الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما الحكم الرابع ، وهو وجوب الكفارة : فقد اختلف قول الفقهاء في قدرها بعد اتفاقهم على وجوبها ، فذهب الشافعي أن الكفارة بدنة .

                                                                                                                                            وقال الحسن : الكفارة عتق رقبة كالوطء في الصوم .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : الكفارة شاة استدلالا بأن السبب الواحد لا يجوز أن يجب له التغليظ من وجهين ، فلما لزمه القضاء تغليظا ، وجب أن لا يلزمه البدنة تغليظا ، ولزمه الشاة اعتبارا [ ص: 217 ] بمحظورات الإحرام ؛ ولأن قضاء الحج يجب بشيئين فوات وفساد ، فلما وجب بفوات القضاء والتكفير بشاة ، وجب أن يجب بالفساد القضاء والتكفير بشاة .

                                                                                                                                            وتحرير ذلك قياسا أنه أحد سببي ما يجب به القضاء فوجب أن يوجب التكفير بشاة كالفوات .

                                                                                                                                            ودليلنا ما روي عن عمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة وأبي موسى أن على الواطئ في الحج بدنة ، ولم يفرقوا قبل عرفة وبعد عرفة ، وليس يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان إجماعا ، ولأن الإحرام قبل الوقوف أقوى منه بعد الوقوف ، ثم ثبت أن الوطء يوجب البدنة بعد الوقوف اتفاقا ، فأولى أن يكون يوجب البدنة قبل الوقوف حجاجا .

                                                                                                                                            وتحرير ذلك قياسا أنه وطء عمد صادف إحراما لم يتحلل شيئا منه ، فوجب أن تجب فيه بدنة كالوطء بعد الوقوف بعرفة ؛ ولأن كل سبب يوجب الفدية قبل الوقوف وبعده ، فالفدية الواجبة قبل الوقوف كالفدية الواجبة بعده قياسا على جزاء الصيد وفدية الأذى ؛ ولأن كل عبادة يوجب الوطء فيها الكفارة مع القضاء ، فتلك الكفارة هي العليا كالوطء في رمضان ، فأما استدلاله بأن السبب الواحد لا يجوز أن يجب به التغليظ من وجهين فباطل بالوطء في الصوم ، على أن الكفارة تغليظ ، وقد أجمعنا على إيجابها مع القضاء ، وإنما الخلاف في قدرها ، وأما جمعه بين الفساد والفوات فغير صحيح : لأن الكفارة إنما تغلظ لغلظ الفعل وعظم الإثم ، والفساد بالوطء معصية بعظم إثمها ، وقد لا يكون الفوات معصية يأثم بها ، فلم يجز أن يجمع بينهما في الكفارة مع افتراقهما في المعصية فهذا حكم القسم الأول في الوطء قبل الوقوف بعرفة وكذا حكمه لو كان في عرفة .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يطأ بعد الوقوف بعرفة وقبل الإحلال الأول ، فمذهب الشافعي أنه كالوطء قبل الوقوف بعرفة في وجوب الأحكام الأربعة ، وهي فساد الحج : ووجوب الإتمام ، ولزوم القضاء والكفارة ، وهي بدنة .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يفسد حجه وعليه بدنة ، فوافق في البدنة بعد الوقوف ، وإن كان مخالفا فيها قبل الوقوف ، وخالف في فساد الحج بعد الوقوف ، وإن كان موافقا فيه قبل الوقوف ، استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج فعلق إدراك الحج بعرفة ، فوجب أن ينتفي ورود الفساد بعد عرفة : لأن الفساد يمنع من إدراك الحج ؛ ولأنه حج لا يطرأ عليه الفوات ، فوجب أن لا يطرأ عليه الفساد كالوطء بعد التحلل الأول ؛ ولأن قضاء الحج يجب بالفوات كما يجب بالفساد ، ثم تقرر أن الفوات يسقط بالوقوف ، فوجب أن يكون الفساد يسقط بالوقوف .

                                                                                                                                            وتحرير ذلك قياسا أنه أحد سببي ما يجب به القضاء ، فوجب أن يسقط بالوقوف كالفوات ؛ ولأنه بعد الوقوف بعرفة هو ممنوع من الوطء لأجل بقاء الرمي يقع به التحلل [ ص: 218 ] الأول ، فلما كان ترك الرمي لا يفسد الحج ، فالوطء الذي منع منه لأجل الرمي أولى أن لا يفسد الحج .

                                                                                                                                            ودليلنا قوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [ البقرة : 197 ] ، فنهى عن الجماع فيه ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ؛ ولأنه وطء عمد صادف إحراما لم يتحلل شيء منه ، فوجب أن يفسده كالوطء قبل الوقوف ؛ ولأنه عبادة تجمع تحريما وتحليلا ، فجاز أن يطرأ الفساد عليها إلى أن يقع الإحلال منها كالصلاة ، فإن قيل المعنى في الصلاة ورود الفساد عليها مع بقاء شيء من إحرامها ، والحج لا يرد عليه الفساد بعد الإحلال الأول ، وإن كان باقيا في إحرامه ، قيل : هما في المعنى سواء ، وكل واحد منها يرد عليه الفساد قبل الخروج منه وبالإحلال الأول يكون خارجا من الحج ، قال الشافعي نصا في القديم ، وإذا تحلل التحلل الأول ، فقد أكمل الحج وخرج من الإحرام ، فهو يطوف ويسعى في غير الإحرام ، فإن قيل فلم منعتموه الوطء إذا كان خارجا من الإحرام ، قيل : لبقاء حكمه كالحائض التي تمنع من الوطء بعد انقطاع الحيض وقبل الغسل لبقاء حكمه ؛ ولأن الوقوف بعرفة يستفاد الأمن من فوات الحج ، والأمن من جواز العبادة لا يمنع من ورود الفساد عليها كالعمرة ، فوجب أن يستوي في إفساد الحج حكم ما قبل الوقوف بعرفة ، وما بعد الوقوف بعرفة ، وتحرير ذلك قياسا أنه محرم بعبادة أمن فواتها ، فجاز أن يفسدها الوطء ما لم يتحلل منها كالعمرة ، فإن قيل : المعنى في العمرة أنه لا يخشى فواتها بحال ؛ فلذلك جاز ورود الفساد عليها قبل الإحلال ، ولما كان الحج مما يخشى فواته في حال جاز أن لا يرد عليه الفساد قبل الإحلال ، قيل : هذا فاسد بالظهر والجمعة قد استويا في ورود الفساد عليهما ، وإن كانت الجمعة فخاف فواتها والظهر يأمن فواتها ؛ ولأنه فعل حرمة الإحرام فوجب أن يستوي حكم قبل الوقوف وبعده قياسا على سائر المحظورات .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج فهو استعمال ظاهره متعذر ؛ لأن بإدراك عرفة لا يكون مدركا للحج الطواف والسعي ، وإنما يكون مدركا لركن من أركان الحج يأمن به فوات الحج ، وذلك لا يمنع من ورود الفساد استشهادا بما ذكرناه .

                                                                                                                                            وأما قياسهم على الوطء بعد التحلل الأول ، فالمعنى فيه : أنه قد تحلل من إحرامه بما استباح من محظوراته ؛ فلذلك لحقه الفساد بوطئه ، وأما قياسهم على الفوات فغير صحيح : لأن الفوات أخف حالا من الفساد : لأن الفوات يسقط بإدراك بعض الشيء ، والفساد لا يسقط بإدراك بعض الشيء ، ألا ترى أن من أدرك ركعة من الجمعة فقد أمن فواتها ولا يأمن فسادها ، فكذلك جاز أن يأمن بالوقوف فوات الحج ولا يأمن فساده .

                                                                                                                                            وأما قولهم : إن ترك الرمي لما لم يفسد الحج : فالوطء الذي منع منه لأجل الرمي أولى [ ص: 219 ] أن لا يفسد الحج ، قيل : ليس تحريم الوطء لأجل بقاء الرمي ، وإنما هو لأجل بقاء الإحرام ، وبقاء الإحرام يؤذن بفساد العبادة كالصلاة والصيام .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يطأ بعد إحلاله الأول وقبل الثاني : فحجه صحيح مجزئ ولا قضاء عليه .

                                                                                                                                            وقال مالك : قد فسد بوطئه ما بقي من حجه ، وعليه قضاء عمرة من التنعيم ؛ لأن الباقي من حجه طواف وسعي وحلاق وذلك جمرة ، فلذلك لزمه قضاء عمرة .

                                                                                                                                            ودليلنا ما روي عن ابن عباس أنه قال : إذا وطئ بعد التحلل ، وروي بعد الرمي فحجه تام وعليه بدنة ، وليس يعرف له مخالف ؛ ولأنه فعل لم يفسد به الإحرام ، فوجب أن لا يلزمه به تجديد إحرام ، كالاستمتاع دون الفرج وسائر المحرمات ؛ ولأن الأصول موضوعة على أن ما أفسد بعض العبادة أفسد جميعها ، وما لم يفسد جميعها لم يفسد شيئا منها ، استشهادا بالصلاة والصيام ، فلما كان هذا الوطء غير مفسد لما مضى ، وجب أن يكون غير مفسد لما بقي ؛ ولأنه لو جاز أن يكون الوطء بعد الإحلال الأول مفسدا لباقي الحج دون ماضيه ؛ لجاز أن يكون الوطء بعد الوقوف مفسدا لباقي الحج دون ماضيه ، فلما كان هذا فاسدا بعد الوقوف وجب أن يكون فاسدا بعد الإحلال ، فإذا ثبت أن حجه صحيح ، وأنه لا قضاء عليه فالكفارة عليه واجبة ، وفيها وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : بدنة لحديث ابن عباس ولاختصاص الوطء المحظور بما في ما سواه في التكفير .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : عليه شاة : لأنه وطء لا يفسد الإحرام ، فوجب أن لا يوجب الفدية كالوطء دون الفرج ، وأما ما يقع به الإحلال الأول والإحلال الثاني فقد تقدم الكلام فيه فلم يحتج إلى إعادته ، فأما إذا وطئ بعد إحلاله الثاني فحجه مجزئ ولا كفارة عليه إجماعا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية