع ما عليه من ركوع تلك السبوع ؟ قال : لا ينبغي ذلك . وإنما السنة أن يتبع كل سبع ركعتين .

                                                                                                                        17178 - قال مالك ، في الرجل يدخل في الطواف فيسهو حتى يطوف ثمانية أو تسعة أطواف . قال : يقطع ، إذا علم أنه قد زاد . ثم يصلي ركعتين . ولا يعتد بالذي كان زاد . ولا ينبغي له أن يبني على التسعة ، حتى يصلي سبعين جميعا ، لأن السنة في الطواف ، أن يتبع كل سبع ركعتين .

                                                                                                                        17179 - قال مالك : ومن شك في طوافه ، بعدما يركع ركعتي الطواف ، فليعد ، فليتمم طوافه على اليقين . ثم ليعد الركعتين ، لأنه لا صلاة لطواف ، إلا بعد إكمال السبع .

                                                                                                                        17180 - ومن أصابه شيء بنقض وضوئه ، وهو يطوف بالبيت ، أو يسعى .

                                                                                                                        [ ص: 162 ] بين الصفا والمروة
                                                                                                                        ، أو بين ذلك . فإنه من أصابه ذلك ، وقد طاف بعض الطواف ، أو كله ، ولم يركع ركعتي الطواف ، أنه يتوضأ . ويستأنف الطواف والركعتين . وأما السعي بين الصفا والمروة . فإنه لا يقطع ذلك عليه ، ما أصابه من انتقاض وضوئه . ولا يدخل السعي إلا وهو طاهر بوضوء .

                                                                                                                        [ ص: 163 ] [ ص: 164 ] [ ص: 165 ] [ ص: 166 ]

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        [ ص: 163 ] [ ص: 164 ] [ ص: 165 ] [ ص: 166 ] 17181 - قال أبو عمر : أما فعل عروة ( رحمه الله ) أنه كان لا يجمع بين السبعين . . إلى آخر خبره المذكور في أول هذا الباب ; فالسنة المجتمع عليها في الاختيار أن يتبع كل سبوع ركعتين ، وعلى هذا جمهور العلماء .

                                                                                                                        17182 - قال ابن وهب ، عن مالك : السنة التي لا اختلاف فيها ولا شك ، والذي اجتمع عليه المسلمون أن مع كل سبوع ركعتين .

                                                                                                                        17183 - وقال أشهب : سئل مالك عمن طاف سبعين ثم ركع لهما ؟ فقال : ما أحبه ، وما ذلك من عمل الناس .

                                                                                                                        17184 - وكره الثوري أن يجمع بين سبوعين .

                                                                                                                        17185 - وكرهه أيضا أبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وأكثر أهل العلم .

                                                                                                                        17186 - وقد كان بعض السلف يقرن الأسابيع ، منهم : عائشة أم المؤمنين ، والمسور بن مخرمة ، ومجاهد .

                                                                                                                        [ ص: 167 ] 17187 - ذكر ابن عيينة ، قال : حدثني محمد بن السائب ، عن أبيه ، أن عائشة كانت تطوف ثلاثة أسابيع تفرق بينها ، وتركع لكل سبوع ركعتين .

                                                                                                                        17188 - وذكر شعبة ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد : أنه كان لا يرى بأسا أن يطوف الرجل ثلاثة أسابيع أو خمسة ، وما كان وترا ، ويصلي لكل أسبوع ركعتين ويجمعهن ، وكان يكره سبعين أو أربعا .

                                                                                                                        17189 - وقال أبو يوسف أيضا .

                                                                                                                        17190 - وكان المسور بن مخرمة يفرق بين الأسبوعين .

                                                                                                                        17191 - قال أبو عمر : الحجة لمن كره ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين . وقال : ( خذوا عني مناسككم ) ; فينبغي [ ص: 168 ] الاقتداء به ، والانتهاء إلى ما سنه ، صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        17192 - وعلة من أجاز ذلك أنها صلاة ليس لها وقت فيتعدى ، والطواف لا وقت له أيضا فحسبه أن يأتي من الطواف بما شاء ، ويركع لكل أسبوع ركعتين قياسا على من كانت عليه كفارتان في وقتين يجمعهما في وقت واحد .

                                                                                                                        17193 - وأما كراهة مجاهد الجمع بين السبعين وإجازته ثلاثة أسابيع إنما ذلك - والله أعلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف إلى الركعتين بعد وتر من طوافه .

                                                                                                                        [ ص: 169 ] ومن طاف أسبوعين لم ينصرف على وتر ، فلذلك أجاز أن يطوف ثلاثة أسابيع وخمسة وسبعة ، ولم يجز اثنين .

                                                                                                                        17194 - قال أبو عمر : ثبتت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين . وأجمعوا على قول ذلك .

                                                                                                                        [ ص: 170 ] 17195 - وأجمعوا أيضا على أن الطائف يصلي الركعتين حيث شاء من المسجد ، وحيث أمكنه ، وأنه إن لم يصل عند المقام أو خلف المقام فلا شيء عليه .

                                                                                                                        17196 - واختلفوا فيمن نسي ركعتي الطواف حتى خرج من الحرم أو رجع إلى بلاده ، فقال مالك : إن لم يركعهما حتى يرجع إلى بلده فعليه هدي .

                                                                                                                        17197 - وقال الثوري : يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم .

                                                                                                                        17198 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : يركعهما حيث ما ذكر من حل أو حرم .

                                                                                                                        17199 - وحجة مالك في إيجاب الدم في ذلك قول ابن عباس : من نسي من نسكه شيئا فليهرق دما . وركعتا الطواف من النسك .

                                                                                                                        17200 - وحجة من أسقط الدم في ذلك أنها صلاة تقضى متى ذكرت لقوله ، صلى الله عليه وسلم : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " ; وليستا بأوكد من المكتوبة ، ولا مدخل للدم عندهم .

                                                                                                                        17201 - وأما قول مالك في الرجل يدخل الطواف فيسهو حتى يطوف ثمانية أطواف أو تسعة فإنه يقطع ويركع ركعتين ، ولا يعتد بالذي زاد ، ولا يبني عليه ، فهذه مسألة اختلف الفقهاء فيها : 17202 - فقول أبي حنيفة ، ومحمد ، في ذلك كقول مالك .

                                                                                                                        [ ص: 171 ] 17203 - وبه قال أبو ثور .

                                                                                                                        17204 - وهو الأولى قياسا على صلاة النافلة فيهن يبني ، ويسلم في ركعتين ، فإذا قام إلى ثالثة وعمل فيها ثم ذكر ، رجع إلى الجلوس ، وتشهد وسلم وسجد .

                                                                                                                        17205 - وقال الثوري : إن بنى على الطواف والطوافين أسبوعا آخر فلا بأس ، ولا أحبه .

                                                                                                                        17206 - واستحب الشافعي في ذلك ما قاله مالك ، ولم يخرج عنده سهو الساهي إذا بنى .

                                                                                                                        17207 - وأما قوله : ( من شك في طوافه بعدما يركع ركعتي الطواف فليعد ، فليتم طوافه على اليقين ، ثم ليعد الركعتين ، لأنه لا صلاة لطواف إلا بعد إكمال السبع ) ، فقد احتج مالك للمسألة بما لا ريبة فيه ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من شك أثلاثا صلى أم أربعا فليبن على يقين ، وليأت بركعة ) .

                                                                                                                        17208 - ولا خلاف أن الركعتين لا تكونان إلا بعد السبعة الأطواف .

                                                                                                                        17259 - وأما قوله : " من أصابه شيء ينقض وضوءه ، إلى آخر قوله ; فالسنة المجتمع عليها أنه لا ينبغي أن يكون الطواف إلا على طهارة لقوله - عليه السلام - للحائض من نسائه : ( اقض ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي ) .

                                                                                                                        [ ص: 172 ] 17210 - هذا هو الاختيار عندهم .

                                                                                                                        17211 - واختلفوا فيمن طاف على غير طهارة ، فجملة قول مالك في ذلك أنه قاسها على من صلى على غير وضوء .

                                                                                                                        17212 - وقال مالك : لا يطاف إلا في ثوب طاهر وعلى طهارة ، فإن أحدث في الطواف توضأ ، واستقبل إذا كان الطواف واجبا عليه أو من سنن الحج وأما الطواف التطوع فإنه إن أراد تمامه استأنف الوضوء له .

                                                                                                                        17213 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : إن ذكر الذي طاف الطواف [ ص: 173 ] الواجب أو المسنون أنه كان على غير طهارة ذلك اليوم أو جنبا له الإعادة ، وعليه دم .

                                                                                                                        17214 - وقال محمد : ليس عليه إعادة الطواف ، وإن طاف كان حسنا ، والدم على كل حال لا يسقطه عنه إعادة الطواف .

                                                                                                                        17215 - وقال الشافعي : إذا طاف في ثوب نجس وإن كان حسنا فالدم عليه على كل حال .

                                                                                                                        17216 - وقال : أو على جسده شيء من نجاسة أو في نعله نجاسة لم يعتد بما طاف بتلك الحال كما لا يعتد بالصلاة في ذلك ، وكان في حكم من لم يطف .

                                                                                                                        17217 - قال : والطائف بالبيت في حكم المصلي في الطهارة خاصة .

                                                                                                                        17218 - ولا يرى الشافعي في الطواف تطوعا على من قطعه عليه الحدث أو قطعه عامدا أعاده كالصلاة النافلة عنده ، ولا يحل عنده الطواف التطوع ولا صلاة التطوع إلا على طهارة .

                                                                                                                        17219 - وقال أبو ثور : إذا طاف على غير وضوء ، أو في ثوبه بول ، أو قذر ، أو دم كثير فأخشى وهو يعلم لم يجزه ذلك ، وإن كان لا يعلم أجزاه طوافه .

                                                                                                                        17220 - وقال أحمد ، وإسحاق : لا يجوز طواف إلا على طهارة .

                                                                                                                        [ ص: 174 ] 17221 - وقال إبراهيم النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، ومنصور بن المعتمر ، والأعمش : يجزي الطواف على غير طهارة .

                                                                                                                        17222 - روى شعبة عن منصور ، وحماد ، والأعمش في الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة لم يروا بذلك بأسا .

                                                                                                                        17223 - قال الأعمش : أحب إلي أن يطوف على طهارة .

                                                                                                                        17224 - قال أبو عمر : من أجاز الطواف على غير طهارة قاسه على إجماع العلماء في السعي بين الصفا والمروة أنه جائز على غير طهارة ، ومن لم يجزه إلا على طهارة احتج بما تقدم من قوله ، عليه السلام : " تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت " . وقوله وقول أصحابه ( الطواف بالبيت صلاة ) ، وهو مرتبط بالبيت بعده ولا خلاف بينهما أنها لا تجزي على غير طهارة .

                                                                                                                        17225 - وأما قول مالك " أنه لا يدخل السعي إلا بطواف " فهذا اختيار منه لمن صح له طوافه على طهارة .




                                                                                                                        الخدمات العلمية