الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وإن خالعته بشيء مما عليه من المهر ، فما بقي فعليه نصفه ، ( قال المزني ) : هذا أشبه بقوله لأن النصف مشاع فيما قبضت وبقي " .

                                                                                                                                            [ ص: 524 ] قال الماوردي : وهذه المسألة من الخلع أوردها المزني في هذا الموضع من الصداق لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه خلع على الصداق ، فأوردها فيه .

                                                                                                                                            والثاني : ليفرق بها بين ما عاد من الصداق إلى الزوج بالهبة ، وبين ما عاد إليه بالخلع .

                                                                                                                                            والخلع : عقد تملك به الزوجة نفسها ، ويملك به الزوج مال خلعها ، كالنكاح الذي يملك به الزوج بضعها ، وتملك الزوجة به صداقها ، إلا أن الزوجة في الخلع تقوم مقام الزوج في النكاح ؛ لأنها تملك بالخلع بضع نفسها كما ملك الزوج بالنكاح بضعها ، والزوج في الخلع يقوم مقام الزوجة في النكاح ؛ لأنه يملك بالخلع البدل ، كما ملكت الزوجة بالنكاح المهر .

                                                                                                                                            فإذا خالع الرجل زوجته على صداقها ، فهو على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون بعد الدخول ، فالخلع به جائز ، سواء خالعها بجميع الصداق أو ببعضه ؛ لأنه قد استقر لها جميعه بالدخول فخالعته على ما قد استقر ملكها عليه .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يخالعها قبل الدخول ، فإن الزوج يملك من الصداق بطلاقه في غير الخلع نصفه ، ويبقى عليه نصفه ؛ لأن الفرقة إذا وقعت قبل الدخول من جهة الزوج سقط عنه نصف الصداق ، ولو وقعت من جهة الزوجة سقط عنه جميع الصداق .

                                                                                                                                            والفرقة في الخلع وإن تمت بهما ، فالمغلب فيها الزوج دونها ؛ لأنه قد يجوز أن يخالعها مع غيرها ، ولا يجوز أن تخالعه مع غيره ، وإذا كان كذلك ، فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يخالعها على جميع الصداق ، وهذا يأتي في كتاب الخلع .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يخالعها على بعضه ، وهو المسطور هاهنا ، فإذا أصدقها ألفا ، وخالعها قبل الدخول على نصفها ، وهو خمسمائة .

                                                                                                                                            قال الشافعي : فما بقي فعليه نصفه ، فجعل الشافعي الخمسمائة التي خالعها عليها يكون الخلع منها على نصفها وهو مائتان وخمسون ، ونصفها يملكه بطلاقه ، والنصف الباقي من الصداق وهو خمسمائة يملك نصفه بطلاقه وهو مائتان وخمسون ، ويبقى عليه نصفه وهو مائتان وخمسون يسوقه إليها .

                                                                                                                                            وقد كان الظاهر يقتضي أن يملك جميع النصف بالخلع ، ويملك النصف الآخر بالطلاق قبل الدخول ، فلا يبقى عليه من الصداق شيء .

                                                                                                                                            فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            [ ص: 525 ] أحدها - وهو قول أبي علي بن خيران - : أن المسألة مصورة أنه خالعها على نصف الألف وهو خمسمائة ، وهما يعلمان أنه يسقط بالطلاق نصفها ، ويبقى في الخلع نصفها ، فصار كأنه خالعها من الخمسمائة على ما يملكه منها بعد الطلاق وهو مائتان وخمسون ، فملك تلك الخمسمائة بخلعه وطلاقه ، ويبقى لها عليه خمسمائة ، ملك الزوج نصفها بطلاقه ، وذلك مائتان وخمسون ، وهو معنى قول الشافعي : وما بقي فعليه نصفه ، فصار ثلاثة أرباع الصداق وهو سبعمائة وخمسون ساقطا عن الزوج . النصف بالطلاق ، والربع بالخلع ، وبقي عليه الربع للزوجة ، وهو مائتان وخمسون .

                                                                                                                                            فقيل لابن خيران : فعلى هذا ما تقول فيمن باع عبده وعبد غيره بألف ، وهما يعلمان أن أحد العبدين مغصوب ؟ .

                                                                                                                                            قال : يصح البيع في العبد المملوك بجميع الألف ، ويكون ذكر المغصوب في العقد لغوا ، كما قال في الخلع .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن المسألة مصورة على أنها خالعته على ما يسلم لها بعد الطلاق من خمسمائة ، وصرحت به لفظا في العقد ، ولو لم تصرح به لم يكن عليهما به مقنع فيسقط عنه جميع الخمسمائة بالخلع والطلاق ، ويسقط عنه نصف الخمسمائة الأخرى بالطلاق ، ويبقى عليه نصفها وهو مائتان وخمسون ، وهو معنى قول الشافعي : وما بقي فعليه نصفه ، فيكون الجواب موافقا لجواب ابن خيران إذا صرحا بما علماه ، ومخالفا إن لم يصرحا به وإن علماه .

                                                                                                                                            والوجه الثالث - وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وأبي حامد المروزي - : أن المسألة مصورة على إطلاقهما لذلك في أنه خالعها على خمسمائة هي نصف الألف ، وقد كانت وقت العقد مالكة لجميع الألف ، فصح الخلع في نصفها ثم سقط نصف الخمسمائة التي خالعها بها بالطلاق ، فصار كمن خالعها على مال تلف نصفه بعد العقد وقبل القبض ، فيأخذ النصف الباقي .

                                                                                                                                            وفيما يرجع به بدل النصف التالف قولان :

                                                                                                                                            أحدهما - وهو قوله في القديم - : يرجع بمثل التالف إن كان ذا مثل ، أو بقيمته إن لم يكن له مثل .

                                                                                                                                            وعلى قوله في الجديد : يرجع عليها بنصف مهر المثل ، فعلى هذا يكون الخلع قد صح على نصف الخمسمائة وهو مائتان وخمسون ، وبطل في نصفها وهو مائتان وخمسون ، واستحق بدله على قوله في القديم مثله وهو مائتان وخمسون ، وعلى قوله في الجديد نصف مهر المثل .

                                                                                                                                            [ ص: 526 ] ثم بقي عليه نصف الصداق وهو خمسمائة قد سقط عنه نصفه بالطلاق وهو مائتان وخمسون ، وبقي عليه نصفه مائتان وخمسون ، وهو معنى قول الشافعي : وما بقي فعليه نصفه ، فيصير الباقي عليه مائتان وخمسون ، وفي الباقي قولان :

                                                                                                                                            أحدهما - وهو القديم - : مائتان وخمسون .

                                                                                                                                            والثاني - وهو الجديد - : نصف مهر المثل .

                                                                                                                                            فيكون الشافعي قد ذكر الباقي عليه ، ولم يذكر الباقي له .

                                                                                                                                            وهل يكون الباقي عليه قصاصا من الباقي له أم لا ؟ على اختلاف أقاويله في من له مال وعليه مثله ، فإن جعل ذلك قصاصا : برئا ، وإن لم يجعله قصاصا : تقابضا .

                                                                                                                                            فإن قيل : هلا قلتم إذا خالعها على نصف الألف أنه يصح الخلع في جميع النصف ؛ لأنه يسلم لها بعد الطلاق النصف ، كما لو خالعته على نصف ألف بينها وبين شريك لها أنه يصح في جميع النصف ؛ لأنه قد سلم لها من جميع الألف ؟

                                                                                                                                            قيل : الفرق بينهما : أنها في الصداق قد خالعت على نصفه ، وهي مالكة لجميعه ، فإذا سقط بعد الخلع نصفه بالطلاق لم يتعين حقها من النصف في الذي خالعت به دون الباقي ، فلذلك صار مشتركا فيها ، وليس كذلك حالها في الألف المشتركة ؛ لأنها لم تملك منها وقت الخلع إلا النصف ، فانصرف العقد إلى النصف الذي لها ، ولم يتوجه إلى النصف الذي يشركها فافترقا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية