الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        569 530 - مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس فيها من جدعاء " قالوا : يا رسول الله أرأيت الذي يموت وهو صغير ؟ قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        [ ص: 371 ] 11932 - وروي هذا الحديث عن النبي ( عليه السلام ) من وجوه صحاح ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره .

                                                                                                                        11933 - ممن رواه عن أبي هريرة عبد الرحمن الأعرج ، وسعيد بن المسيب ، وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف ، وأبو صالح السمان ، وسعيد بن أبي سعيد ، ومحمد بن سيرين .

                                                                                                                        11934 - ولم يروه مالك عن ابن شهاب فيما علمت ، وليس فيه غير روايته عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، واختلف أصحاب ابن شهاب عنه فيه على ما قد ذكرناه عنهم في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        [ ص: 372 ] 11935 - وزعم الذهلي أن الطرق فيه عن ابن شهاب صحاح كلها .

                                                                                                                        11936 - وأما قوله في حديث مالك وغيره في هذا الحديث : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه . . " الحديث ، فإن أهل العلم اختلفوا في معنى قوله " كل مولود " .

                                                                                                                        11937 - فقالت طائفة من الذاهبين إلى أن الفطرة الإيمان والإسلام : ليس في قوله " كل مولود " ما يقتضي العموم ، لأن المعنى في ذلك أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام فإن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .

                                                                                                                        11938 - قالوا : وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين مولودون على الفطرة ، بل المعنى أن المولود على الفطرة بين الأبوين الكافرين محكوم له بحكمهما في كفرهما حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ مبلغ من يكسب على نفسه .

                                                                                                                        11939 - وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له [ ص: 373 ] بحكمهما ما دام لم يحتلم فإذا بلغ ذلك كان حكم نفسه .

                                                                                                                        11940 - واحتج قائلو هذه المقالة بحديث أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا " .

                                                                                                                        11941 - وبحديث : أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا إن بني آدم خلقوا طبقات ، فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا .

                                                                                                                        11942 - وقد ذكرنا خبر أبي بن كعب وخبر أبي سعيد الخدري من طرق في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        11943 - قالوا : ففي حديث أبي وحديث أبي سعيد ما يدل على أن المعنى في قوله " كل مولود يولد على الفطرة أبواه نصرانيان أو يهوديان فأبواه يهودانه أو [ ص: 374 ] ينصرانه " أي يحكم له بحكمهما في الميراث وفي دفنه مع أبويه ونحو ذلك ما دام صغيرا ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه .

                                                                                                                        11944 - قالوا : وألفاظ الحفاظ على نحو حديث مالك هذا .

                                                                                                                        11945 - ودفعوا رواية من روى كل بني آدم يولد على الفطرة .

                                                                                                                        11946 - قالوا : ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه حجة لما ذكرنا ، لأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب .

                                                                                                                        11947 - ألا ترى قوله تعالى : " تدمر كل شيء بأمر ربها " الأحقاف 25 ولم تدمر السماوات والأرض .

                                                                                                                        11948 - وقوله : " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " الأنعام 44 " ولم يفتح عليهم أبواب جهنم ومثله كثير .

                                                                                                                        11949 - وذكروا من ألفاظ الحديث في ذلك رواية الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " .

                                                                                                                        11950 - وقد ذكرنا اختلاف ألفاظ ابن شهاب فيه في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        11951 - ومما احتجوا به أيضا ما رواه أبو رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب في الحديث الطويل حديث الرؤيا وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وأما الرجل [ ص: 375 ] الطويل الذي في الروضة فإبراهيم وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة " .

                                                                                                                        11952 - وقال آخرون : كل مولود من بني آدم فهو يولد على الفطرة أبدا وأبواه يحكم له بحكمهما ، وإن كان قد ولد على الفطرة حتى يكون ممن يعبر عنه لسانه .

                                                                                                                        11953 - قالوا : والدليل على أن المعنى ما وصفنا رواية من روى كل بني آدم يولد على الفطرة ، وما من مولود إلا ويولد على الفطرة وحق الكلام أن يحمل على عمومه .

                                                                                                                        11954 - حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ قال : أخبرنا مطلب بن شعيب قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا الليث قال : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل بني آدم يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه . . " الحديث . على نحو ما ذكره مالك .

                                                                                                                        [ ص: 376 ] 11955 - وكذلك رواه خالد الواسطي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل بني آدم يولد على الفطرة " .

                                                                                                                        11956 - ورواه الليث بالإسناد المتقدم قال : حدثني يونس عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء " .

                                                                                                                        11957 - ثم قال أبو هريرة : اقرءوا " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم
                                                                                                                        " الروم 30 .

                                                                                                                        11958 - وذكروا حديث سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الرؤيا فيه : " والشيخ الذي في أصل الشجرة إبراهيم ( عليه السلام ) والولدان حوله أولاد الناس " .

                                                                                                                        11959 - فقالوا : هذه الأحاديث تدل ألفاظها على أن المعنى في حديث مالك وما كان مثله ليس كما تأوله المخالف على ما ذكرنا عنه ، بل الجميع من أولاد الناس مولودون على الفطرة .

                                                                                                                        11960 - قال أبو عمر : الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلف العلماء فيها واضطربوا في معناها وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة وادعت كل فرقة منهم في ذلك ظاهر آية أو ظاهر سنة ، وسنبين ذلك كله ونوضحه ونذكر ما فيه من الآثار والأقوال عن السلف والخلف إن شاء الله .

                                                                                                                        11961 - قد سأل أبو عبيد القاسم بن سلام محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي حنيفة عن معنى هذا الحديث ، فما أجابه فيه بأكثر من أن قال : كان هذا القول من [ ص: 377 ] النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد .

                                                                                                                        11962 - قال أبو عبيد وقال ابن المبارك : يفسره آخر الحديث الله أعلم بما كانوا عاملين .

                                                                                                                        11963 - هذا ما ذكره أبو عبيد في تفصيل قوله " كل مولود يولد على الفطرة . . " الحديث . عن محمد بن الحسن وابن المبارك ولم يزد في ذلك عنهما ولا عن غيرهما .

                                                                                                                        11964 - وأما ما ذكره عن ابن المبارك ، فقد روي عن مالك نحو ذلك ، وليس فيه مقنع من التأويل ولا شرح مذهب في أمر الأطفال ولكنها جملة تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو إيمان أو جنة أو نار ما لم يبلغوا .

                                                                                                                        11965 - وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظنه حاد عن الجواب إما لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهة الخوض في ذلك .

                                                                                                                        11966 - وأما قوله : إن ذلك القول كان من النبي ( عليه السلام ) قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ، فليس كما قال ، ليس في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد وقد ذكرناه بإسناده في ( التمهيد ) من طريق الحسن والأحنف جميعا عن الأسود بن سريع .

                                                                                                                        11967 - وروى عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على الفطرة " فناداه الناس : يا رسول الله ، وأولاد المشركين قال : " وأولاد المشركين " .

                                                                                                                        [ ص: 378 ] 11968 - قال أبو عمر : أما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث ، فقال جماعة من أهل العلم والنظر : أريد بالفطرة المذكورة في هذا الحديث الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه فكأنه قال : كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك .

                                                                                                                        11969 - واحتجوا على أن الفطرة الخلقة والفاطر الخالق بقوله ( عز وجل ) : " فاطر السماوات والأرض " فاطر 1 يعني خالقهن .

                                                                                                                        11970 - وقوله : " وما لي لا أعبد الذي فطرني " يس 22 يعني خلقني وما كان مثله من آي القرآن .

                                                                                                                        11971 - وأنكروا أن يكون المولود فطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار .

                                                                                                                        11972 - وقالوا : إنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وبنية وطبعا ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقدون الإيمان أو الكفر بعد إذ ميزوا .

                                                                                                                        11973 - واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : " كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء - يعني سالمة - هل تحسون فيها من جدعاء " يعني مقطوعة الأذن ، فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ولا آفة ثم تقطع آذانها بعد وتشق وتثقب أنوفها ، ويقال : هذه بحائر وهذه سوائب وكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم سالمة ليس لهم كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار ، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين وكفر أكثرهم وعصم الله أقلهم .

                                                                                                                        [ ص: 379 ] 11974 - قالوا : ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر أو الإيمان في أولية أمرهم ما انتقلوا عنه أبدا كما لا ينتقلون عن خلقتهم ، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون ويكفرون ثم يؤمنون .

                                                                                                                        11975 - قالوا : ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا ، لأن الله عز وجل أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا .

                                                                                                                        11976 - قال أبو عمر : هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها والله أعلم .

                                                                                                                        11977 - وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة ، بدليل حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه ، عز وجل : " إني خلقت عبادي حنفاء " يعني على استقامة وسلامة .

                                                                                                                        11978 - والحنيف في كلام العرب : المستقيم السالم .

                                                                                                                        11979 - وإنما قيل للأعرج أحنف على جهة التفاؤل كما قيل للقفر مفازة .

                                                                                                                        11980 - فكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها من المعاصي والطاعات بلا طاعة منهم ولا معصية إذ لم يعملوا بشيء من ذلك .

                                                                                                                        11981 - ألا ترى إلى قول موسى - عليه السلام - في الغلام الذي قتله الخضر " أقتلت نفسا زكية بغير نفس " { الكهف 74 } لما كان عنده أن من لم يبلغ لم يكسب الذنوب .

                                                                                                                        [ ص: 380 ] 11982 - وقد زدنا هذا المعنى بيانا وحجة في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        11983 - وقال آخرون : الفطرة هاهنا الإسلام ، قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل .

                                                                                                                        11984 - قالوا في قول الله ، عز وجل : " فطرة الله التي فطر الناس عليها " { الروم 30 } يعني الإسلام .

                                                                                                                        11985 - واحتجوا بحديث أبي هريرة : " اقرءوا إن شئتم : " فطرة الله التي فطر الناس عليها " { الروم : 30 } " .

                                                                                                                        11986 - وذكروا عن عكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، وإبراهيم ، والضحاك ، وقتادة قالوا : " فطرة الله التي فطر الناس عليها " } الروم 30 { دين الله الإسلام .

                                                                                                                        11987 - " لا تبديل لخلق الله " { الروم 30 } قالوا لدين الله .

                                                                                                                        11988 - واحتجوا أيضا بحديث محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الله بن عائذ الأزدي عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما : " ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب ، إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين . . " الحديث بطوله .

                                                                                                                        11989 - وكذلك رواه بكر بن مجاهد عن ثور بن يزيد بإسناده ، وقال فيه : [ ص: 381 ] حنفاء المسلمين ، وقد ذكرناه بإسناده في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        11990 - ورواه قتادة عن مطرف بن الشخير عن عياض بن حمار ولم يسمعه قتادة من مطرف لأن همام بن يحيى روى عن قتادة قال : لم أسمعه من مطرف ، ولكنه حدثني ثلاثة : عقبة بن عبد الغافر ، ويزيد بن عبد الله بن الشخير ، والعلاء بن يزيد كلهم يقول : حدثنا مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ، قال فيه : " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم " ، لم يقل مسلمين .

                                                                                                                        11991 - وكذلك رواه عوف الأعرابي عن الحسن عن مطرف عن عياض بن حمار ولم يقل فيه مسلمين وإنما قال حنفاء فقط .

                                                                                                                        11992 - وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عنده عن قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه : " إني خلقت عبادي كلهم حنفاء " وساق الحديث ولم يقل فيه مسلمين .

                                                                                                                        11993 - فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه أنه ذكر مسلمين في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث وأسقطه من رواية قتادة .

                                                                                                                        11994 - وكذلك رواه شعبة ، وهشام ، ومعمر عن قتادة عن مطرف عن عياض عن النبي ( عليه السلام ) يقولون فيه مسلمين .

                                                                                                                        11995 - وقد اختلف العلماء في تأويل قوله تعالى " حنفاء " فروي عن الضحاك وذي اليدين في قوله " حنفاء " قالا : حجاجا .

                                                                                                                        [ ص: 382 ] 11996 - روي عن الحسن قال : الحنيفية حج البيت .

                                                                                                                        11997 - وعن مجاهد قال : حنفاء متبعين .

                                                                                                                        11998 - هذا كله يدل على أن الحنيفية الإسلام ويشهد أن ذلك قوله : " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما " آل عمران 67 .

                                                                                                                        11999 - وقال : " هو سماكم المسلمين من قبل " الحج 78 .

                                                                                                                        12000 - قالوا : أول من تسمى مسلما ، وسمى من اتبعه المسلمين ( إبراهيم ) عليه السلام .

                                                                                                                        12001 - في الحديث : " خلقت عبادي حنفاء " أي سالمين من آفات الجحد والإنكار والكفر .

                                                                                                                        12002 - قالوا : فلا وجه لإنكار من أنكر رواية من روى : حنفاء مسلمين .

                                                                                                                        12003 - قال أبو عمر : يعني - والله أعلم - موحدين لا على دين إبراهيم في شريعته ، بل على دين إبراهيم في نفي الشرك ودفع عبادة الأوثان وكل ما يعبد من دون الله ثم بعث الله نبيهم بالإسلام دين إبراهيم وشرع له منهاجا ارتضاه ، ليس له منه شيء ينفي دين إبراهيم والمسلمون كلهم حنفاء على الاتساع .

                                                                                                                        12004 - قال الشاعر ، وهو الراعي :


                                                                                                                        أخليفة الرحمن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله في أموالنا
                                                                                                                        حق الزكاة منزلا تنزيلا

                                                                                                                        .

                                                                                                                        12005 - فهذا قد وصف الحنيفية بالإسلام بإسناد .

                                                                                                                        [ ص: 383 ] 12006 - وقد قيل : الحنيف من كان على دين إبراهيم ، ثم سمي من كان يختتن ويحج البيت في الجاهلية حنيفا .

                                                                                                                        12007 - والحنيف اليوم : المسلم ، ويقال : إنما سمي إبراهيم حنيفا لأنه كان حنف عما كان يعبد أبوه وأمه من الآلهة إلى عبادة الله ، أي عدل عن ذلك ومال .

                                                                                                                        12008 - وأصل الحنف : ميل من إبهامي القدمين كل واحدة على صاحبتها .

                                                                                                                        12009 - واحتجوا بقوله ( عليه السلام ) : " إنها خمس من الفطرة وعشر من الفطرة " يعني من سنن الإسلام .

                                                                                                                        12010 - وممن ذهب إلى أن الفطرة في معنى هذا الحديث الإسلام أبو هريرة وابن شهاب .

                                                                                                                        12011 - قال الأوزاعي : سألت الزهري عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه وهو يرضع ؟ قال : نعم . لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام .

                                                                                                                        12012 - وعلى هذا الفعل يكون في الحديث قوله : من بهيمة جمعاء هل تحسون من جدعاء ؟ يقول : خلق الطفل سليما من الكفر مؤمنا مسلما على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم ( عليه السلام ) حين أخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم : " ألست بربكم قالوا بلى " الأعراف 172 .

                                                                                                                        12013 - قال أبو عمر : يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة في الحديث الإسلام ، لأن الإسلام والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح لا يجهل ذلك أحد ، والفطرة لها معان ووجوه من كلام العرب ، وإنما أجزأ الطفل المرضع عند من أجاز عتقه في الرقاب الواجبة لأن حكمه حكم أبويه ، وخالفهم آخرون [ ص: 384 ] فقالوا : لا يجزئ في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى .

                                                                                                                        12014 - وقال آخرون : معنى قوله ( عليه الصلاة والسلام ) : " كل مولود يولد على الفطرة " يعني : على البداية التي ابتدأهم عليها ، أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم بالحياة للموت وللشقاء والسعادة إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من ميولهم عن آبائهم واعتقادهم ما لا بد من مصيرهم إليه .

                                                                                                                        12015 - قالوا : والفطرة في كلام العرب البدأة والفاطر المبدئ والمبتدئ ، فكأنه قال : كل مولود يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة مما يصير إليه .

                                                                                                                        12016 - وذكروا عن ابن عباس قال : لم أكن أدري ما " فاطر السماوات والأرض " فاطر 1 حتى أتانا أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأتها .

                                                                                                                        12017 - واحتجوا بقول الله ( عز وجل ) : " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " 29 ، 30 من سورة الأعراف .

                                                                                                                        12018 - وذكروا ما يروى عن علي بن أبي طالب في بعض دعائه " اللهم جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها " .

                                                                                                                        12019 - قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي : وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد في قوله عن عبد الله بن المبارك في قوله " كل مولود يولد على الفطرة " أنه قال : يفسره آخر الحديث حين سئل عن أولاد المشركين فقال : الله [ ص: 385 ] أعلم بما كانوا عاملين .

                                                                                                                        12020 - قال المروزي : قد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه .

                                                                                                                        12021 - قال أبو عمر : ما رسمه مالك في الموطأ ، وذكره في أبواب القدر منه يدل على أن مذهبه نحو ذلك والله أعلم .

                                                                                                                        12022 - وقد ذكرنا في ( التمهيد ) عن سعيد بن جبير عن محمد بن كعب القرظي ومجاهد وغيرهم في قول الله ( عز وجل ) : " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " الأعراف 29 ، 30 قالوا : شقيا وسعيدا .

                                                                                                                        12023 - وقال بعضهم : يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا .

                                                                                                                        12024 - وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية " كما بدأكم تعودون " 29 من سورة الأعراف قالوا : عادوا إلى علمه فيهم " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " من سورة الأعراف .

                                                                                                                        12025 - وقال محمد بن كعب : من ابتدأ الله خلقه للضلالة سيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى ، ومن ابتدأ الله ( عز وجل ) خلقه على الهدى سيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال أهل الضلالة . ابتدأ خلق إبليس على الضلالة [ ص: 386 ] وعمل بعمل السعداء مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة .

                                                                                                                        12026 - قال : وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل أهل الضلالة ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها .

                                                                                                                        12027 - وقال محمد بن كعب في قول الله تعالى : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " { 172 من سورة الأعراف } يقول : فأقرت له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل أن تخلق أجسادها .

                                                                                                                        12028 - واحتجوا أيضا بحديث عمر بن الخطاب من رواية مالك وغيره أنه سئل عن هذه الآية : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " { 172 من سورة الأعراف } الحديث على ما في الموطأ .

                                                                                                                        12029 - قال أبو عمر : ليس في قوله " كما بدأكم تعودون " 29 من سورة الأعراف ، ولا في أن الله ( عز وجل ) يختم للعبد بما قضاه له وقدر عليه حين أخرج ذرية آدم من ظهره دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أو كافرا بما شهدت به العقول إنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا .

                                                                                                                        [ ص: 387 ] 12030 - والحديث الذي جاء أن الناس خلقوا طبقات ، فمنهم من يولد مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا على حسب ما تقدم ذكره في هذا الباب ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها لأنه انفرد به علي بن زيد بن جدعان ، وقد كان شعبة يقول فيه كان رفاعا .

                                                                                                                        12031 - على أنه يحتمل قوله " يولد مؤمنا " أي : يولد ليكون مؤمنا ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه والعرب تسمي الشيء باسم ما يئول إليه .

                                                                                                                        12032 - وليس في قوله في الحديث " خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار " أكثر من مراعاة ما يختم به لهم لأنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارا أو يفعل كفرا أو إيمانا .

                                                                                                                        12033 - وقال آخرون : معنى قوله ( عليه الصلاة والسلام ) : " كل مولود يولد على الفطرة " أن الله قد فطرهم على الإنكار والمعرفة والكفر والإيمان فأخذ من ذرية آدم ميثاقا حين حلفهم فقال ( ألست بربكم ؟ ) قالوا جميعا : بلى .

                                                                                                                        12034 - فأما أهل السعادة فقالوا : بلى على معرفة به طوعا من قلوبهم ، وأما أهل الشقاء فقالوا : بلى كرها لا طوعا .

                                                                                                                        12035 - قال : وتصديق ذلك قوله تعالى : " وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " آل عمران .

                                                                                                                        12036 - وكذلك قوله تعالى : " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " الأعراف 29 ، 30 .

                                                                                                                        [ ص: 388 ] 12037 - قال المروزي : سمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج بقول أبي هريرة : اقرءوا إن شئتم " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " الروم 30 .

                                                                                                                        12038 - قال إسحاق : يقول لا تبديل لخلقته التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار .

                                                                                                                        12039 - واحتج إسحاق أيضا بقوله ( عز وجل ) : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " { الأعراف 172 } .

                                                                                                                        12040 - قال إسحاق : أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد ، فاستنطقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، فقال : انظروا أن لا تقولوا " إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " { الأعراف 172 ، 173 } .

                                                                                                                        12041 - واحتج إسحاق أيضا بحديث أبي بن كعب مرفوعا في الغلام الذي قتله الخضر أنه كان طبع كافرا ، وبأن ابن عباس كان يقرأ ( وأما الغلام فكان كافرا ) .

                                                                                                                        12042 - وقد ذكرنا ما للعلماء في تأويل قول الله ( عز وجل ) : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        12043 - وسئل حماد بن سلمة عن قوله ( عليه السلام ) : " كل مولود يولد على الفطرة " فقال : هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم من أصلاب آبائهم .

                                                                                                                        [ ص: 389 ] 12044 - وهو نحو ما تقدم من قول إسحاق .

                                                                                                                        12045 - وقد كان أحمد حينا يقول به وحينا يحيد عنه .

                                                                                                                        12046 - وقد تقصينا عن العلماء أهل الأثر الآثار الشاهدة لأقوالهم في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        12047 - وأما أهل البدع فمنكرون لما قاله العلماء في تأويل قول الله ( عز وجل ) : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " { الأعراف 172 } .

                                                                                                                        12048 - قالوا : ما أخذ الله من آدم وذريته شيئا قط قبل خلقه إياهم وما خلقهم قط إلا في بطون أمهاتهم وما استخرج قط من ذرية آدم دونه مخاطب ولو كان ذلك لأحياهم ثلاث مرات .

                                                                                                                        12049 - قالوا : وكيف يخاطب الله من لا يعقل ؟ وكيف يجيب من لا عقل له ؟ وكيف يحتج عليهم بميثاق لا يذكرونه ؟ وهو ( تعالى ذكره ) لا يؤاخذهم بما نسوا .

                                                                                                                        12050 - قالوا : ولا نجد أحدا يذكر له أنه عرض له أو كان منه .

                                                                                                                        12051 - قالوا : وإنما أراد الله ( عز وجل ) بقوله : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " { الأعراف 172 } إخراجه إياهم في الدنيا وخلقه لهم ، وإقامته عليهم الحجة بأن فطرهم ونبأهم فطرة إذا بلغوا وعقلوا علموا أن الله ربهم وخالقهم .

                                                                                                                        [ ص: 390 ] 12052 - وقال بعضهم : أخرج الذرية قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر وأشهدهم على أنفسهم بما جعل في عقولهم مما تنازعهم فيه أنفسهم إلى الإقرار بالربوبية حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم " ألست بربكم قالوا بلى " الأعراف 172 .

                                                                                                                        12053 - وقال بعضهم : قال لهم ألست بربكم على ألسنة أنبيائه .

                                                                                                                        12054 - وكلهم يقولون : إن الحديث المأثور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس بتأويل للآية .

                                                                                                                        12055 - ثم اختلف القائلون بهذا كله في المعرفة هل تقع ضرورة أو اكتسابا ؟ ، وليس هذا موضع ذكر ذلك ولله الحمد .

                                                                                                                        12056 - وكل ما ذكرنا قد ذكره أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي فيما وصفنا في معنى الحديث المذكور وبالله التوفيق .



                                                                                                                        12057 - وأما اختلاف العلماء في الأطفال ، فقالت طائفة : أولاد الناس كلهم المؤمنين منهم والكافرين إذا ماتوا أطفالا صغارا ما لم يبلغوا في مشيئة الله ( عز وجل ) يصيرهم إلى ما شاء من رحمة أو عذاب ، وذلك كله عدل منه وهو أعلم بما كانوا عاملين .

                                                                                                                        12058 - وهو قول جماعة من أهل الأثر منهم حماد بن زيد ، وهو الذي يدل عليه موطأ مالك ، وهذا القول نسبه أهل الكلام إلى أهل الأخبار .

                                                                                                                        12059 - وحجة من ذهب إلى هذا حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل [ ص: 391 ] عن الأطفال فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

                                                                                                                        12060 - وحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ( عز وجل ) وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة ، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال : أذكر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ وما الرزق وما الأجل ؟ فيكتب في بطن أمه " .

                                                                                                                        12061 - وحديث ابن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق أن ابن آدم يمكث في بطن أمه أربعين يوما ثم يصير علقة أربعين يوما ثم يصير مضغة أربعين يوما ثم يبعث الله إليه ملكا ، فيقول : يا رب أذكر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ وما الأجل وما الأثر ؟ فيوحي الله ويكتب الملك حتى أن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيغلب عليه الكتاب الذي سبق فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيغلب عليه الكتاب الذي سبق فيعمل [ ص: 392 ] بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة .

                                                                                                                        12062 - وقد روى هذا المعنى جماعة من الصحابة ، وقد ذكرنا الآثار عنهم في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        12063 - وقد روي عن ابن عباس بالأسانيد الصحاح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

                                                                                                                        12064 - ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وطرقه عن أبي هريرة صحاح ثابتة ، وهي أثبت من جهة النقل من كل ما روي في هذه الأبواب وقد ذكرناها في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        12065 - ومن جهة من ذهب إلى هذا المذهب أيضا حديث عائشة قالت : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الأنصار ليصلي عليه فقلت : طوبى له .

                                                                                                                        [ ص: 393 ] عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه ذنب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلها وخلقهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلها وخلقهم في أصلاب آبائهم
                                                                                                                        " 12066 - وهو حديث رواه طلحة بن يحيى وفضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ، وليس ممن يعتمد عليه عند بعض أهل الحديث .

                                                                                                                        12067 - ومن حجتهم أيضا حديث ابن عباس عن أبي بن كعب أن رسول [ ص: 394 ] الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا " .

                                                                                                                        12068 - وهذا خبر لم يروه عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي مرفوعا إلا رقبة بن مسقلة وعبد الجبار بن عباس الهمداني ، ولم يرفعه شعبة والثوري .

                                                                                                                        12069 - وهو مذهب ابن عباس في كتابه إلى نجدة الحروري حيث قال له : وأما الغلمان فإن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم .

                                                                                                                        12070 - على أنه قد روي عن عكرمة وقتادة أن الذي قتله الخضر رجل وكان قاطع طريق .

                                                                                                                        12071 - وهذا خلاف ما يعرفه أهل اللغة في لفظ الغلام ، لأن الغلام عندهم هو الصبي الصغير يقع عليه عند بعضهم اسم الغلام من حين يفهم إلى سبع سنين وعند بعضهم يسمى غلاما وهو رضيع إلى سبع سنين ، ثم يصير يافعا ويفاعا إلى عشر سنين ، ثم يصير حزورا إلى خمس عشرة سنة .

                                                                                                                        12072 - واختلف في تسمية منازل سنه بعد ذلك إلى أن يصير هما فانيا كبيرا مما لا حاجة بنا إلى ذكره .

                                                                                                                        12073 - وقد ذكرنا آثار هذا الباب بأسانيدها وما كان من معنى طرقها في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        [ ص: 395 ] 12074 - وقال آخرون ( وهم الأكثر ) : أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في المشيئة .

                                                                                                                        12075 - ومن حجتهم حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من المسلمين من يموت له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وإياه الجنة بفضل رحمته تجاوبهم يوم القيامة ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة فيقولون : لا حتى يدخل آباؤنا فيقال لهم : ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي " .

                                                                                                                        12076 - ومعلوم أن من أدركته الرحمة من أجل غيره وشفع فيه غيره أنه قد كان مرحوما قبله وكان أرفع حالا وأسلم ممن شفع فيه .

                                                                                                                        12077 - وحديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلا جاء بابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتحبه ؟ " فقال : أحبك الله يا رسول الله كما أحبه فتوفي الصبي ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أين فلان ؟ " قالوا : يا رسول الله توفي ابنه ثم دخل الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ترضى أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاءه يسعى يفتحه لك " ، فقالوا : يا رسول الله أله وحده أم لنا كلنا ؟ قال : " بل لكم كلكم " .

                                                                                                                        12078 - رواه يحيى القطان ، وابن مهدي ، ومحمد بن جعفر ، وعلي بن [ ص: 396 ] الجعد وغيرهم عن شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        12079 - وحديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ابنه إبراهيم أن له مرضعا في الجنة .

                                                                                                                        12080 - وحديث أبي هريرة أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " صغاركم دعاميص الجنة " .

                                                                                                                        12081 - وحديث أبي هريرة أيضا : أولاد المسلمين في جبل تكفلهم سارة وإبراهيم فإذا كان يوم القيامة دفعوهم إلى آبائهم .

                                                                                                                        12082 - واحتجوا أيضا بما روي عن علي بن أبي طالب في قول الله ( عز وجل ) : " كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين " المدثر 38 ، 39 قال : هم أطفال المسلمين .

                                                                                                                        12083 - وقد ذكرنا هذه الآثار بأسانيدها في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        12084 - وقال آخرون : حكم الأطفال كلهم كحكم آبائهم في الدنيا والآخرة منهم مؤمنون بإيمان آبائهم وكافرون بكفر آبائهم فأطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في النار .

                                                                                                                        [ ص: 397 ] 12085 - وحجتهم حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أطفال الكفار : " هم من آبائهم " .

                                                                                                                        12086 - وهذا عندي لا حجة فيه ، لأنه إنما ورد في أحكام الدنيا أنهم إن أصيبوا في التبييت والغارة فلا قود فيهم ولا دية ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان في دار الحرب .

                                                                                                                        [ ص: 398 ] 12087 - واحتجوا أيضا بحديث الشعبي عن علقمة بن قيس عن سلمة بن يزيد الجعفي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إن أمنا ماتت في الجاهلية ، وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وتفعل وتفعل ، فهل ينفعها من عملها شيء ؟ قال : " لا " قلنا : إن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث ، فهل ذلك نافع أختنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة [ ص: 399 ] الإسلام فيغفر لها " .

                                                                                                                        12088 - وروى بقية بن الوليد عن محمد بن زياد الألهاني قال : سمعت عبد الله بن أبي قيس يقول سمعت عائشة تقول سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين ، فقال : هم مع آبائهم ، قلت : فلا عمل قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " ، وسألته عن ذراري المشركين فقال : " هم مع آبائهم " قلت : فلا عمل قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

                                                                                                                        12089 - وقد روي هذا الحديث عن عائشة أيضا من وجهين غير هذا هما أضعف من هذا .

                                                                                                                        12090 - وفي حديث أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة [ ص: 400 ] زيادة في أولاد المشركين أنه قال : " والذي نفسي بيده لئن شئت لأسمعتك تضاغيهم في النار " .

                                                                                                                        12091 - وأبو عقيل ضعيف متروك .

                                                                                                                        12092 - وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار وما كان مثلها في ( التمهيد ) ولو صح في هذا الباب شيء احتمل أن يكون خصوصا لقوم من المشركين ، ويدل على ذلك أيضا قوله : " لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار " .

                                                                                                                        12093 - وهذا لا يكون إلا فيمن مات وصار في النار على أن التخصيص ليس له حظ من النظر والأولى بأهل النظر أن يعرضوا لهذه الآثار بما هو أقوى مجيئا منها عن النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة للأطفال كلهم بالجنة .

                                                                                                                        12094 - وقد احتج من ذهب إلى أن أطفال الكفار في النار وأطفال المسلمين في الجنة بقوله تعالى : " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء " الطور 21 وقوله ( عز وجل ) لنوح ( عليه السلام ) : " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " هود 36 ، فلما قيل لنوح ذلك وعلم أنهم لا يؤمنون وأنهم على كفرهم يموتون دعا عليهم بهلاكهم جميعا ، فقال " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " نوح 26 ، 27 .

                                                                                                                        [ ص: 401 ] 12095 - وهذا عندي لا حجة فيه لأنه في قوم بأعيانهم يلدون الفجار والكفار ولا يصح الفجور والكفر إلا ممن تجري عليه الأقلام ويلحقه التكليف .

                                                                                                                        12096 - وقال آخرون : أولاد المسلمين وأولاد الكفار إذا ماتوا صغارا في الجنة .

                                                                                                                        12097 - وقال بعضهم : هم خدم أهل الجنة يعني أولاد المشركين خاصة .

                                                                                                                        12098 - وحجتهم ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا عوف عن خنساء امرأة من بني صريم عن عمها قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الأنبياء في الجنة والشهداء في الجنة والمولود في الجنة والوليد في الجنة " .

                                                                                                                        12099 - ومن حديث عائشة قالت : سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال : " هم مع آبائهم " ثم سألته بعد ذلك فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " ثم سألته بعد ذلك فنزلت " ولا تزر وازرة وزر أخرى " الأنعام 164 فقال : " هم على الفطرة وهم في الجنة " .

                                                                                                                        12100 - وفي حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم " .

                                                                                                                        12101 - قال أبو عمر : إنما قيل للأطفال اللاهين لأن أعمالهم كاللهو .

                                                                                                                        [ ص: 402 ] واللعب من غير عمد ولا قصد من قولهم لهيت عن الشيء إذا لم أعتقده كقوله تعالى : " لاهية قلوبهم " { الأنبياء 3 } .

                                                                                                                        12102 - ومن حديث سلمان قال : أطفال المشركين خدم أهل الجنة .

                                                                                                                        12103 - وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أنس .

                                                                                                                        12104 - وروى أبو رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الطويل حديث الرؤيا ، وفيه قوله ( عليه السلام ) : " وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ( عليه السلام ) وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة " قال : فقيل : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ، فقال : " وأولاد المشركين " .

                                                                                                                        12105 - وفي رواية أخرى عن أبي رجاء عن سمرة في هذا الحديث والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس ، فهذا يقتضي ظاهره وعمومه جميع الناس .

                                                                                                                        12106 - وآثار هذا الباب معارضة لحديث الوائدة والموءودة في النار وما كان مثله .

                                                                                                                        12107 - وإذا تعارضت الآثار وجب سقوط الحكم بها ورجعنا إلى أن الأصل أنه لا يعذب أحد إلا بذنب لقوله تعالى : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " الإسراء 15 وقوله " ألم يأتكم رسل منكم " { الزمر 71 } .

                                                                                                                        12108 - وآيات القرآن كثيرة في هذا المعنى على أني أقول : إن الله ليس بظلام [ ص: 403 ] للعبيد ، ولو عذبهم لم يكن ظالما لهم ولكن جل من تسمى بالغفور الرحيم الرءوف الحكيم أن تكون صفاته إلا حقيقة لا إله إلا هو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

                                                                                                                        12109 - وقال آخرون : يمتحنون في الآخرة .

                                                                                                                        12110 - واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال يقول الهالك في الفترة لم يأت كتاب ولا رسول ، ثم تلا قوله تعالى : " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك " طه 134 ويقول المعتوه يا رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا قال ويقول المولود رب لم أدرك العقل والعمل قال فترفع لهم نار فيقال لهم ردوها وادخلوها قال فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل قال فيقول الله ( عز وجل ) إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم " .

                                                                                                                        12111 - وقد روي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل معنى هذا الحديث .

                                                                                                                        12112 - وقد روي أيضا من حديث معاذ بن جبل مثله ومعناه .

                                                                                                                        [ ص: 404 ] 12113 - وهي كلها أسانيد ليست بالقوية ولا يقوم بها حجة وقد ذكرناها بأسانيدها في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        12114 - وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب ، لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يخلو أمر من مات في الفترة من أن يموت كافرا أو غير كافر إذا لم يكفر بكتاب الله ولا رسول ، فإن كان قد مات كافرا جاحدا فإن الله قد حرم الجنة على الكافرين فكيف يمتحنون وإن كان معذورا بأن لم يأته نذير ولا أرسل إليه رسول ، فكيف يؤمر أن يقتحم النار وهي أشد العذاب ؟ والطفل ومن لا يعقل أحرى بأن لا يمتحن بذلك .

                                                                                                                        12115 - وإنما أدخل العلماء في هذا الباب النظر لأنه لم يصح عندهم فيه الأثر وبالله التوفيق لا شريك له .

                                                                                                                        12116 - وقد ذكره ابن عباس ومحمد ابن الحنفية وجماعة من أهل الكلام في الأطفال والقدر .

                                                                                                                        12117 - ذكر إسحاق بن راهويه قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردي قال : سمعت ابن عباس يقول : لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو متقاربا حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر .

                                                                                                                        12118 - قال يحيى بن آدم : فذكرته لابن المبارك فقال : أيسكت الإنسان على الجهل ؟ قلت : فيأمر بالكلام ؟ فسكت .

                                                                                                                        [ ص: 405 ] 12119 - وذكر المروذي قال : حدثنا عمرو بن زرارة قال : أخبرنا إسماعيل ابن علية عن ابن عون قال : كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال له : ماذا كان بين قتادة وبين حفص بن عدي في أولاد المشركين ؟ قال : وتكلم ربيعة الرأي في ذلك فقال القاسم : إذا الله نهى عن شيء فانتهوا وقفوا عنده قال : فكأنما كانت نارا فأطفئت .

                                                                                                                        12120 - وقد سمع ابن عباس رجلين يتكلمان في القدر فقال : كلاكما زائغ .

                                                                                                                        12121 - قال أبو عمر : قد ذكرنا والحمد لله ما بلغنا عن العلماء في معنى الفطرة التي يولد المولود عليها واختصرنا القول لأنا بسطناه في ( التمهيد ) .

                                                                                                                        12122 - وكل ما ذكرناه من ذلك فإنما هو أحكامهم في الآخرة وبقيت أحكامهم في الدنيا .

                                                                                                                        12123 - فمن ذلك ما أجمع عليه العلماء وما اختلفوا فيه ونحن نذكر ذلك هاهنا بعون الله وفضله لا شريك له : أجمع العلماء فيما علمت قديما وحديثا على أن أحكام الأطفال في الدنيا كأحكام آبائهم ما لم يبلغوا ، فإذا بلغوا فحكمهم حكم أنفسهم هذا في أطفال المسلمين وأطفال أهل الذمة كآبائهم في المواريث والنكاح والصلاة على أطفال المسلمين منهم ، وأما أطفال الحربيين فإن حكمهم مخالف لحكم آبائهم لأن آباءهم يقتلون وهم يسبون ولا يقتلون إلا أن يقاتلوا إلا أنهم اختلفوا في الطفل الحربي يسبى ومعه أبواه أو أحدهما أو يسبى وحده .

                                                                                                                        12124 - فذهب مالك - في رواية المصريين عنه وهو المشهور عندنا من مذهبه أن الطفل من أولاد الحربيين وسائر الكفار لا يصلى عليه إن مات سواء كان معه [ ص: 406 ] أبواه أو لم يكونا حتى يعقل الإسلام ويلقنه فيلقنه ويسلم .

                                                                                                                        12125 - وهو عنده أنه على دين أبويه حتى يبلغ ويعبر عنه لسانه ، فإن اختلف دينه على دين أبويه فهو عنده على دين أبيه دون أمه .

                                                                                                                        12126 - ومن الحجة لمذهبه إجماع العلماء على أنه ما دام مع أبويه ولم يلحقه سباء فحكمه حكم أبويه حتى يبلغ .

                                                                                                                        12127 - فكذلك إذا سبي وحده لا يصير السبي حكمه حتى يبلغ فيعبر عنه لسانه .

                                                                                                                        12128 - وهو قول الشعبي وعبد الله بن عون .

                                                                                                                        12129 - ذكر أبو إسحاق الفزاري عن سلمة بن تمام قال : قلت للشعبي : إني بخراسان أبتاع السبي فيموت بعضهم أفأصلي عليه ؟ قال : إذا صلى فصل عليه .

                                                                                                                        12130 - قال الفزاري : وسألت هشاما وابن عون عن السبي يموتون وهم صغار في ملك المسلمين ، فقال هشام : يصلى عليهم ، وقال ابن عون : لا يصلى عليهم حتى يصلوا .

                                                                                                                        12131 - وذكر عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون عن أبيه ، ومالك المخزومي ، وابن دينار وغيرهم أنهم كانوا يذهبون إلى أن الصبيان من السبي إذا كان معهم آباؤهم فهم على دين أبيهم إن أسلم أبوهم صاروا مسلمين بإسلامه ، وإن يمت على الكفر فهم على دينه ولا يعتد فيهم بدين الأم على حال لأنهم لا ينتسبون إليها وإنما ينتسبون إلى أبيهم وبه يعرفون .

                                                                                                                        12132 - قال عبد الملك : هذا ما لم يفرق بينهم السباء فيقعون في قسم مسلم وملكه بالبيع والقسم فإذا فرق بينهم وبين آبائهم بالبيع أو القسمة فأحكامهم حينئذ [ ص: 407 ] أحكام المسلمين في الصلاة عليهم والدفن في مقابر المسلمين والموارثة وغيرها .

                                                                                                                        12133 - قال أبو عمر : قول عبد الملك وروايته هذه عن أصحابه مالك وغيره من أهل المدينة كمذهب الأوزاعي وأهل الشام .

                                                                                                                        12134 - قال الأوزاعي في الصبيان يموتون من السبي بعد أن اشتروا قال : يصلى عليهم وإن كانوا لم يباعوا لم يصل عليهم .

                                                                                                                        12135 - يريد إذا كانوا في ملك مسلم فملكه لهم أولى بهم من حكم آبائهم .

                                                                                                                        12136 - قال ابن الطباع : على هذا فتيا أهل الثغر وهو قول سليمان بن موسى ورواية الحارث عن الأوزاعي .

                                                                                                                        12137 - وذكر أبو المغيرة عن صفوان بن عمرو قال : سمعت أصحابنا ومشيختنا يقولون : ما ملك المسلمون من صبيان العدو فماتوا يصلى عليهم ، وإن لم يصلوا لأنهم مسلمون ساعة يملكهم المسلمون .

                                                                                                                        12138 - وقال تمام بن نجيح : كنت مع سليمان بن موسى بأرض الروم وهو على السبي ، فكانوا يموتون صغارا فلا يصلي عليهم ، فقلت : أليس كان يقال ما أحرز المسلمون يصلى عليهم ؟ قال : ذاك إذا اشتراه مسلم فصار في ملكه .

                                                                                                                        12139 - قال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما ، وهو قول حماد بن أبي سليمان : حكم الطفل حكم أبويه إذا كانا معه أو كان معه أحدهما وسواء الأب والأم في ذلك ، فإن لم يكونا معه ولا أحدهما فصار في ملك مسلم ، فحكمه حكم المسلمين ودينه دين سيده المسلم .

                                                                                                                        12140 - واختلف عن الثوري فروي عنه مثل قول أبي حنيفة ، وروى عنه ابن المبارك أنه قال : يصلى على الصبي وإن كان معه أبواه كافرين لأن الملك أغلب عليه [ ص: 408 ] وأملك به ، وهذا كقول الأوزاعي .

                                                                                                                        12141 - وقال الفزاري عن سفيان : إذا دخلوا فئة المسلمين صلي عليهم وإذا صاروا في ملك المسلمين صلي عليهم .

                                                                                                                        12142 - وقال أبو ثور : إذا سبي الطفل مع أبويه أو أحدهما أو وحده ثم مات قبل أن يختار الإسلام لم يصل عليه .

                                                                                                                        12143 - وذكر أبو عبيد قول الأوزاعي : لأن دين سيده أحق به من دين والديه والإسلام يعلو ولا يعلى عليه قال ولما لم يكن على دين أبويه إذا كانا ميتين أو غائبين وكذلك إذا كانا حيين .

                                                                                                                        12144 - قال أبو عبيد : ويختلفون عن مالك فيه .

                                                                                                                        12145 - وقال أحمد بن حنبل : إذا سبي معه أبواه أو أحدهما ثم مات لم يصل عليه وهو على دينهما .

                                                                                                                        12146 - قال : وإن لم يكن معه أبواه صلى عليه المسلمون هم يلونه وحكمه حكمهم .

                                                                                                                        12147 - قال : وإن كان معه أبواه جاز أن يفدى به مسلم وإن لم يكونا معه لم يجز .

                                                                                                                        12148 - وكان ابن حنبل يتعجب من قول أهل الثغور في ذلك لأنهم لم يلتفتوا إلى أبويه في حال من الأحوال وجعلوا حكمه حكم سيده المسلم .

                                                                                                                        12149 - قال : ثم جعل يحتج عليهم بقول النبي فأبواه يهودانه أو [ ص: 409 ] ينصرانه .




                                                                                                                        الخدمات العلمية