الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما الشرط الأول في اختيار النصاب ، فقد خالف فيه مالك ، فقد قال : لا اعتبار بكون الأمهات نصابا ، بل تضم السخال وإن كانت الأمهات دون النصاب ، واستدل بأنه نماء مال في أثناء الحول فوجب أن يكون كالموجود في أول الحول .

                                                                                                                                            أصل ذلك : إذا كانت الأمهات أربعين . قال : ولأن أصول الزكوات مبنية على أن النماء الحادث من المال لا يعتبر في إيجاب زكاته أن يكون تابعا لنصاب مزكى ، ألا ترى أن الأصول تشهد له من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : عروض التجارات ، إذا اشترى عرضا بمائة درهم ، فربح فيه مائة درهم ، زكى الأصل والنماء ، لأنهما نصاب ، وإن لم يكن النماء تابعا للنصاب .

                                                                                                                                            والثاني : إن ملك مائة درهم أحد عشر شهرا ، ثم وجد مائة درهم ركازا زكاهما ، لأنهما نصاب ، وإن لم يكن الركاز والنماء تبعا لنصاب ، كذلك هاهنا .

                                                                                                                                            وذهب الشافعي وأبو حنيفة : إلى أن كون الأمهات نصابا شرط في وجوب ضم السخال إليها ، فإن كانت الأمهات دون النصاب ، لم يجب ضمها ، فإذا كملت مع السخال نصابا ، استؤنف لها الحول من يوم كمالها .

                                                                                                                                            والدلالة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إلا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول " وهذا مال لم يحل الحول على الأمهات منه ولا السخال ، فاقتضى أن لا يتعلق به وجوب الزكاة ، ولأنها زيادة كمل بها نصاب الحيوان فوجب أن يكون حولها من يوم كمالها ، كما لو ملك السخال من غير نتاجها من بيع أو غيره ، ولأن السخال من الأموال التي لا تجب الزكاة فيها إلا [ ص: 115 ] بالحول ، إلا أن حولها تارة يكون بنفسها وتارة يكون بغيرها ، ولا يجوز أن يتبع الغير في الحول ، ولا حول للغير ، فثبت أن حولها معتبر بنفسها .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن قياسهم على النصاب ، فالمعنى فيه أن الحول ثابت للأمهات ، فجاز أن تتبعها السخال في حولها ، وليس كذلك ما دون النصاب ، وأما استشهادهم بالأصول في زكاة العروض ، ومسألة الركاز ، فالجواب عنه ، أن يقال : أما مسألة عرض التجارة إذا اشتراه بدون النصاب ثم باعه بنصاب ، فقد كان أبو العباس بن سريج يسوي بينه وبين السخال ، ويقول : لا زكاة فيه إلا أن يشتري العرض بنصاب ، أو تكون قيمته يوم الشراء نصابا ، فعلى هذا سقط السؤال .

                                                                                                                                            وقال سائر أصحابنا : وهو ظاهر مذهب الشافعي أن زكاة العرض واجبة إذا كانت قيمته عند الحول نصابا ، وإن كان قد اشتراه بدون النصاب ، فعلى هذا الفرق بينه وبين السخال أن اعتبار تقويم العرض بنصاب يشق غالبا ، ولا يشق أن يعتبر كون الأمهات نصاب ، فلذلك سقط اعتبار النصاب في الأمهات ، لارتفاع مشقته ، توضيح ذلك أنه لو اشترى عرضا بنصاب ، ثم نقصت قيمته في تضاعيف الحول عن النصاب ، ثم عادت القيمة عند الحول إلى النصاب ، لزمته الزكاة ولم يسقط حكم ما مضى من الحول بنقصان القيمة ، ولو ملك أربعين شاة فتلف منها في تضاعيف الحول شاة ، ثم ملك مكانها شاة ببيع أو هبة استؤنف الحول ، وبطل حكم ما مضى منه بنقصان الشاة ، فقد وضح بما بيناه الفرق بين العرض والسخال .

                                                                                                                                            وأما مسألة الركاز فقد اختلف أصحابنا فيها ، فكان بعضهم يوجب الزكاة في المائة الركاز دون غيرها ؛ لأن الركاز مما يعتبر فيه النصاب ولا يعتبر فيه الحول ، والمائة الأخرى يعتبر فيها النصاب والحول ، فلذلك وجبت زكاة الركاز لوجود النصاب ، ولم تجب زكاة المائة الأخرى لفقد الحول ، فعلى هذا القول السؤال ساقط ، وقال آخرون من أصحابنا : بل زكاتها واجبة ؛ لأن النصاب فيها موجود ، والحول فيما يعتبر فيه موجود ، فوجب أن تلزم الزكاة فيها لوجود شرط الإيجاب فيها ، فعلى هذا الفرق بينه وبين السخال أن الركاز لا يعتبر فيه الحول ، والسخال يعتبر فيها الحول ، إما بنفسها أو تبعا لأمهاتها ، فافترق حكمهما في الزكاة لافتراق معناهما في الوجوب .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية